خطبة عن (يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ صَبْرًا)
يوليو 16, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (105) المائدة، وروى أبو داود في سننه: (قَالَ أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ، سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ – يَعْنِي بِنَفْسِكَ – وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ». وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالَ «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ».
إخوة الإسلام
عنوان لقائنا اليوم- إن شاء الله تعالى- (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، والتي جاء ذكرها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة:105].
وبداية: فلَقَدْ جَاءَ هَذَا الدِّينُ العَظِيمُ لِيُقِيمَ بِنَاءَ المُجْتَمَعِ عَلَى التَّنَاصُحِ وَالتَّكَافُلِ، وَلِيَحْمِيَ الفَرْدَ مِنَ الِانْجِرَافِ مَعَ تَيَّارَاتِ الهَلَاكِ، وَإِنَّ تَدَبُّرَ كِتَابِ اللهِ يَقْتَضِي فَهْماً سَلِيماً لِآيَاتِهِ، حَتَّى لَا تَتَّخِذَ النُّفُوسُ المُرْتَخِيَةُ مِنْ نُصُوصِ الوَحْيِ مَعَاذِيرَ لِلْقُعُودِ عَنِ الوَاجِبَاتِ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ مِيزَانٍ شَرْعِيٍّ دَقِيقٍ، يَرْسُمُ فِيهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ عِنْدَمَا تَمُوجُ الفِتَنُ، وَتَتَبَدَّلُ المَعَايِيرُ.
فإِنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي “الفَهْمِ الخَاطِئِ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ”؛ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) هُوَ دَعْوَةٌ لِلْأَنَانِيَّةِ، وَإِذْنٌ بِتَرْكِ النَّصِيحَةِ، وَتَسْوِيغٌ لِلِانْعِزَالِ عَنِ المُجْتَمَعِ، وَتَرْكِ المُنْكَرَاتِ تَفْشُو دُونَ إِنْكَارٍ، قَائِلِينَ: “لَا شَأْنَ لَنَا بِالنَّاسِ، وَكُلُّ امْرِئٍ بِهَمِّهِ نَفْسِهِ”، وَهَذَا لَعَمْرُ اللهِ فَهْمٌ مَعْكُوسٌ تَرُدُّهُ الشَّرِيعَةُ،
أَمَّا “المَعْنَى الصَّحِيحُ لِلْآيَةِ”: فَقَدْ بَيَّنَهُ الصَّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [رواه أبو داود].
فَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ هُوَ: اِلْزَمُوا صَلَاحَ أَنْفُسِكُمْ، بِأَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَالَّتِي مِنْ أَعْظَمِهَا: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَإِذَا أَدَّيْتُمْ هَذَا الوَاجِبَ، فَلَا يَضُرُّكُمْ ضَلَالُ مَنْ ضَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن الملاحظ أنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الفَهْمَيْنِ بَوْنٌ شَاسِعٌ؛ فَالْفَهْمُ الخَاطِئُ يُنْتِجُ مُجْتَمَعاً مُمَزَّقاً، تَنْتَشِرُ فِيهِ الرَّذِيلَةُ بِلَا رَادِعٍ، وَيَسْقُطُ فِيهِ حِسُّ المَسْؤُولِيَّةِ، مِمَّا يَجْلِبُ سَخَطَ اللهِ العَامَّ.
أَمَّا الفَهْمُ الصَّحِيحُ فَيُثْمِرُ مُجْتَمَعاً حَيّاً، يَتَنَاصَحُ أَبْنَاؤُهُ، وَيَتَآزَرُونَ عَلَى الخَيْرِ، وَيَكُونُ فِيهِ الفَرْدُ آمِناً فِي دِينِهِ، لِأَنَّهُ أَعْذَرَ إِلَى اللهِ بِنَصِيحَتِهِ.
وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ “أَهَمِّيَّةُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ”؛ فَهِيَ صِمَامُ الأَمَانِ لِلْأُمَّةِ، وَبِهَا نِلْنَا خَيْرِيَّةَ الأُمَمِ، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران:110].
وَإِنَّ “عُقُوبَةَ التَّهَاوُنِ فِيهِ” شَدِيدَةٌ: فَهُوَ سَبَبٌ لِلَّعْنَةِ وَالطَّرْدِ مِنَ الرَّحْمَةِ، كَمَا حَدَثَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة:78-79].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: مَتَى يجوز للمسلم أن يُحْجِم عَنِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟، وَمَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ؟، والجَوَابُ: نَجِدُهُ فِي الحَدِيثِ الفَذِّ، الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: (عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ – يَعْنِي بِنَفْسِكَ – وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ».
فهَذَا هُوَ الوَقْتُ الَّذِي يَعْجِزُ فِيهِ المَرْءُ عَنِ الإِصْلَاحِ العَامِّ، لِفَسَادٍ جَارِفٍ، وَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّ النَّصِيحَةَ لَا تَجِدُ لَهَا مَكَاناً، بَلْ تُقَابَلُ بِالسُّخْرِيَّةِ، أَوْ بالأَذَى المَحْضِ الَّذِي لَا يُطَاقُ، فَيَنْتَقِلُ الوَاجِبُ هُنَا مِنْ إِصْلَاحِ العَامَّةِ، إِلَى حِمَايَةِ الخَاصَّةِ النَّفْسِيَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا “وَصْفَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ الزَّمَنِ” بِصِفَاتِهِ الأَرْبَعِ، والَّتِي نَرَى الكَثِيرَ مِنْهَا اليَوْمَ؛
أَوَّلُهَا: «شُحًّا مُطَاعًا»: وَالشُّحُّ هُوَ شِدَّةُ البُخْلِ، مَعَ الحِرْصِ، فَإِذَا صَارَ مُطَاعاً، نَزَعَتِ المَوَدَّةُ ،وَأَصْبَحَ المَالُ إِلَهاً يُعْبَدُ.
ثَانِيُهَا: «هَوَىً مُتَّبَعًا»: حَيْثُ لَا يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، بَلْ تَقُودُهُمْ نَزَوَاتُهُمْ وَرَغَبَاتُهُمْ، فَيُحَلِّلُونَ مَا اشْتَهَوْا، وَيُحَرِّمُونَ مَا كَرِهُوا.
ثَالِثُهَا: «دُنْيَا مُؤْثَرَةً»: أي تَقْدِيمُ مَتَاعِ العَاجِلَةِ عَلَى الآخِرَةِ، فَيُبَاعُ الدِّينُ، لِأَجْلِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ.
رَابِعُهَا: وَهُوَ مَقْتُ المَقْتِ: «إِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ»: حَيْثُ يَظُنُّ الجَاهِلُ أَنَّهُ عَالِمٌ، وَيَتَكَلَّمُ التَّافِهُ فِي أُمُورِ العَامَّةِ، فَلَا يُقْبَلُ تَوْجِيهٌ مِنْ كَبِيرٍ، وَلَا يُسْمَعُ لِأَمْرِ فَقِيهٍ.
فَإِذَا بَلَغَ المُجْتَمَعُ هَذِهِ الحَالَةَ مِنَ العَمَى الثَّقَافِيِّ، وَالأَخْلَاقِيِّ، فَقَدْ جَاءَ التَّوْجِيهُ: «فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي خِتَامِ الحَدِيثِ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الأَمَلِ، وَيَشْحَنُ النُّفُوسَ بِالعَزِيمَةِ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الجَمْرِ».
فهَذَا الوَصْفُ البَلِيغُ، يُبَيِّنُ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالغُرْبَةِ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ يُمْسِكُ بِكِفِّهِ جَمْرَةً مُلْتَهِبَةً؛ فَهِيَ تَحْرِقُ بَدَنَهُ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّخَلِّي عَنْهَا، لِأَنَّ فيها نَجَاتهُ.
فَالمُؤْمِنُ فِي زَمَنِ المَعَاصِي الجَارِفَةِ يُحَارَبُ فِي عِفَّتِهِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِتَدَيُّنِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وتَأَمَّلُوا المَوْعُودَ العَظِيمَ لِأَهْلِ الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قوله صلى الله عليه وسلم: «لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ
رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ»، فَقد عَجِبَ الصَّحَابَةُ مِنْ عِظَمِ هَذَا الثَّوَابِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ،
أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ -أَيْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ النَّاقِصِينَ؟- فَصَدَعَ النَّبِيُّ بِالمُفَاجَأَةِ الكُبْرَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ».
فسُبْحَانَ اللهِ!، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ!، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَجِدُونَ عَلَى الخَيْرِ أَعْوَاناً، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ، وَيَعِيشُونَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ الأَنْوَرِ.
أَمَّا الغُرَبَاءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ فِي بِيئَةٍ طَارِدَةٍ، وَمُجْتَمَعٍ مُحَارِبٍ لِلْفَضِيلَةِ، فَلِأَجْلِ فَقْدِ الأَعْوَانِ وَعِظَمِ المَشَقَّةِ ضُوعِفَ لَهُمُ الأَجْرُ هَذِهِ المُضَاعَفَةَ الهَائِلَةَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَا يَدْعُونَا لِلْيَأْسِ، بَلْ يَدْعُونَا لِتَحْصِينِ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا، فَمَا دُمْتَ تَقْدِرُ عَلَى نَصِيحَةِ جَارِكَ، أَوْ تَرْبِيَةِ ابْنِكَ، أَوْ تَوْجِيهِ صَدِيقِكَ، فَالْوَاجِبُ قَائِمٌ.
فَإِذَا رَأَيْتَ المَوْجَ قَدْ عَلَا، وَرَفَضَ النَّاسُ كَلَامَ الرُّشْدِ، فَانْكَفِئْ عَلَى بَيْتِكَ، وَأَصْلِحْ خَاصَّتَكَ، وَاقْبِضْ عَلَى جَمْرِ دِينِكَ بِيَدِ اليَقِينِ، مُسْتَحْضِراً أَنَّ المَوْعُودَ هُوَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ورضوان الله عليهم، فَالْغُرْبَةُ بَادِيَةٌ، وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ لَا تَلْهِيهِمْ عَرَضُ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ المَوْلَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: هَلْ نَحْنُ مِمَّنْ يَقْبِضُ عَلَى الجَمْرِ فِي زَمَنِ الشَّهَوَاتِ؟، أم ممن يخوض مع الخائضين؟، وأذكركم ونفسي، بما رواه الترمذي في سننه: (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا».
فاللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، واعْصِمْنَا مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الصَّبْرِ وَاليَقِينِ، وارْزُقْنَا أَجْرَ الصَّابِرِينَ الغُرَبَاءِ، وَاحْفَظْ ذُرِّيَّاتِنَا مِنْ شُرُورِ الهَوَى وَالشُّحِّ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ جَمِيعاً، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.
الدعاء
