خطبة عن (فَضَائِلُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
يوليو 14, 2026الخطبة الأولى (الْعَفْوُ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:199]. وقال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (133)، (134) آل عمران، وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (22) النور، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي تَعَامُلِهَا مَعَ الْخَلْقِ مَجْبُولَةٌ عَلَى النَّقْصِ، وَمُعَرَّضَةٌ لِلْخَطَأِ وَالزَّلَلِ؛ فَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مَرْءٌ مِنْ مَظْلَمَةٍ تُصِيبُهُ فِي مَالِهِ، أَوْ خَدْشٍ يَنَالُ مِنْ عِرْضِهِ، أَوْ جَفْوَةٍ تُؤْذِي مَشَاعِرَهُ.
وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ الِاحْتِكَاكَاتِ الْيَوْمِيَّةِ، تَتَمَايَزُ النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ، بَيْنَ ضِيقٍ يَسْتَبِدُّ بِهِ سُلُوكُ الِانْتِقَامِ وَالتَّشَفِّي، وَبَيْنَ سَعَةٍ تَرْتَقِي بِصَاحِبِهَا إِلَى آفَاقِ النُّبْلِ وَالْمَجْدِ.
وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ الصِّفَاتِ الَّتِي زَكَّاهَا الْإِسْلَامُ، وَجَعَلَهَا مِعْيَارًا لِصَفَاءِ الْمَعْدِنِ: خُلُقُ “الْعَفْوِ“؛ تِلْكَ السَّجِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ، الَّتِي لَا تَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا النُّفُوسُ الْكَبِيرَةُ، وَلَا تَتَحَلَّى بِهَا إِلَّا الْقُلُوبُ الَّتِي عَمَرَهَا نُورُ الْإِيمَانِ.
ومَعْنَى الْعَفْوِ -يَا عِبَادَ اللهِ- لَيْسَ مُجَرَّدَ كَظْمِ الْغَيْظِ، مَعَ بَقَاءِ الضَّغِينَةِ فِي الصَّدْرِ، بَلْ هُوَ: التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ، وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ، مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَلَى إِيقَاعِهِ، وَإِسْقَاطُ اللَّوْمِ عَنِ الْمُسِيءِ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، حَتَّى كَأَنَّ الْخَطَأَ لَمْ يَكُنْ.
وهُنَاكَ نَظْرَة خَاطِئَة تَتَمَلَّكُ نُفُوسَ بَعْضِ النَّاسِ، وَتَقُودُ سُلُوكَهُمُ الِاجْتِمَاعِيَّ نَحْوَ الْقَسْوَةِ؛ حَيْثُ يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْمُسِيءِ ضَعْفٌ وَخَوَرٌ، وَأَنَّ التَّسَامُحَ مَعَ الظَّالِمِ مَهَانَةٌ وَمَذَلَّةٌ ، تُسْقِطُ هَيْبَةَ الرَّجُلِ بَيْنَ أَقْرَانِهِ.
وَهَذَا لَعَمْرُ اللهِ فَهْمٌ مَقْلُوبٌ لِمَوَازِينِ الْعِزَّةِ؛ فَالِانْتِقَامُ سَهْلٌ، تَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ نَفْسٍ جَامِحَةٍ، أَمَّا الْعَفْوُ فَهُوَ الشَّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، الَّتِي تَقْهَرُ هَوَى النَّفْسِ، وَتُخْضِعُ كِبْرِيَاءَهَا.
وَلَقَدْ صَحَّحَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا الْمَفْهُومَ الْمَغْلُوطَ؛ فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
فَالْعَفْوُ لَا يَزِيدُ الصَّاحِبَ إِلَّا رِفْعَةً وَمَهَابَةً فِي عُيُونِ الْخَلْقِ، وَقَبُولًا فِي السَّمَاءِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وإِنَّ لِلْعَفْوِ صُوَرًا مُتَعَدِّدَةً، وَمَظَاهِرَ وَأَشْكَالًا تَنْتَظِمُ بِهَا حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ؛ فَمِنْ أَعْلَى صُوَرِهِ: عَفْوُ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَعَفْوُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، وَعَفْوُ التَّاجِرِ عَنْ مَدِينِهِ الْمُعْسِرِ ، وَعَفْوُ الْمَظْلُومِ عَمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ أَوْ جَسَدِهِ.
وَلِكَيْ يَقْوَى الْمَرْءُ عَلَى هَذِهِ الشِّيمَةِ الشَّرِيفَةِ، جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ أَسْبَابًا مُعِينَةً، تُهَوِّنُ عَلَيْهِ ثِقَلَ الْمَظْلَمَةِ؛ ومِنْهَا:
النَّظَرُ فِي عَاقِبَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَذَكُّرُ كَثْرَةِ ذُنُوبِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ فِي حَقِّ اللهِ، وَحَاجَتِهِ إِلَى عَفْوِ خَالِقِهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:22].
وَمِنَ الْأَسْبَابِ المُعِينَة أَيْضًا: مَعْرِفَةُ أَنَّ انْشِغَالَ الْقَلْبِ بِالتَّشَفِّي، يُورِثُ الْهَمَّ وَالْمَرَضَ، بَيْنَمَا الْعَفْوُ يُورِثُ سَلَامَةَ الصَّدْرِ، وَرَاحَةَ الْبَالِ، وَاحْتِسَابُ الْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ الَّذِي ضَمِنَ جَزَاءَ الْعَافِينَ؛ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:40].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمَا أَعْظَمَ جَزَاءَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ!، فَمَنْ عَفَا عَنِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا: كَسَاهُ اللهُ ثَوْبَ الْمَهَابَةِ، وَأَلْقَى مَحَبَّتَهُ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، وَأَبْدَلَ غَيْظَهُ طُمَأْنِينَةً.
أَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَالْجَزَاءُ أَوْفَى وَأَجَلُّ؛ إِذْ يَغْفِرُ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَيُدْخِلُهُ الصَّفَّ الْمُمَيَّزَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ يُنَادِي مُنَادٍ: “لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ”، فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَنِ رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الْعَفْوُ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَرَى كَيْفَ تَحَوَّلَ هَذَا الْخُلُقُ إِلَى وَاقِعٍ حَيٍّ صَنَعَ التَّارِيخَ، فَلْنَنْظُرْ فِي سِيَرِ الْعُظَمَاءِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ نَبِيُّنَا الْمُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَقَدْ جَسَّدَ الْعَفْوَ فِي أَعْلَى مَنَازِلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَمَا وَقَفَ أَمَامَ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ آذَوْهُ، وَطَرَدُوهُ، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، وَأَلَبُوا عَلَيْهِ الْأَحْزَابَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُمْ وَأَصْبَحُوا تَحْتَ سَيْفِهِ، لَمْ يَسْفِكْ دِمَاءَهُمْ، وَلَمْ يَثْأَرْ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ الَّتِي هَزَّتْ مَسَامِعَ الدَّهْرِ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ مِنَ الضَّرْبِ وَالْإِهَانَةِ، وَكَيْفَ جَاءَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ (وَهُمَا الْجَبَلَانِ الْعَظِيمَانِ بِـمَكَّةَ)، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ الرَّحِيمِ إِلَّا أَنْ قَالَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
وَلَقَدْ سَارَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ عَلَى هَذَا الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، الَّذِي صَقَلَ نُفُوسَهُمْ؛ فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، حِينَمَا خَاضَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ فِي حَادِثَةِ الْإِفْكِ الَّتِي مَسَّتْ عِرْضَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ، لِقَرَابَتِهِ وَفَقْرِهِ، حَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور (22)، بَكَى الصِّدِّيقُ وَقَالَ: “بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي”، وَأَعَادَ النَّفَقَةَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَتْ.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ هَذَا النُّبْلُ عَلَى الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، بَلْ تَلَقَّفَهُ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ؛ فَهَذَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (رَحِمَهُ اللهُ)، سَكَبَتْ جَارِيَةٌ لَهُ مَاءً لِيَتَوَضَّأَ، فَسَقَطَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا غَضْبَانًا، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ الذَّكِيَّةُ مُذَكِّرَةً لَهُ بِكِتَابِ اللهِ: “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ”، فَقَالَ: “قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي”، قَالَتْ: “وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ”، قَالَ: “قَدْ عَفَوْتُ عَنْكِ”، قَالَتْ: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”، قَالَ: “اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى”.
هَكَذَا تَصْنَعُ الْبَصِيرَةُ الْإِيمَانِيَّةُ؛ تَنْقِلُ الْإِنْسَانَ مِنْ مَقَامِ الْغَضَبِ لِلنَّفْسِ إِلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ لِلْخَلْقِ، طَمَعًا فِي رِضَا الْـمَوْلَى.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَاجْعَلُوا الْعَفْوَ شِعَارَكُمْ: فِي بُيُوتِكُمْ، وَمَعَ جِيرَانِكُمْ، وَفِي أَسْوَاقِكُمْ؛ تَصْلُحْ أَحْوَالُكُمْ، وَتَتَنَزَّلْ عَلَيْكُمْ رَحَمَاتُ رَبِّكُمْ.
الدُّعَاءُ
