خطبة حول معنى حديث ( يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ )
يوليو 11, 2026الخطبة الأولى (اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (281) البقرة. وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) (48) البقرة، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (33) لقمان، وقال تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) (17) المزمل، وقال تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) (27) الانسان، وقال تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (37) النور، وقال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) (7) الانسان.
إخوة الإسلام
فَمَا تَنَزَّلَ فِي الْكِتَابِ الْخَالِدِ مِنْ نُذُرٍ، تَخْلَعُ الْقُلُوبَ، أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (281) البقرة. إِنَّهَا صيْحَةُ النَّذِيرُ، وَالرَّجْفَةُ الَّتِي تُوقِظُ الْقُلُوبَ الْمَيْتَةَ مِنْ رَقْدَتِهَا، وَالزَّجْرَةُ الَّتِي تَخْلَعُ أَفْئِدَةَ الْغَافِلِينَ مِنْ مَوَاضِعِهَا، فإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى، وَإِنَّمَا جعل لَكُمْ أَجَلًا مَضْرُوبًا ،وَوَعْدًا مَفْعُولًا، يَجْمَعُكُمْ فِيهِ لِيَوْمِ الْفَصْلِ، يَوْمِ الطَّامَّةِ الْكُبْرَى، وَالصَّاخَّةِ الْعُظْمَى،
هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، وَتَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ،
وإِنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوَى من شر هذا اليوم، تَكْمَنُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِهَذَا اللِّقَاءِ الرَّهِيبِ، حِينَ يَقِفُ الْعَبْدُ وَحِيدًا فَرِيدًا، مُجَرَّدًا مِنْ مَالِهِ، وَجَاهِهِ وَسُلْطَانِهِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنُ اللهِ تُرْجُمَانٌ، فَلَا يَرَى
إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَلٍ،
ولَقَدْ كَثُرَ التَّحْذِيرُ الْإِلَهِيُّ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ الْعَبُوسِ الْقَمْطَرِيرِ، وَتَنَزَّلَ الْوَحْيُ يُعِيدُ وَيُبْدِئُ فِي وَصْفِ أَهْوَالِهِ، وَتَفْكِيكِ الْغَفْلَةِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُسْتَحْكِمَةِ فِي النُّفُوسِ، يَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُحَذِّرًا مِنَ الِانْخِدَاعِ بِالدُّنْيَا وَالِاتِّكَالِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَالْأَمْوَالِ: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) (48) البقرة.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّهُ انْقِطَاعُ الْعَلَائِقِ، وَتَحَطُّمُ الْأَوْهَامِ، الَّتِي يَتَشَبَّثُ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ جَاهًا يَمْنَعُهُ، أَوْ شُفَعَاءَ يَنْصُرُونَهُ، أَوْ مَالًا يَفْتَدِي بِهِ، ولَكِنَّ اللهَ يُقَرِّرُهَا حَقِيقَةً صُلْبَةً نَاصِعَةً ؛لَا نَفْسٌ تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، وَلَا شَفَاعَةٌ تُقْبَلُ لِمَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الرَّحْمَنُ، وَيَرْضَى لَهُ قَوْلًا، وَإِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْعَاجِلِ، وَنَقْدِ الْحَاضِرِ، وَتَنَاسِي الْآجِلِ الْمُغَيَّبِ، وَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الَّذِي يَشْخَصُهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) (27) الانسان.
إِنَّهَا شَهْوَةُ السَّاعَةِ، وَمُتْعَةُ اللَّحْظَةِ، وَالرَّكْضُ وَرَاءَ الْحُطَامِ الْفَانِي، الَّذِي يُنْسِي الْعَبْدَ غَايَتَهُ الْكُبْرَى، يَتَكَالَبُ الْبَشَرُ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَيَتَنَافَسُونَ عَلَى الْمَنَاصِبِ، وَيُشَيِّدُونَ الْقُصُورَ، وَيَقْضُونَ الْأَعْمَارَ فِي تَحْصِيلِ الْمَتَاعِ الزَّائِلِ، بَيْنَمَا يَتْرُكُونَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ يَوْمًا ثَقِيلًا؛ ثَقِيلًا فِي مِيزَانِهِ، ثَقِيلًا فِي أَهْوَالِهِ، ثَقِيلًا فِي حِسَابِهِ وَمُسَاءَلَتِهِ، هَذَا الذُّهُولُ الْبَشَرِيُّ يَنُمُّ عَنْ خَلَلٍ فِي التَّصَوُّرِ، وَضَعْفٍ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، حَيْثُ تَصْبُحُ الدُّنْيَا هِيَ الْمُبْتَدَأُ وَالْمُنْتَهَى، وَيَسْقُطُ اليوم الْآخِرُ مِنْ حِسَابَاتِ الْعَمَلِ الْيَوْمِيِّ، وَيُنَادِي الرَّبُّ الْعَظِيمُ عِبَادَهُ، نِدَاءً تَتَقَطَّعُ لَهُ نِيَاطُ الْقُلُوبِ، نِدَاءً يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرِ بِتَقْوَاهُ، وَالْوَجَلِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) (33) لقمان.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الْعَصِيبَ، الَّذِي يَفْصِلُ فِيهِ اللهُ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَيْنَ الْمَوْلُودِ وَوَالِدِهِ، ففِي الدُّنْيَا يَفْدِي الْأَبُ ابْنَهُ بِرُوحِهِ، وَيَسْهَرُ لَيْلَهُ لِيَرْتَاحَ وَلَدُهُ، وَتَبْذُلُ الْأُمُّ الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ لِحِمَايَةِ فِلْذَةِ كَبِدِهَا، أَمَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (يوم القيامة)، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ الشَّدِيدَةَ تَنْقَلِبُ إِلَى فِرَارٍ وَذُهُولٍ، وَيَصْبُحُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَشْغُولًا بِخَلَاصِ نَفْسِهِ، يَطْلُبُ حَسَنَةً وَاحِدَةً مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلَا يَجِدُهَا، بَلْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ، وَتَشْتَدُّ وَطْأَةُ التَّخْوِيفِ الْإِلَهِيِّ، وَتَبْلُغُ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، حِينَ يَصِفُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَثَرَ الْفَزَعِ، عَلَى أَضْعَفِ الْخَلَائِقِ وَأَبْعَدِهِمْ عَنِ التَّكْلِيفِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) (17) المزمل.
فيَا لَهَا مِنْ صُورَةٍ تَرْجُفُ لَهَا الْجِبَالُ، فالْأَطْفَالُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الْقَلَمُ، وَلَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا، وَلَمْ يَحْمِلُوا هَمًّا، يَرْتَعِدُونَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرُ، حَتَّى تَشِيبَ رُؤُوسُهُمْ، وَتَبْيَضَّ شُعُورُهُمْ، مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، وَعَظِيمِ الْكَرْبِ، فَكَيْفَ فيَكُونُ حَالُ الْمُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ، الَّذِينَ قَضَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي مُبَارَزَةِ الْجَبَّارِ بِالْمَعَاصِي؟، كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَوَاتِ، وَاتَّبَعَ الشَّهَوَاتِ، وَأَكَلَ الْحَرَامَ، وَظَلَمَ الْعِبَادَ، وَهَجَرَ الْقُرْآنَ، إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ حَالُ الْوِلْدَانِ الصِّغَارِ،
وَفِى السِّيرَةِ الْعَطِرَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، تَجِدُ الْمُشْفِقَ الْأَعْظَمَ، وَالنَّاصِحَ الْأَكْرَمَ، رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يَصِفُ لِأُمَّتِهِ هَذَا الْيَوْمَ وَصْفَ عِيَانٍ، لِيَكُونُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلَا يُبَاغِتَهُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَهُمْ يَخصِمُونَ، فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ)، فتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَوْقِفَ التَّجْرِيدِيَّ الْمَهِيبَ؛ وُقُوفٌ تَامٌّ، وَانْفِرَادٌ مُطْلَقٌ، بَيْنَ الْعَبْدِ وَخَالِقِهِ، لَا وَاسِطَةَ، وَلَا شَفِيعَ، وَلَا مُحَامِيَ يُجَادِلُ عَنِ النَّفْسِ، يَنْظُرُ الْعَبْدُ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا صَحَائِفَ أَعْمَالِهِ، الَّتِي سَوَّدَهَا أَوْ بَيَّضَهَا، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا نارا تَتَلَظَّى، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى،
فهَذَا الْحَدِيثَ يَقْطَعُ دَابِرَ الِاتِّكَالِ وَالْأَمَانِي الْكَاذِبَةِ، وَيَضَعُ الْعَبْدَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّتِهِ الْمُبَاشِرَةِ عَنْ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ قَدَّمَهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدنيا، وَفِى صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».
إِنَّهُ قَانُونُ الْمُقَاصَّةِ الْإِلَهِيُّ الْعَادِلُ، حَيْثُ تَسْقُطُ هُنَاكَ الْعُمُلَاتُ الْأَرْضِيَّةُ، وَتُلْغَى الْحِسَابَاتُ الْبَنْكِيَّةُ، وَتَصْبُحُ الْعُمْلَةُ الْوَحِيدَةُ هِيَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، هَذَا السُّلُوكُ الْبَشَرِيُّ الَّذِي يَسْتَسْهِلُ خَوْضَ الْأَعْرَاضِ، وَأَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَمُمَارَسَةَ الظُّلْمِ وَالِافْتِرَاءِ، سَيَتَفَكَّكُ هُنَاكَ بِعُنْفٍ، حِينَ يَرَى الْعَبْدُ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ وَجِهَادَهُ يُؤْخَذُ مِنْ رَصِيدِهِ، لِيُعْطَى لِخُصُومِهِ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ، فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
إِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ النَّبَوِيَّ يَكْشِفُ عُمْقَ الْأَزْمَةِ السُّلُوكِيَّةِ، الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْكَثِيرُونَ؛ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ التَّدَيُّنَ مُجَرَّدُ طُقُوسٍ وَحَرَكَاتٍ، بَيْنَمَا الْأَخْلَاقُ وَالْمُعَامَلَاتُ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ مَعْزُولَةٌ عَنِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، فَيُفَاجَأُ الْمَرْءُ بِجِبَالِ الْحَسَنَاتِ تَهْوِي وَتَتَبَخَّرُ، بِسَبَبِ لِسَانٍ فَاحِشٍ، أَوْ يَدٍ ظَالِمَةٍ، أَوْ عَيْنٍ خَائِنَةٍ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْمَحْذُورُ، وَتَبْكِي النُّفُوسُ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَمًا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنه مَا كَانَ الْخَوْفُ يَوْمًا سَبِيلًا لِلْقُنُوطِ، بَلْ هُوَ دَافِعُ الْعَمَلِ، وَطَرِيقُ الِاسْتِقَامَةِ، الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (37) النور.
فهَذَا هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ أَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ عَرَفُوا حَقِيقَةَ الدُّنْيَا، وَحَجْمَ الْآخِرَةِ، فَاسْتَقَامَتْ جَوَارِحُهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، إِنَّهُمْ رِجَالٌ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلرُّجُولَةِ، يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ، وَيَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ، وَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، وَيُمَارِسُونَ شُؤُونَ حَيَاتِهِمْ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا تَظَلُّ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَا تَتَسَرَّبُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، إِذَا نَادَى الْمُنَادِي: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، تَرَكُوا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَالصَّفَقَاتِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى رَبِّهِمْ، مُخْبِتِينَ مُنِيبِينَ، لِأَنَّ الْمُحَرِّكَ الْأَسَاسِيَّ لِأَفْعَالِهِمْ هُوَ الْخَوْفُ مِنْ يَوْمٍ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ؛ تَتَقَلَّبُ الْقُلُوبُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَالْأَمَلِ وَالْيَأْسِ، وَتَتَقَلَّبُ الْأَبْصَارُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، تُفَتِّشُ عَنِ الْمَهْرَبِ فَلَا تَجِدُهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وهكذا، فإِنَّ عِلَاجَ هَذِهِ الْغَفْلَةِ الْمُسْتَحْكِمَةِ، وَمُوَاجَهَةَ أَهْوَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الثَّقِيلِ، يَكْمُنُ فِي تَحْقِيقِ الْأَوْصَافِ الَّتِي مَدَحَ اللهُ بِهَا عباده الْأَبْرَارَ فِي كِتَابِهِ العزيز، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (7: 10) الانسان..
وإِنَّ الْعِلَاجَ السُّلُوكِيَّ يَتَطَلَّبُ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ: الْوَفَاءُ التَّامُّ بِحُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، وَالْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْفَرَائِضِ، وَالْإِحْسَانُ الْعَرِيضُ إِلَى الْخَلْقِ وَالْعِبَادِ، بِالصَّدَقَةِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَالدَّافِعُ لِكُلِّ هَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ التَّامُّ لِلَّهِ، وَالْخَوْفُ الْمُشْفِقُ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ عَبُوسٍ قَمْطَرِيرٍ، كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا مُنْتَشِرًا فَاشِيًا، لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَفِى صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا- عِبَادَ اللهِ- في ذا الحديث المتقدم، كَيْفَ جَعَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) النَّجَاةَ مِنْ هَوْلِ الشَّمْسِ الدَّانِيَةِ مِنَ الرُّؤُوسِ، وَالْأَمَانَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، مُرْتَبِطًا بِأَعْمَالٍ سُلُوكِيَّةٍ مِنْ صَمِيمِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ؛ عَدْلٌ فِي الْوِلَايَةِ، وَعِفَّةٌ عَنِ الْفَاحِشَةِ عِنْدَ تَمَكُّنِ الدَّوَاعِي، وَإِخْلَاصٌ فِي الصَّدَقَةِ، وَمَحَبَّةٌ خَالِصَةٌ فِي اللهِ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَبُكَاءٌ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فإِنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ فِي الدُّنْيَا يُثْمِرُ أَمْنًا فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَ اللهَ فِي الدُّنْيَا وَأَطْلَقَ لِنَفْسِهِ الْعِنَانَ، خَافَ وَهَلَكَ فِي الْآخِرَةِ،
فَلْنُرَاجِعْ حِسَابَاتِنَا، وَلْنُصْلِحْ أَخْطَاءَنَا، وَلْنَتَحَلَّلْ مِنْ مَظَالِمِنَا، وَلْنَسْتَعِدَّ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الْقَرِيبِ، الَّتِي تَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، لَعَلَّنَا نَكُونُ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (11): (22) الانسان
الدُّعَاءُ
