خطبة عن (نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
مايو 5, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (1): (4) قريش.
إخوة الإسلام
لَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنْ يَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِالعِبَادَةِ، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (25) الانبياء، وقال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (92) الانبياء، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (123) هود، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) النور:55،
وَإن الحجاج إلى بيت الله الحرام يَكُون مَقْصِدُهُمْ هُوَ “رَبُّ البَيْتِ” لَا “البَيْتُ” ذَاتُهُ، فإِنَّ القِبْلَةَ الَّتِي نَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا، وَالكَعْبَةَ الَّتِي نَطُوفُ حَوْلَهَا، لَيْسَتْ مَعْبُوداً يُقْصَدُ لِذَاتِهِ، بَلْ هِيَ مَحْضُ امْتِثَالٍ لِأَمْرِ الخَالِقِ، وَرَمْزٌ لِوَحْدَةِ الأُمَّةِ، وَمَكَانٌ اصْطَفَاهُ اللهُ لِيَكُونَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ بَعْضَ مَنْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الإِسْلَامِ، أَوْ أَرَادَ الطَّعْنَ فِيهِ، يَقُولُ: “إِنَّ المُسْلِمِينَ يَعْبُدُونَ الحِجَارَةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى الكَعْبَةِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيُقَبِّلُونَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ”، وَهَذَا فَهْمٌ خاطئ وسَقِيمٌ، وَزَعْمٌ بَاطِلٌ ولئيم، تَرُدُّهُ نُصُوصُ الوَحْيِ، وَتَارِيخُ النُّبُوَّةِ، فَالْمُسْلِمُ حِينَ يَسْجُدُ جِهَةَ الكَعْبَةِ، فَإِنَّمَا يَسْجُدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى هَذَا المَكَانِ، قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) البقرة: 144، وقال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (150) البقرة،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ كَانَ وَاضِحاً فِي ذَلِكَ حِينَ قَالَ تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: 115]، فَالْكَعْبَةُ هِيَ “القِبْلَةُ” وَلَيْسَتْ “المَعْبُودَ”، وَالِاتِّجَاهُ إِلَيْهَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِتَحْقِيقِ نِظَامِ العِبَادَةِ، وَوَحْدَةِ صُفُوفِ المُؤْمِنِينَ.
وتَأَمَّلُوا فِي فِعْلِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالتَّوْحِيدِ، لَقَدْ وَقَفَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَمَامَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَةِ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [رواه البخاري ومسلم].
فَالْتَّقْبِيلُ وَالتَّلَامُسُ هُنَا لَيْسَ عِبَادَةً لِلْحَجَرِ، بَلْ هُوَ “اتِّبَاعٌ” لِلْمُصْطَفَى، وَإِذْعَانٌ لِتَشْرِيعِ المَوْلَى، ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ لاَ يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلاَّ اسْتَلَمَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلاَّ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ) ،وفيه أيضا: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ»،
فَمَنْ فَهِمَ مَعْنَى العُبُودِيَّةِ أَدْرَكَ أَنَّ مَحْضَ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ هُوَ جَوْهَرُ التَّوْحِيدِ، سَوَاءٌ كَانَ الأَمْرُ تَوَجُّهاً إِلَى صَخْرَةٍ أَوْ سُجُوداً عَلَى تُرَابٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الكَعْبَةَ بِنَاءٌ قَدْ هُدِمَ وَأُعِيدَ بِنَاؤُهُ مَرَّاتٍ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَالمُسْلِمُونَ لَا يَتَغَيَّرُ إِيمَانُهُمْ بِتَغَيُّرِ حِجَارَتِهَا، بَلْ إِنَّ الإِسْلَامَ جَعَلَ حُرْمَةَ دَمِ المُسْلِمِ أَعْظَمَ عِنْدَ اللهِ مِنْ حُرْمَةِ الكَعْبَةِ نَفْسِهَا، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: «مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ» [رواه الترمذي].
فَهَلْ يَعْبُدُ المَرْءُ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ حُرْمَةً؟ كَلَّا، وَلَكِنَّنَا نُقَدِّسُ مَا أَمَرَ اللهُ بِتَقْدِيسِهِ، وَنُعَظِّمُ مَا اصْطَفَاهُ اللهُ مِنْ شَعَائِرِهِ، فَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ فِي الأَصْلِ، وَلِمَا يَنْسُبُهُ اللهُ إِلَيْهِ فِي الفَرْعِ.
إِنَّ التَّوْحِيدَ فِي الإِسْلَامِ جَاءَ لِيُحَرِّرَ العُقُولَ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَالكَعْبَةُ قَبْلَ الإِسْلَامِ كَانَ حَوْلَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَماً، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، حَطَّمَ تِلْكَ الأَصْنَامَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَهُوَ يَقُولُ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81]. فَلَوْ كَانَ الإِسْلَامُ يَدْعُو لِعِبَادَةِ الحِجَارَةِ، لَمَا حَطَّمَ هُبَلَ وَاللَّاتَ وَالعُزَّى.
إِنَّنَا أُمَّةٌ لَا تَعْبُدُ إِلَّا الحَيَّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلَا نَسْجُدُ لِجَمَادٍ، وَلَكِنَّنَا أُمَّةٌ مَأْمُورَةٌ، نَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ، وَنَلْتَزِمُ بِمَرَاسِمِ عِبَادَتِهِ الَّتِي ارْتَضَاهَا لَنَا، وقد تجسد هذا المعنى في أول كلمات نطق بها خليفة رسول الله الأول أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، كما في مسند أحمد: (فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ فَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)، هُوَ المِحْوَرُ الَّذِي نَدُورُ حَوْلَهُ، فَالْبَيْتُ مَخْلُوقٌ، وَرَبُّ البَيْتِ هُوَ الخَالِقُ، وَالمُسْلِمُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَطُوفُ بِبَيْتِكَ، طَلَباً لِرِضَاكَ”،
وإِنَّ هَذَا البِنَاءَ هُوَ حَلْقَةُ الوَصْلِ بَيْنَ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَهْلِ السَّمَاءِ؛ حَيْثُ يُقَابِلُهُ فِي السَّمَاءِ “البَيْتُ المَعْمُورُ” الَّذِي تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ لِلْعِبَادَةِ، فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الحِجَارَةِ وَالطِّينِ، بَلْ فِي المَعَانِي الإِيمَانِيَّةِ وَالرَّوَابِطِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ المُؤْمِنَ بِمَوْلَاهُ فِي هَذَا المَكَانِ الطَّاهِرِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فعَلَيْنَا أَنْ نَعْتَزَّ بِعَقِيدَتِنَا، وَأَنْ نَفْهَمَ مَقَاصِدَ شَرِيعَتِنَا، حَتَّى لَا تَتَخَطَّفَنَا شُبُهَاتُ المُشَكِّكِينَ، فإِنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الوَحِيدُ الَّذِي لَا يَجْعَلُ لِلْوَسَائِطِ المَادِّيَّةِ أَدْنَى قِيمَةٍ فِي ذَاتِهَا؛ فَالْمُصَلِّي فِي غَابَاتِ الأَمَازُونِ، أَوْ فِي أَدْغَالِ أَفْرِيقِيَا، أَوْ فِي نَاطِحَاتِ السَّحَابِ، كُلُّهُمْ يَتَّجِهُونَ لِنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ، لِيُعْلِنُوا لِلْعَالَمِ أَنَّ لَهُمْ مَرْجِعِيَّةً وَاحِدَةً، وَإِلَهاً وَاحِداً، لَا شَرِيكَ لَهُ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ، وَمَصْدَراً لِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلْنُعَمِّرْ قُلُوبَنَا بِعِبَادَةِ “رَبِّ البَيْتِ”، وَلْنَسْتَقِمْ عَلَى شَرْعِهِ، وَلْنَحْذَرْ مِنَ الغُلُوِّ أَوْ الجَفَاءِ.
واعلموا أن الإسلام هو دين التوحيد الخالص، حيث يقوم على الاعتقاد الجازم بأن الله واحد أحد، لا شريك له في ألوهيته، وربوبيته، أو أسمائه وصفاته، وهو الاستسلام لله بالعبادة والطاعة،
وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه: لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»
فاللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَأَعِذْنَا مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا، وَاجْعَلْ تَعْظِيمَ شَعَائِرِكَ زَادَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” مُخْلِصِينَ بِهَا قُلُوبَنَا.
الدعاء
