خطبة عن (أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ)
يونيو 3, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفَاتِحَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [سورة الفاتحة].
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفَاتِحَةِ)، فَقَدِ افْتَتَحَ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ العَظِيمَ بِهَذِهِ الآيات السَّبْعِ النَّافِذَةِ، لِتَكُونَ جَامِعَةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا،
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّى فَدَعَانِي النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّى. قَالَ «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ». فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»
وفي صحيح مسلم: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ (فَاتِحَةُ الْكِتَابِ) (وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ.
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ – ثَلاَثًا – غَيْرُ تَمَامٍ»
وفي سنن الترمذي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَمَرَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أُنَادِيَ أَنْ لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ)
وفي سنن الترمذي: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلاَ فِي الإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَهِىَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والنَّظَرُ إِلَى سُورَةِ الفَاتِحَةِ بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ، يَكْشِفُ عَنْ فِكْرَتِهَا المِحْوَرِيَّةِ الكُبْرَى: “عَهْدُ الصِّدْقِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ: ثَنَاءٌ، فَعُبُودِيَّةٌ، فَطَلَبٌ لِلْهِدَايَةِ”، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سُورَةٍ نَبْدَأُ بِهَا المُصْحَفَ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةُ الحَيَاةِ، الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا عِلَاقَةُ الإِنْسَانِ بِمَوْلَاهُ.
وتَأَمَّلُوا معي فِي هَذَا البُنْيَانِ المَوْضُوعِيِّ البَدِيعِ؛ فَقَدْ قَسَّمَتِ السُّورَةُ آيَاتِهَا إِلَى شَطْرَيْنِ وَثِيقَيْنِ؛ شَطْرٍ لِلثَّنَاءِ عَلَى الرَّبِّ، وَشَطْرٍ لِدُعَاءِ العَبْدِ،
فَبَدَأَ الشَّطْرُ الأَوَّلُ بِـقَوْلِهِ تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): وَالحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ بِالمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، لِأَجْلِ كَمَالِ صِفَاتِهِ وَعِظَمِ نِعَمِهِ.
وَ “رَبِّ العَالَمِينَ” هُوَ إِعْلَانُ الرُّبُوبِيَّةِ الشَّامِلَةِ لِكُلِّ مَنْ سِوَى اللهِ؛ فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ، وَرَزَقَ ،وَدَبَّرَ أُمُورَ الإِنْسِ وَالجِنِّ وَالأَكْوَانِ كُلِّهَا.
ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِـ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ لِيُعْلِمَنَا أَنَّ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَالتَّدْبِيرَ لَيْسَا قَائِمَيْنِ عَلَى البَطْشِ وَالجَبَرُوتِ، بَلْ هُمَا مُغَلَّفَانِ بِالرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ مَخْلُوقٍ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ الثَّنَاءُ إِلَى مَشْهَدِ العَدْلِ المُطْلَقِ وَالهَيْبَةِ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وَيَوْمُ الدِّينِ: هُوَ يَوْمُ الجَزَاءِ وَالحِسَابِ فِي الآخِرَةِ، وَفِي خُصُوصِ ذِكْرِ مِلْكِهِ لِذَلِكَ اليَوْمِ مَلْمَحٌ تَرْبَوِيٌّ عَمِيقٌ؛ فَمَعَ أَنَّهُ مَالِكُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ، لِأَنَّ كُلَّ المِلْكِيَّاتِ المَجَازِيَّةِ لِلْبَشَرِ تَتَلَاشَى فِيهِ، فَلَا مَلِكَ وَلَا سُلْطَانَ، بَلْ يَقِفُ الجَمِيعُ فُقَرَاءَ خَاضِعِينَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الحَقِّ،
فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِكَ أَنَّ اللهَ رَبُّكَ الرَّحِيمُ الَّذِي سَيُحَاسِبُكَ، انْفَتَحَتْ بَصِيرَتُكَ لِلرُّكْنِ الأَوْسَطِ فِي السُّورَةِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وآيَةَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): هِيَ العَقْدُ الفَاصِلُ، وَالبَرْزَخُ بَيْنَ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ، وَتَقْدِيمُ لَفْظِ “إِيَّاكَ” فِي لُغَةِ العَرَبِ يُفِيدُ القَصْرَ وَالحَصْرَ؛ أَيْ لَا نَعْبُدُ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا نَسْتَعِينُ بِأَحَدٍ سِوَاكَ ،وهُنَا يَتَبَرَّأُ المُسْلِمُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الشِّرْكِ بِالْجُزْءِ الأَوَّلِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، وَيَتَبَرَّأُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ بِالْجُزْءِ الثَّانِي (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فَلَا قُدْرَةَ لَكَ عَلَى أَدَاءِ طَاعَةٍ، وَلَا صَبْرَ لَكَ عَلَى تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، إِلَّا بِمَعُونَةِ اللهِ، فَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ شِعَارَهُ، حَمَى نَفْسَهُ مِنَ الكِبْرِ، وَالرِّيَاءِ، وَعَاشَ عَبْداً خَالِصاً لِصَمَدِ الخَلَائِقِ.
وإِنَّ الشَّطْرَ الثَّانِيَ مِنَ المَعْنَى المَوْضُوعِيِّ لِلْفَاتِحَةِ: هُوَ شَطْرُ الدُّعَاءِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يَعْقِبُ الاسْتِعَانَةَ؛ فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مَطْلَبٍ يَسْأَلُهُ العَبْدُ لِرَبِّهِ؟، فلَمْ تُعَلِّمْنَا السُّورَةُ أَنْ نَسْأَلَ مَالاً أَوْ جَاهاً، بَلْ عَلَّمَتْنَا أَنْ نَسْأَلَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ: هُوَ طَرِيقُ الإِسْلَامِ الصَّافِي، وَمَنْهَجُ السُّنَّةِ النَّقِيِّ، الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلَا غُلُوَّ وَلَا جَفَاءَ، واعلم أنَّ حَاجَتَكَ لِهَذِهِ الهِدَايَةِ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ نَفَسٍ؛ لِتَثْبُتَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَنْجُوَ مِنَ الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، الَّتِي تَتَخَطَّفُ العُقُولَ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُون
ثُمَّ تقسمُ السُّورَةُ طُرُقَ البَشَرِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَالِكَ وَاضِحَةٍ وهي:
مَسْلَكِ الصَّالِحِينَ: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مِنَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وَعَمِلُوا بِهِ.
وَمَسْلَكِ أَهْلِ الغَضَبِ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وَتَرَكُوهُ عَمْداً، حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا كَاليَهُودِ.
وَمَسْلَكِ أَهْلِ الضَّلَالِ: (وَلَا الضَّالِّينَ) وَهُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللهَ عَلَى جَهْلٍ وَخُرَافَةٍ، فَتَاهُوا عَنِ الطَّرِيقِ كَالنَّصَارَى.
فَالْفَاتِحَةُ تَعْصِمُ عَقْلَ المُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَ مَنْ عَرَفَ فَعَصَى، أَوْ مَنْ جَهِلَ فَضَلَّ، بَلْ تَجْعَلُهُ ثَابِتاً فِي صَفِّ أَهْلِ النِّعْمَةِ العِلْمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفَاتِحَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِأَجْلِ هَذِهِ الأَسْرَارِ كُلِّهَا، رَأَى رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ “الرُّقْيَةُ الشَّافِيَةُ”، الَّتِي تَشْفِي الأَبْدَانَ، وَالقُلُوبَ، حِينَ يَقْرَؤُهَا العَبْدُ بإخلاص ويَقِينٍ،
ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَىِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ، فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ، مَا كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أَوْ كُنْتَ تَرْقِى، قَالَ لاَ مَا رَقَيْتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ. قُلْنَا لاَ تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ- أَوْ نَسْأَلَ- النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»،
وفي سنن الدارمي: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ».
وفي فضائل هذه السورة: جَاءَ فِي الحَدِيثِ الذي رواه مسلم: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهْيَ خِدَاجٌ – ثَلاَثًا – غَيْرُ تَمَامٍ ».
فَقِيلَ لأَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ. فَقَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي – وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي – فَإِذَا قَالَ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»،
ولهذا، فَلَا تَقْرَؤُوا الفَاتِحَةَ فِي صَلَوَاتِكُمْ بِعَجَلَةٍ وَغَفْلَةٍ، بَلْ قِفُوا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، وَاسْتَشْعِرُوا رَدَّ الجَبَّارِ عَلَيْكُمْ، وَاجْعَلُوهَا مِيثَاقاً لِسُلُوكِكُمْ؛ فَلَا تَطْلُبُوا عَوْناً إِلَّا مِنْهُ، وَلَا تَسِيرُوا إِلَّا فِي طَرِيقِ أَهْلِ أَنْعَامِهِ، لِتَعِيشُوا أَسْوِياءَ مَرْحُومِينَ فِي كَنَفِهِ الطَّاهِرِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومما يدل على عِظَم سورة الفاتحة وفضلِها: اشتمالُها على معاني القرآن كلِّه، من حمد الله
والثناء عليه وتمجيده، وأنواع توحيده، وإثبات الرسالات والبعث والجزاء، وذكر العامل وعمله، وأقسام الناس، وغير ذلك
ومن أقوال العلماء: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع عِلمَها في الأربعة، وجمع عِلمَ الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصَّل، وجمع علم المفصَّل في أمِّ القرآن، وجمع علم أمِّ القرآن في هاتين الكلمتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
ألا فَلْنُعَظِّمْ أُمَّ الكِتَابِ وفاتحته، وَلْنُرِدْ بِهَا صَلَاحَ صَلَوَاتِنَا وَحَيَاتِنَا، فاللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، واهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ، وَجَنِّبْنَا طُرُقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالمُضِلِّينَ.
الدعاء
