خطبة عن (أساليب الرسول في التربية والتعليم)
يونيو 6, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَر؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ – رضي الله عنه – قَالَ سَأَلْتُ – أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ». قَالَ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) الفرقان:68.
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) [الفرقان:68].
فلَقَدْ جَاءَتْ شَرِيعَةُ الإِسْلَامِ بِحِفْظِ الضَّرُورِيَّاتِ الخَمْسِ: (الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالعِرْضِ، وَالعَقْلِ، وَالمَالِ)، وَإِنَّ الِانْتِهَاكَ لِهَذِهِ الكُلِّيَّاتِ هُوَ أَعْظَمُ الجَرَائِمِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
وَمِنْ أَعْظَمِ الأَحَادِيثِ النبوية الَّتِي فَصَّلَتْ مَرَاتِبَ هَذِهِ المَوْبِقَاتِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ؟)، فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي تَحْمِي البَشَرِيَّةَ مِنْ دَيَاجِيرِ الضَّلَالِ وَالفَسَادِ.
وكان أَوَّل ذَنْبٍ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَجَعَلَهُ رَأْسَ المَوْبِقَاتِ هُوَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، وَالنِّدُّ: هُوَ المِثْلُ وَالشَّرِيكُ، فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ هُوَ أَظْلَمُ الظُّلْمِ، وَأَكْبَرُ الكَبَائِرِ عَلَى الإِطْلَاقِ، لِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، الَّذِي أَوْجَدَ العَبْدَ مِنَ العَدَمِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ النِّعَمَ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ العَبْدُ لِيَعْبُدَ صَنَماً، أَوْ قَبْراً، أَوْ هَوَىً، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان:13]،
فالشِّرْك يَمْحَقُ العَمَلَ، وَيُوجِبُ الخُلُودَ فِي النَّارِ، لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ بِلَا تَوْبَةٍ، فَالْتَّوْحِيدُ هُوَ أَصْلُ النَّجَاةِ، وَبِدُونِهِ لَا قَبُولَ لِصَلَاةٍ وَلَا لِصِيَامٍ وغيرها من الأعمال.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ سَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثُمَّ أَيٌّ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، وَهَذِهِ الجَرِيمَةُ تَجْمَعُ بَيْنَ كَبِيرَتَيْنِ: قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فِي أَعْظَمِ صُوَرِهَا،
فلَقَدْ كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَئِدُونَ أَوْلَادَهُمْ، خَوْفاً مِنَ الفَقْرِ، فَجَاءَ الإِسْلَامُ لِيُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ، فَقَالَ تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) [الإسراء:31]،
فإِنَّ قَتْلَ الوَلَدِ خَوْفاً مِنَ النَّفَقَةِ هُوَ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وَانْتِزَاعٌ لِلرَّحْمَةِ مِنَ القَلْبِ البَشَرِيِّ، وَهُوَ هَدْمٌ لِنَوَاةِ المُجْتَمَعِ الأُولَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ثُمَّ أَيٌّ؟ فَقَالَ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) فِي المَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»، وَالحَلِيلَةُ هِيَ الزَّوْجَةُ، وَالزِّنَا فِي أَصْلِهِ فِاحِشَةٌ عُظْمَى وَسَاءَ سَبِيلاً، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ زَوْجَةِ الجَارِ تَعَاظَمَ إِثْمُهُ، لِأَنَّ الجَارَ لَهُ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ أُمِرَ المُسْلِمُ بِحِفْظِهِ وَحِمَايَةِ عِرْضِهِ، فَالْجَارُ يَأْمَنُ جَارَهُ عَلَى بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ، فَإِذَا خَانَهُ فِيهِمْ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِاحِشَةِ الزِّنَا، وَخِيَانَةِ الأَمَانَةِ، وَأَذِيَّةِ الجَارِ، قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ»، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه البخاري].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ الثَّلَاثَةَ هِيَ أُمَّهَاتُ المَعَاصِي الَّتِي تُدَمِّرُ الإِنْسَانِيَّةَ؛ فَالشِّرْكُ يُدَمِّرُ العَلَاقَةَ مَعَ الخَالِقِ، وَالقَتْلُ يُدَمِّرُ نِظَامَ الحَيَاةِ وَالأَمْنِ، وَالزِّنَا بِحَلِيلَةِ الجَارِ يُدَمِّرُ النَّسِيجَ الِاجْتِمَاعِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ،
وَلِعِظَمِ هَذَا الحَدِيثِ، وَصِدْقِ مَعَانِيهِ، نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ مُصَدِّقاً لَهُ؛ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرْقَانِ: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) الفرقان:68،
فَهَذَا التَّطَابُقُ بَيْنَ الوَحْيَيْنِ -الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- يُؤَكِّدُ أَنَّ الخُرُوجَ عَنْ هَذِهِ الحُدُودِ هُوَ سَبِيلُ الهَلَاكِ، وَأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بِهَا هُوَ طَرِيقُ الفَلَاحِ.
وهَذَا الحَدِيث العَظِيم يُرْشِدُنَا إِلَى دُرُوسٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ:
أَوَّلُهَا: حِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ مَرَاتِبِ الأَعْمَالِ؛ سَيِّئِهَا لِيَجْتَنِبُوهُ، وَصَالِحِهَا لِيَلْتَزِمُوهُ.
ثَانِيًا: أَنَّ الإِسْلَامَ دِينٌ قَائِمٌ عَلَى حِمَايَةِ الحُقُوقِ؛ فَحَقُّ اللهِ فِي التَّوْحِيدِ مُقَدَّمٌ، ثُمَّ حَقُّ الإِنْسَانِ فِي الحَيَاةِ، ثُمَّ حَقُّ المُجْتَمَعِ فِي العِفَّةِ وَالأَمَانِ.
ثَالِثًا: بَيَانُ أَنَّ الذُّنُوبَ تَتَفَاوَتُ فِي قُبْحِهَا بِحَسَبِ آثَارِهَا؛ فَالْقَتْلُ قَبِيحٌ، ولَكِنَّ قَتْلَ الوَلَدِ أَقْبَحُ، وَالزِّنَا مُحَرَّمٌ، ولَكِنَّ الزِّنَا بِامْرَأَةِ الجَارِ أَشَدُّ حُرْمَةً وَنَكَالاً.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَر؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
فعَلَيْنَا أَنْ نَحْمِيَ بُيُوتَنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا مِنْ هَذِهِ المَوْبِقَاتِ؛ بِتَرْسِيخِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ فِي نُفُوسِ
الأَبْنَاءِ، وَبِتَعْمِيقِ اليَقِينِ بِأَنَّ الأَرْزَاقَ بِيَدِ اللهِ، فَلَا نَخَافُ فَقْراً، وَبِإِحْيَاءِ حُقُوقِ الجِوَارِ، وَالعِفَّةِ فِي سُلُوكِنَا.
فإِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَحْفَظُ حَقَّ اللهِ، وَيَصُونُ الدِّمَاءَ، وَيَحْمِي الأَعْرَاضَ، هُوَ مُجْتَمَعٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ بَرَكَاتُ السَّمَاءِ.
فَالْتَّوْبَةَ التَّوْبَةَ، قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ اللهِ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.
فاللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَانْصُرِ المُسْلِمِينَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ.
اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ أَعْرَاضَهُمْ، وَقِنَا شَرَّ الفَوَاحِشِ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا حُمَاةً لِحُدُودِكَ، مُعَظِّمِينَ لِشَعَائِرِكَ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
الدعاء
