خطبة عن (شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)
أكتوبر 30, 2026الخطبة الأولى ( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (101) يوسف
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع هذه الآية من كتاب الله العزيز ،ننهل من نبعها الصافي ، ونرتشف من رحيقها المختوم، فيوسفَ عليهِ السلامُ لَما رأى نعمةَ اللهِ عليهِ قد تـمَّتْ وشَـمِلَهُ مَعَ أَبيهِ وأَهلِهِ قد اجتمَعَ وفَتَحَ عليهِ مِنْ خَزائنِ رحـمتِهِ ما فَتحَ، مِنْ بعدِ ما أَفسدَ الشيطانُ بينَهُ وبينَ إِخوتِهِ بـما فعلوا مِنْ تلكَ الأفاعيلِ الخسيسةِ، أثنى على ربِّهِ بما هو أَهلُهُ واعترفَ لهُ بعظيمِ إِحسانِهِ وفضلِهِ إذ أخرجَهُ مِنَ السجنِ بعدَ الـهَمِّ والضيقِ والحُزنِ وجعلَهُ مَلِكًا وحاكِمًا نافِذَ الكلمةِ وسألَهُ أنْ يتوفَّاهُ ويُـمِيتَهُ على الإسلامِ الذي فيهِ السعادةُ الأَبديةُ في الآخرةِ، وجاء في تفسير ابن كثير : (هذا دعاء من يوسف الصديق ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، باجتماعه بأبويه وإخوته ، وما من الله به عليه من النبوة والملك ، سأل ربه عز وجل ، كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه . قاله الضحاك ، وأن يلحقه بالصالحين ، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين ، صلوات الله وسلامه عليه و عليهم أجمعين .وفي الوسيط لطنطاوي قال : ( تَوَفَّنِي ) عندما يدركني أجلى على الإِسلام ، وأبقني ( مُسْلِماً ) مدة حياتي .( وَأَلْحِقْنِي ) في قبري ويوم الحساب ( بالصالحين ) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .وبهذا الدعاء الجامع الذى توجه به يوسف إلى ربه – تعالى – يختتم القرآن الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ممن عاشرهم والتقى بهم وهو دعاء يدل على أن يوسف – عليه السلام – لم يشغله الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه عن طاعة ربه ، وعن تذكر الآخرة وما فيها من حساب . .وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله – تعالى – أن يحشرنا معهم ، ويحلقنا بهم ، ويوفقنا للسير على نهجهم )، وقولُ يُوسُفَ عليهِ السلامُ (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) كقولِ يَعقُوبَ عليهِ السلامُ لولدِهِ (وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة 132) وإنما دعا بِهِ يُوسُفُ عليهِ السلام ليقتدِيَ بِهِ قَوْمُهُ ومَنْ بعدَهُ مـمن ليسَ بـمأمونِ العاقبةِ، لـهذا الغرضِ طلبَ مِنَ اللهِ أنْ يَتَوَفَّاهُ مُسلمًا مَعَ أَنَّهُ شَيءٌ لا شَكَّ فيهِ، كما نقولُ في كُلِّ صلاةٍ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة 6).
ومن الملاحظ أن نبي الله يوسف (عليه السلام) قد توسل إلى الله في هذه المناجاة لنيل غايته بأنواع من التوسل : أولها : الاعتراف بنعمه سبحانه : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).وثانيها : والاعتراف بربوبيته العامة: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وثالثها :الاعتراف بولايته الخاصة: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
أيها المسلمون
وقوله تعالى على لسان نبي الله يوسف عليه السلام : (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (101) يوسف ،فهذه الدعوة المباركة من النبي يوسف الصديق عليه السلام :(دعا بها ربه تعالى لمّا تمّت النعمة عليه ،باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منَّ اللَّه تعالى به عليه من النبوة والملك، فسأل ربه عز وجل كما أتمّ نعمته عليه في الدنيا، أن يستمرّ بها عليه في الآخرة، وأن يتوفّاه مسلماً حين يتوفّاه، وأن يُلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين) .
وهذا إن دل فإنما يدلّنا على أهمية الدعاء، وأنه منهج كل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأنه ملجؤهم إليه في سرائهم وضرائهم، وفي كل أحوالهم، وأنه ينبغي أن يكون الدعاء ملجأ العبد في حياته في جميع شؤونه، وفي كل صغيرة وكبيرة ، والملاحظ في دعاء نبي الله يوسف عليه السلام أنه صدر دعائه بأجمل الألفاظ، وأكمل المعاني، من أسمائه الحسنى، وصفاته العلا ،فقال:” فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ “أي يا خالق السموات والأرض، ومبدعهما، ومبتدئهما من غير مثال سابق ،”أنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ” مالك كل أموري، وكل أحوالي، في الأولى والآخرة. فسأل اللَّه تعالى الولاية الخاصة التي من مقتضاها: العناية، والرعاية ،”تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ” سأل اللَّه تعالى الثبات على الإسلام حتى يتوفاه عليه، كما قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”
ومن المعلوم أن رحلة نبي الله يوسف عليه السلام كانت رحلة طويلةٌ من الابتلاء قضاها الكريمُ بنُ الكريمِ بنِ الكريمِ بنِ الكريمِ، إنها رحلةُ الصَّبر والتَّقوى، ورحلة الإخلاص والاعتصام بالمولى، ورحلة الدَّعوة إلى التَّوحيد والإيمان، وعبادة الله بإحسان، فكانت عاقبتُها التَّمكينَ في الأرض، والظُّهورَ على الخلق بالحقِّ ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (يوسف : 90).
ولما أقبلتِ الدُّنيا على نبي الله يوسف عليه السلام ، وسجد إخوته بين يديه، وقد رفع أبوَيْهِ على عرشه، وصرَّفَ البلادَ والعبادَ بأمره ونهيه، التجأ إلى الله مُخبتًا مُنيبًا ودعاه: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف : 101). إنه يطلب الثَّبات حتى الممات؛ وهو النَّبيُّ المجتبى، ويسأل الوفاة على الإسلام؛ وهو المعصوم، ويرجو اللحاق بالصَّالحين، ولقاء الأنبياء والمرسلين ،وحَسُنَ أولئك رفيقًا ،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
فيا أهلَ الإسلام! إنَّما الدُّنيا ممرٌّ، ليس فيها مُقامٌ أو مستقرٌّ، وطريقٌ للابتلاء آخره الحساب والجزاء، ولا يَسْلَمُ إلَّا من أسلمَ لله واستسلمَ؛ فوحَّده سبحانه لا شريك له، وأطاعه راغبًا متقرِّبًا إليه، ولا يثبُتُ على ذلك إلَّا الموفَّق، فالقلب أشدُّ تقلُّبًا من القِدْرِ إذا اجتمعتْ غليانًا، والنَّفس أمَّارةٌ بالسُّوء، والشَّيطان يُزيِّن ويُغري، وزخارف الدُّنيا تَفتِن وتُلهي، والموت يأتي بغتةً، ولا يعلم المرءُ بماذا يُختمُ له؟، فعن أنسٍ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ أن يقول: “يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك” فقلت: يا نبيَّ الله آمنَّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: “نعم؛ إنَّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كيف يشاء”، ومن ثبت على الحقِّ حتَّى يلقى الحقَّ سبحانه، أنزله الله منازلَ أهلِ الحقِّ في جنَّته، والكيِّس الفطِن يتطلَّع إلى الرَّفيق قبل الطَّريق، ويطلب الجار قبل الدار،
الدعاء
