خطبة عن (الرُّكُونُ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَصُوَرُهُ وَعَوَاقِبُهُ)
أكتوبر 4, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الاتحادُ قوةٌ والتفرقُ ضعفٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]. وَفي الحديث: (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [متفق عليه].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ مِنْ أَجَلِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ: تَوْحِيدَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَمْعَ قُلُوبِهِمْ عَلَى إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَوْحِيدَ صُفُوفِهِمْ فِي الْعَمَلِ لِهَذِهِ الْغَايَةِ النَّبِيلَةِ؛ وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ لِلِاتِّحَادِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ، فَالْإِسْلَامُ دِينٌ يَدْعُو إِلَى الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ فِي الْوَحْدَةِ وَالِاتِّحَادِ قُوَّةً وَمَنَعَةً، وَفِي الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ ضَعْفًا وَمَهَانَةً»
ومَنْ يَتَأَمَّل فِي آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ الأمين ﷺ، يَجِدُ أَنَّ الإِسْلَامَ جَاءَ لِيَبْنِيَ “أُمَّةً”، ولَهذا، فقَدْ جَعَلَ اللهُ الِاتِّحَادَ فَرِيضَةً شَرْعِيَّةً، وَالتَّفَرُّقَ نَقِيصَةً تُؤَدِّي إِلَى الضَّعْفِ وَالهَوَانِ، فالقُوَّة لَيْسَتْ فَقَطْ فِي العُدَّةِ وَالعَتَادِ، بَلْ فِي “وِحْدَةِ القُلُوبِ” وَالْتِقَاءِ الكَلِمَةِ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(الِاتِّحَادُ قُوَّةً)، ونبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) أكد على هذا المبدأ مرارًا وتكرارًا، ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)، وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
كما علمنا النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا المبدأ في أبسط أمور حياتنا: في (الأكل والشرب)، ففي سنن أبي داود: (أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلاَ نَشْبَعُ. قَالَ «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ».،
فَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَضِّحُ لَنَا أَنَّ الْبَرَكَةَ حَتَّىٰ فِي الرِّزْقِ، وَفِي الطَّعَامِ، تَأْتِي بِالِاجْتِمَاعِ لَا بِالتَّفَرُّقِ، فَمَا بَالُكُمْ بِبَرَكَةِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ قُلُوبُهَا، وَتَوَحَّدَتْ كَلِمَتُهَا؟ وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْبَاطِلِ يَتَجَمَّعُونَ مِنْ أَجْلِ نُصْرَةِ بَاطِلِهِمْ، فَأَوْلَىٰ بِأَهْلِ الْحَقِّ أَنْ يَتَضَامَنُوا وَيَتَّحِدُوا، لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِزْهَاقِ الْبَاطِلِ»
أيها المسلمون
ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:46] (تذهب ريحكم): أي تذهب قوتكم، وهيبتكم، وكرامتكم،
وقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 31، 32]،
فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ، تَرْسُمُ لَنَا صُورَةً مُؤْلِمَةً لِلْمُفَرِّقِينَ لِدِينِهِمْ، الَّذِينَ تَحَوَّلُوا إِلَىٰ شِيَعٍ وَأَحْزَابٍ، وَكُلُّ حِزْبٍ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ الْمُطْلَقِ، وَيَفْرَحُ بِمَا لَدَيْهِ، غَافِلًا عَنِ الْوَحْدَةِ الْكُبْرَىٰ ،فَهَلْ نَخْتَارُ أَنْ نَكُونَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَّحِدِينَ، أَمْ مِنَ الْمُتَفَرِّقِينَ، الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ دِينَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ؟، وَلَمْ يَتْرُكْنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دُونَ تَحْذِيرٍ صَارِمٍ مِنْ عَوَاقِبِ التَّفَرُّقِ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
فَالشَّيْطَانُ يَسْتَحْوِذُ عَلَى الْقُلُوبِ الْمُتَفَرِّقَةِ، كَالذِّئْبِ الَّذِي يَفْتَرِسُ الشَّاةَ الْبَعِيدَةَ عَنِ الْقَطِيعِ، فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ وَالنَّجَاةَ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ!
وَهَذَا مَا أَكَّدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، حَيْثُ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ: «…عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ» [رواه الترمذي]،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَبْدَأُ فِي السَّاحَاتِ الكُبْرَى، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ قُلُوبٍ أُشْرِبَتِ الحَسَدَ وَالبَغْضَاءَ، فإِنَّ النِّزَاعَ عَلَى المَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ، وَالتَّعَصُّبَ لِلآرَاءِ، وَالفُرْقَةَ فِي البَيْتِ الوَاحِدِ، هِيَ البُذُورُ الأُولَى لِضَعْفِ الأُمَّةِ، فكَيْفَ نَقْوَى وَنَحْنُ نَتَنَاحَرُ؟، وَكَيْفَ نَهَابُ الأَعْدَاءَ وَبَأْسُنَا بَيْنَنَا شَدِيدٌ؟. فاِتَّقُوا اللهَ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ العِزَّةَ فِي الِائْتِلَافِ، وَالذِّلَّةَ فِي الِاخْتِلَافِ.
ومن المعلوم أنَّ الِاتِّحَادَ يَحْتَاجُ إِلَى “تَنَازُلٍ” عَنِ الأَنَانِيَّةِ، وَإِلَى “تَغَافُلٍ” عَنِ الهَفَوَاتِ، فاِجْعَلُوا المَصْلَحَةَ العَامَّةَ فَوْقَ المَصَالِحِ الخَاصَّةِ، وانَشْرُوا ثَقَافَةِ الحِوَارِ وَالِاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ، فَالاِخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَ لِلْوُدِّ قَضِيَّةً، وعليكم بتَقْوِيَةُ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ؛ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ، وَبِرِّ وَالِدَيْنِ، وَحُسْنِ جِوَارٍ، فَهِيَ اللَّبِنَاتُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا سُورُ الأُمَّةِ المَنِيعُ.
فاللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَتَنَا عَلَى الحَقِّ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا. وانْزِعِ الغِلَّ وَالحَسَدَ مِنْ صُدُورِنَا، وَاجْعَلْنَا إِخْوَاناً مُتَحَابِّينَ فِيكَ. وقَوِّ صَفَّنَا، وَوَحِّدْ شَمْلَنَا، وَارْفَعْ بِنَا لِوَاءَ الإِسْلَامِ، وَاجْعَلْنَا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى مَنْ سِوَانَا، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الاتحاد قوة والتفرق ضعف)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» [أخرجه مسلم].
فالقُوَّة فِي مِيزَانِ الإِسْلَامِ لَيْسَتْ عَرَضاً زَائِلاً، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ تَبْدَأُ مِنَ الإِيمَانِ، وَتَنْتَهِي بِالإِتْقَانِ، وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ قُوَّةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ: قُوَّةُ العَقِيدَةِ وَالصِّلَةِ بِاللهِ: فَالذِي يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنَ القَوِيِّ المَتِينِ لَا يَنْكَسِرُ، وَاليَقِينُ بِأَنَّ النَّصْرَ مِنَ عِنْدِ اللهِ هُوَ الذِي يُثَبِّتُ الأَقْدَامَ حِينَ تَهْتَزُّ الزَّلَازِلُ.
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ قُوَّةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ: قُوَّةُ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ: فنَحْنُ فِي زَمَنٍ لَا مَكَانَ فِيهِ لِلْجَاهِلِينَ، فالعِلْمُ سِلَاحٌ يَبْنِي الِاقْتِصَادَ، وَيُطَوِّرُ الصِّنَاعَةَ، وَيَحْمِي العُقُولَ مِنَ الشَّبُهَاتِ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ بِالإِعْدَادِ بِكُلِّ صُوَرِهِ، وَأَعْظَمُهُ “قُوَّةُ البَيَانِ وَالعِلْمِ”.
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ قُوَّةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ: قُوَّةُ الأَخْلَاقِ وَالتَّمَاسُكِ: فالأُمَّةُ الَّتِي تَتَمَسَّكُ بِقِيَمِ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالعَدْلِ هِيَ أُمَّةٌ مَهِيبَةٌ، لِأَنَّ هَذِهِ القِيَمَ تَخْلُقُ “جَبْهَةً دَاخِلِيَّةً” لَا يُمْكِنُ اخْتِرَاقُهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمُسْتَقْبَلِ يَقْتَضِي مِنَّا أَنْ نَأْخُذَ بِأَسْبَابِ القُوَّةِ “المَادِيَّةِ” أَيْضاً؛ مِنْ قُوَّةِ البَدَنِ، وَقُوَّةِ المَالِ، وَتَقَدُّمِ التِّكْنُولُوجْيَا، ولَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ يُسَابِقُ بَيْنَ الخَيْلِ، وَيَحُثُّ عَلَى الرِّمَايَةِ، وَيُنَظِّمُ صُفُوفَ العَمَلِ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ الإِيمَانَ بِلَا سَعْيٍ هُوَ عَجْزٌ، وَأَنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ لِيَكُونَ فِي صَدَارَةِ الأُمَمِ.
وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من أسباب الضعف: فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا… قَالُوا: أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ… وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ. قَالُوا: وَمَا الْوَهَنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [أخرجه أبو داود].
فإِنَّ سَبَبَ ضَعْفِنَا الحَقِيقِيَّ لَيْسَ قِلَّةَ العَدَدِ، بَلْ هُوَ “الوَهَنُ النَّفْسِيُّ”، حِينَ نُصْبِحُ “غُثَاءً”؛ لَا هَدَفَ لَنَا، وَلَا هُوِيَّةَ تَجْمَعُنَا، وَلَا قِيمَةَ لِعَمَلِنَا.
والضَّعْفُ يَأْتِي مِنَ الأَنَانِيَّةِ: حِينَ يَقُولُ كُلُّ فَرْدٍ: “نَفْسِي نَفْسِي”، وَيَنْسَى أَنَّ نَجَاتَهُ مَرْهُونَةٌ بِنَجَاةِ سَفِينَةِ المُجْتَمَعِ.
والضَّعْفُ يَأْتِي مِنَ الِاتِّكَالِيَّةِ: حِينَ نَنْتَظِرُ مِنَ الآخَرِينَ أَنْ يُطْعِمُونَا وَيَصْنَعُوا سِلَاحَنَا وَيُدَبِّرُوا شُؤُونَنَا.
فاللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ. اللَّهُمَّ قَوِّ عَزَائِمَنَا، وَاجْمَعْ شَمْلَنَا، وَارْزُقْنَا قُوَّةً فِي الحَقِّ، وَبَصِيرَةً فِي الدِّينِ، وَجِدِّيَّةً فِي العَمَلِ.
( الدعاء )
