خطبة عن (أَحْكَامِ الأُضْحِيَّةِ وَسُنَنِ يَوْمِ العِيدِ)
مايو 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رحلة الحج دروس وعبر)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:28].
إخوة الإسلام
إِنَّ رِحْلَةَ الحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ لَيْسَتْ سَفَراً عَابِراً، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، تَغْرِسُ فِي النَّفْسِ دُرُوساً، تَبْقَى عَلَى مَدَى الحَيَاةِ، فلَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ المَنَاسِكَ حَافِلَةً بِالعِبَرِ، لِيَعُودَ الحَاجُّ بَعْدَهَا بِرُوحٍ جَدِيدَةٍ، وَنَظْرَةٍ لِلْحَيَاةِ مُخْتَلِفَةٍ، فَهِيَ رِحْلَةٌ مِنَ الفَانِي إِلَى البَاقِي، وَمِنَ المَخْلُوقِ إِلَى الخَالِقِ.
وأَوَّلُ دُرُوسِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ هِيَ “قِيمَةُ الوَقْتِ وَاغْتِنَامُ المَوَاسِمِ”، فَالْحَاجُّ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْحَجِّ (أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وَأَنَّ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقْتاً مُحَدَّداً، لَوْ فَاتَهُ لَفَاتَهُ الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ العُمْرَ فُرَصٌ قَدْ لَا تَتَكَرَّرُ، وَأَنَّ السَّعِيدَ مَنْ عَرَفَ كَيْفَ يَسْتَثْمِرُ أَنْفَاسَهُ فِيمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ، فَكَمَا حَرِصَ الحَاجُّ عَلَى الدَّقِيقَةِ فِي عَرَفَاتٍ، يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى سَاعَاتِ عُمْرِهِ، فَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، وَالحِسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَى القَلِيلِ وَالكَثِيرِ.
أما الدَّرْسُ الثَّانِي: فهُوَ “التَّرْبِيَةُ عَلَى النِّظَامِ وَالطَّاعَةِ”، فَمَلَايِينُ البَشَرِ يَتَحَرَّكُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَيَفِيضُونَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، لَا تَقَدُّمَ وَلَا تَأَخُّرَ، وهَذَا المَشْهَدُ يُبَيِّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ دِينُ النِّظَامِ، وَأَنَّ قُوَّةَ المُسْلِمِينَ فِي انْضِبَاطِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ لِشَرْعِ رَبِّهِمْ،
إِنَّ العِبَادَةَ الَّتِي لَا تُنَظِّمُ حَيَاةَ العَبْدِ، وَلَا تُرَبِّيهِ عَلَى الدِّقَّةِ فِي مَوَاعِيدِهِ وَتَعَامُلَاتِهِ، هِيَ عِبَادَةٌ نَاقِصَةُ الأَثَرِ، فَالْحَجُّ يُرَبِّي فِينَا جُنْدِيَّةَ الحَقِّ، حَيْثُ يُسَلِّمُ العَبْدُ قِيَادَهُ لِخَالِقِهِ فِي كُلِّ سَكَنَةٍ وَحَرَكَةٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ العِبَرِ فِي الحَجِّ: “تَرْسِيخُ مَعْنَى المَسْؤُولِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ”، فَكُلُّ حَاجٍّ يَمْشِي وَهَمُّهُ نَفْسُهُ: “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ”، كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ ذَنْبَهُ وَيَرْجُو رَبَّهُ، وهَذَا يُذَكِّرُنَا بِيَوْمِ القِيَامَةِ: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس:34-35]. فإِنَّ الحَجَّ رِحْلَةٌ لِمُوَاجَهَةِ الذَّاتِ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ، فَالْمُؤْمِنُ المُنِيبُ هُوَ مَنْ يَعُودُ مِنْ حَجِّهِ وَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ نَجَاتَهُ مَرْهُونَةٌ بِعَمَلِهِ، وَأَنَّ رِضَا اللهِ هُوَ المَطْلَبُ الأَسْمَى الَّذِي تُرْخَصُ لِأَجْلِهِ كُلُّ التَّضْحِيَاتِ.
وَلَا نَنْسَى دَرْسَ “الصَّبْرِ عَلَى البَلَاءِ وَالزِّحَامِ”، فَالْحَجُّ مَشَقَّةٌ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ كما في سنن الداري: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَهَا فِي عُمْرَتِهَا «إِنَّ لَكِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ». فهَذَا الصَّبْرُ يُرَبِّي المُسْلِمَ عَلَى احْتِمَالِ أَذَى الخَلْقِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْ هَفَوَاتِهِمْ، ومَنْ تَعَلَّمَ الرِّفْقَ فِي زِحَامِ الطَّوَافِ، وَسِعَ صَدْرُهُ لِلنَّاسِ فِي حَيَاتِهِ اليَوْمِيَّةِ. فَالْحَجُّ يَنْتَزِعُ الغِلَّ مِنَ القُلُوبِ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ رَفِيقاً بِنَفْسِهِ، بَرّاً بِإِخْوَانِهِ، لَا يَجْرَحُ بِلِسَانٍ، وَلَا يُؤْذِي بِيَدٍ.
ومن الدروس المستفادة: تحقيق التوحيد: فما من منسك من مناسك الحج إلا وفيه معلم من معالم التوحيد؛ فالتوحيد تتحقق معانيه في هذه الفريضة العظيمة؛ فأركان الحج وواجباته وسننه كلها توحيد، وما شُرعت إلا من أجل تحقيق التوحيد؛ بل أن البيت العتيق ما وضعت أركانه إلا على التوحيد، كما قال تعالى:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} الحج:26،
ومن الدروس المستفادة أيضا: تحقيق المتابعة والامتثال، ولذلك جاء في حديث جابر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم: (فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ)، ممتثلين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول :”خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم”؛ فترى الحاج حريص كل الحرص على تطبيق السنن في الحج والعمرة.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن الدروس المستفادة: توحيد وجمع كلمة المسلمين، وهكذا كل الفرائض والشرائع إنما شرعت لتحقيق هذا المعنى؛ فالمسلم يجتمع مع أهله وجيرانه في اليوم خمس مرات، يراهم ويتفقد أحوالهم، فإذا أتم الأسبوع اجتمع مع أهل حيه وقريته وذلك كل جمعة، وفي الحج يجتمع مع المسلمين من كافة البلاد والأقطار؛ لغات مختلفة، وألوان شتى، يسمع منهم مباشرة، ويتعايش مع هموم وآلام الأمة الإسلامية، بعيدًا عن أكاذيب الإعلام.
ومن الدروس المستفادة أيضا: تذكر أحوال يوم القيامة: فتأمل عندما يودع الحاج أهله وذويه، ويرتحل عنهم؛ فيتذكر يوم أن يرحل عنهم إلى الدار الآخرة، فإذا وصل إلى الميقات يغتسل، ويتجرد من ملابسه، فيتذكر يوم أن يكون طريحًا بين يدى أهله وذويه وقد غسلوه، وكفنوه.
أما الدَّرْس الخِتَامِيّ لِرِحْلَةِ الحَجِّ فهُوَ “الِاسْتِقَامَةُ بَعْدَ العَمَلِ”، فَلَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَحُجَّ فَقَطْ، بَلِ الشَّأْنُ أَنْ تَبْقَى حَاجّاً فِي أَخْلَاقِكَ بَعْدَ العَوْدَةِ، قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “عَلَامَةُ الحَجِّ المَبْرُورِ أَنْ يَعُودَ الحَاجُّ زَاهِداً فِي الدُّنْيَا، رَاغِباً فِي الآخِرَةِ”، وإِنَّ مَنْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ فِي عَرَفَاتٍ، لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلَطِّخَ صَحِيفَتَهُ البَيْضَاءَ بَعْدَ الرُّجُوعِ بِمَعَاصٍ جَدِيدَةٍ، فَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى الطَّاعَةِ هُوَ دَلِيلُ القَبُولِ، وَبُرْهَانُ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رحلة الحج دروس وعبر)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وتَذَكَّرُوا أَنَّ رِحْلَةَ الحَجِّ تُعَلِّمُنَا “الزُّهْدَ فِي الفَانِي”؛ فَالمَالُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ، وَالتَّعَبُ الَّذِي بَذَلْتَهُ، كُلُّهُ يَهُونُ فِي سَبِيلِ نَظْرَةٍ إِلَى الكَعْبَةِ، أَوْ دَعْوَةٍ فِي عَرَفَةَ، وهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا فِي قُلُوبِنَا؛ مَمَرّاً لَا مَقَرّاً،
فلِنَجْعَلْ مِنْ دُرُوسِ الحَجِّ زَاداً لَنَا فِي بَقِيَّةِ عَامِنَا، وَلْنَبْنِ فِي قُلُوبِنَا كَعْبَةً مِنَ التَّوْحِيدِ، وَعَرَفَةً مِنَ المَعْرِفَةِ، وَمُزْدَلِفَةً مِنَ الاِزْدِلَافِ وَالقُرْبِ مِنَ اللهِ، فَالْمُسْلِمُ فِي حَجٍّ دَائِمٍ نَحْوَ مَرْضَاةِ رَبِّهِ حَتَّى يَلْقَاهُ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ دُرُوسَ الحَجِّ نُوراً فِي بَصَائِرِنَا، وَأَثَراً فِي سُلُوكِنَا.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِكَ، وَارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِهِمْ بِدُرُوسٍ يَنْفَعُونَ بِهَا أُمَّتَهُمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسِيرُ عَلَى هَدْيِ نَبِيِّكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَثَبِّتْنَا عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى المَمَاتِ.
الدعاء
