خطبة عن (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)
مايو 6, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إن الحج رحلة ايمانية)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32]. وقال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (197) البقرة
إخوة الإسلام
إِنَّ الحج إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ رحلة إيمانية، وتربية روحية، وفيه تجسيد عملي للعبودية لله رب البرية، والتخلق بأخلاق الإسلام السامية، وتطهير للنفس من الذنوب والخطايا والآثام، ليعود المسلم منها بنفس سوية، وروح تقية نقية.
فالحَجّ إِلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رِحْلَةٍ بَدَنِيَّةٍ، أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، بَلْ هُوَ مَدْرَسَةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَمَحْضَنٌ تَرْبَوِيٌّ عَمِيقٌ، يُعِيدُ صِيَاغَةَ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ عَلَى مَعَانِي التَّجَرُّدِ وَالإِخْلَاصِ، فَالْمَقْصِدُ الأَسْمَى مِنَ المَنَاسِكِ هُوَ: تَرْبِيَةُ القَلْبِ عَلَى تَعْظِيمِ المَعْبُودِ، وَتَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ لِمَنْ نَادَى عِبَادَهُ لِزِيَارَةِ بَيْتِهِ.
فأَوَّلُ دُرُوسِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ هُوَ: “تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى التَّجَرُّدِ”، فَمُنْذُ لَحْظَةِ الإِحْرَامِ، يَنْزِعُ الحَاجُّ ثِيَابَهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ، وَيَتْرُكُ مَنْصِبَهُ وَجَاهَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، لِيَلْبَسَ لِبَاساً يُشْبِهُ الكَفَنَ، فهَذَا المَشْهَدُ يُرَبِّي فِي العَبْدِ أَنَّ المَقَامَ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ بِالمَظَاهِرِ، وَلَا بِالأَمْوَالِ، بَلْ بِتَقْوَى القُلُوبِ، فَالْحَجُّ يَكْسِرُ كِبْرَ النَّفْسِ، وَيُذَكِّرُ الإِنْسَانَ بِأَنَّهُ سَيُغَادِرُ الدُّنْيَا كَمَا دَخَلَ إِلَى الإِحْرَامِ؛ فَقِيراً إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ، مُتَجَرِّداً مِنْ كُلِّ مَتَاعٍ زَائِلٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ دُرُوسِ الحَجِّ التَّرْبَوِيَّةِ: “تَرْبِيَةُ الجَوَارِحِ عَلَى الِانْضِبَاطِ”، فَالْحَاجُّ يَمْتَنِعُ فِي إِحْرَامِهِ عَنْ أَشْيَاءَ كَانَتْ فِي أَصْلِهَا مُبَاحَةً؛ كَقَصِّ الشَّعْرِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَالنِّكَاحِ، لِيَتَعَلَّمَ أَنَّ المُؤْمِنَ سَيِّدُ نَفْسِهِ ،لَا عَبْدُ نَزَوَاتِهِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ تَرْبِيَةُ اللِّسَانِ؛ قَالَ تَعَالَى: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة:197].
فَمَنْ حَفَظَ لِسَانَهُ فِي زِحَامِ الحَجِّ وَمَشَقَّتِهِ، فَقَدْ نَالَ جَوْهَرَ التَّقْوَى، فالحَجّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ العِبَادَةَ لَيْسَتْ حَرَكَاتٍ فَقَطْ، بَلْ هِيَ كَفُّ النَّفْسِ عَمَّا يَشِينُ، وَتَحْلِيَتُهَا بِمَا زَانَ مِنَ الخُلُقِ.
والحَجّ يُرَبِّي فِينَا مَعْنَى “الِاسْتِسْلَامِ المُطْلَقِ لِأَمْرِ اللهِ”، فَنَحْنُ نَطُوفُ بِأَحْجَارٍ، وَنَسْعَى بَيْنَ جِبَالٍ، وَنَرْمِي جِمَاراً، وَنَقِفُ فِي صَعِيدٍ، كُلُّ ذَلِكَ اتِّبَاعاً لِلسُّنَّةِ وَامْتِثَالاً لِلأَمْرِ، دُونَ أَنْ نَسْأَلَ عَنِ العِلَّةِ المَادِّيَّةِ لِكُلِّ حَرَكَةٍ، فهَذَا هُوَ التَّسْلِيمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ خَلِيلُ اللهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالمُنَاسِكُ تُعِيدُ صِيَاغَةَ العَقْلِ، لِيَكُونَ تَبَعاً لِلْوَحْيِ، لَا أَنْ يَكُونَ الوَحْيُ تَبَعاً لِلْهَوَى، فَالْمُسْلِمُ هُوَ المُسْتَسْلِمُ لِعَظَمَةِ اللهِ، المُنْقَادُ لِشَرْعِهِ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَمَا أَجْمَلَ الحَجَّ حِينَ يُرَبِّي فِي المُسْلِمِ “رُوحَ الجَمَاعَةِ وَالتَّكَافُلِ”، فَلَا يَصِحُّ حَجُّ المَرْءِ وَهُوَ يُؤْذِي غَيْرَهُ فِي الطَّوَافِ، أَوْ يُضَيِّقُ عَلَى إِخْوَانِهِ فِي المَشَاعِرِ، فالحَجّ يُذِيبُ الأَنَانِيَّةَ، وَيَجْعَلُ الفَرْدَ جُزْءاً مِنْ نَسِيجٍ وَاحِدٍ، يَشْعُرُ بآلَامِ المُسْلِمِينَ، وَيَفْرَحُ لِفَرَحِهِمْ.
إِنَّهَا تَرْبِيَةٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى أَنَّ قُوَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ فِي وَحْدَتِهَا، وَأَنَّ جَمَالَ إِيمَانِ المَرْءِ يَظْهَرُ فِي رِفْقِهِ بِمَنْ حَوْلَهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه الترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والثَّمَرَة الكُبْرَى لِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ هِيَ مَا يُسَمَّى بِـ “الحَجِّ المَبْرُورِ”، وَعَلَامَةُ قَبُولِ الحَجِّ -كَمَا ذَكَرَ العُلَمَاءُ- أَنْ يَعُودَ الحَاجُّ خَيْراً مِمَّا كَانَ، أَنْ يَعُودَ وَقَدْ هَجَرَ المَعَاصِي، وَأَقْبَلَ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَتَحَلَّى بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
فَمَنْ حَجَّ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ أَخْلَاقُهُ، فَقَدْ فَاتَهُ نَصِيبٌ كَبِيرٌ مِنْ مَقَاصِدِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، فإِنَّ الحَجَّ شَحْنَةٌ إِيمَانِيَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَمِرَّ أَثَرُهَا طَوَالَ العُمُرِ، لَا أَنْ يَنْتَهِيَ بِانْتِهَاءِ مَنَاسِكِ مِنىً وَعَرَفَاتٍ.
وتَذَكَّرُوا أَنَّ الحَجَّ يُرَبِّي فِينَا “ذِكْرَ اللهِ” فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ فَمِنَ التَّلْبِيَةِ إِلَى التَّكْبِيرِ، وَمِنَ الدُّعَاءِ إِلَى التَّهْلِيلِ، قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) [البقرة:198].
وهَذِهِ التَّرْبِيَةُ عَلَى الذِّكْرِ تَجْعَلُ قَلْبَ المُؤْمِنِ مُعَلَّقاً بِخَالِقِهِ، فَيَجِدُ فِي الذِّكْرِ أُنْسَهُ، وَفِي المُنَاجَاةِ رَاحَتَهُ، فَالْمُسْلِمُ المُنِيبُ هُوَ مَنْ خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللهِ، وَقَلْبُهُ عَامِرٌ بِتَقْوَاهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَسْعَ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَعَانِي فِي نُفُوسِنَا، سَوَاءٌ كُنَّا مِنْ حُجَّاجِ هَذَا العَامِ أَوْ مِمَّنْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ، فَالرُّوحُ الإِيمَانِيَّةُ لِلْحَجِّ يُمْكِنُ أَنْ نَعِيشَهَا بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (إن الحج رحلة ايمانية)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وهناك مكاسب عظيمة يعود بها الحاج من هذه الرحلة الإيمانية المباركة؛ ومن أعظم هذه المكاسب أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بدخول الجنة، ففي الصحيحين، يقول صلى الله عليه وسلم: «وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ».
وأما المكسب الثاني فجسده النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رواه البخاري، أي أن الحاج يعود من حجه وقد غفر الله له ما تقدم من ذنوبه.
ومن المنافع التي يجنيها الحاج أيضاً: الالتقاء بهذه الأعداد الغفيرة من الحجيج على اختلاف أوطانهم وألوانهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهنا يستشعر المسلم المعنى الحقيقي للألفة والمودة والأخوة، فالكل جاءوا بلباس واحد، ووقفوا على صعيد واحد، وهدفهم واحد، وهو الفوز بالحج المبرور.
ومن المكاسب العظيمة أيضاً لهذه الرحلة الإيمانية والتربوية: شعور المسلم بالاعتزاز لانتمائه لدين الإسلام، فحينما يرى هذه الملايين، من الذين جاءوا من كل حدب وصوب، ليجتمعوا في هذا المكان المبارك على قول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك»،
فهذا المظهر العظيم لا يمكن أن نجده في غير أمة الإسلام، وهنا يحق لكل حاج أن يفخر بانتمائه لهذا الدين العظيم، ولهذه الأمة المباركة.
فاللَّهُمَّ رَبِّ نُفُوسَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا بِخَشْيَتِكَ، وَاجْعَلْ حَجَّ المُنِيبِينَ مَقْبُولاً، وَسَعْيَهُمْ مَشْكُوراً. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَجَّ بَيْتِكَ مَرَّاتٍ وَكَرَّاتٍ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ نَالُوا رِضْوَانَكَ وَجَنَّتَكَ.
الدعاء
