خطبة عن (هَيَّا إِلَى الْإِيمَانِ)
أغسطس 11, 2026الخطبة الأولى (كيف تشقى وأنت مع الرحمن؟)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته: (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (1): (3) طه، وقال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123)، (124) طه.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع: (كيف تشقى وأنت مع الرحمن؟)، فالله تعالى هو القائل 🙁فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) طه: (123)، وقال لنبيه: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) طه: (2)، فاللهُ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ أَعْلَنَ أَنَّ هَذَا الوَحْيَ لَمْ يَنْزِلْ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي عَنَاءِ البَشَرِ، بَلْ جَاءَ لِيَنْتَزِعَ الشَّقَاوَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى نَعِيمِ الدَّارَيْنِ، وَأنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يَعِيشُ فِي كَنَفِ اللهِ، وَيَسْتَظِلُّ بِرَحْمَتِهِ، لَا يَعْرِفُ الشَّقَاءَ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلاً، وَلِسَانُ حَالِهِ يَهْتِفُ دَائِماً: كَيْفَ أَشْقَى وَأَنَا مَعَ الرَّحْمَنِ؟.
وأَوَّلُ مَا نَسْتَفْتِحُ بِهِ هُوَ سُؤَالٌ يَطْرَحُهُ الوَاقِعُ: “لِمَاذَا لَا يَشْقَى المُؤْمِنُ؟”؛ والجَوَابُ لِأَنَّ المُؤْمِنَ قَدْ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَعَرَفَ أَنَّ مَقَادِيرَ الأُمُورِ كُلَّهَا بِيَدِ مَوْلَاهُ، فالمُؤْمِنُ لَا يَشْقَى لِأَنَّهُ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، فَمَوَازِينُ حَيَاتِهِ كُلُّهُ رِبْحٌ فِي رِبْحٍ، ففي صحيح مسلم: (عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
والمُؤْمِنُ لا يشقى لأنه مَعَ الرَّحْمَنِ فِي صَلَاتِهِ، وَفِي ذِكْرِهِ، وَفِي تَوَكُّلِهِ؛ وَمَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، فَتِلْكَ هِيَ عَيْنُ السَّعَادَةِ الَّتِي، لَا تَهُزُّهَا زَلَازِلُ الدُّنْيَا، وَلَا مَصَائِبُهَا.
وَلِكَيْ نَعِيشَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ “الفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ“، وَنتعرف على “الفَهْمِ الخَاطِئِ لَهُمَا”،
فإِنَّ الفَهْمَ الخَاطِئُ يَرَى: أَنَّ السَّعَادَةَ هِيَ كَثْرَةُ الأَمْوَالِ، وَعُلُوُّ المَنَاصِبِ، وَتَنَعُّمُ الأَبْدَانِ بِالشَّهَوَاتِ، وَيَرَى الشَّقَاءَ: هُوَ المَرَضَ أَوْ الفَقْرَ أَوْ قِلَّةَ المَتَاعِ، وَهَذَا نَظَرٌ قَاصِرٌ؛ فَمَا كَانَ قَارُونُ سَعِيداً بِمَالِهِ، وَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ سَعِيداً بِمُلْكِهِ.
أَمَّا الفَهْمُ الصَّحِيحُ، فَهُوَ: أَنَّ السَّعَادَةَ حَالٌ قَلْبِيٌّ، عِمَادُهُ الرِّضَا، وَالطُّمَأْنِينَةُ بِاللهِ،
وَالشَّقَاءُ هُوَ: طَرْدُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ الخَالِقِ، وَخَرَابُ الصَّدْرِ مِنَ الإِيمَانِ، وَإِنْ مَلَكَ الإِنْسَانُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي “أَسْبَابِ السَّعَادَةِ” الَّتِي سَاقَهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ: فَأَعْظَمُ الأَسْبَابِ هُوَ الإِيمَانُ المَقْرُونُ بِاتِّبَاعِ الهُدَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه:123].
فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّنَهُ اللهُ مِنَ الضَّلَالِ فِي الفِكْرِ، وَمِنَ الشَّقَاءِ فِي الصَّدْرِ، قَالَ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97].
وَمِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، الَّذِي يَجْلِبُ الأُنْسَ وَيَطْرُدُ الوَحْشَةَ، وَمِنْ أَسْبَابِهَا: القَنَاعَةُ بِمَا قَسَمَ اللهُ.
أَمَّا “أَسْبَابُ الشَّقَاءِ“، فَرَأْسُهَا الإِعْرَاضُ عَنْ وَحْيِ اللهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [طه:124]. فَالْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ هِيَ عُقُوبَةُ القَلْبِ المَقْطُوعِ عَنْ خَالِقِهِ، وَإِنْ عَاشَ صَاحِبُهُ فِي قُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الشقاء: التَّعَلُّقُ بِالمَخْلُوقِينَ، وَالجَرْيُ خَلْفَ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ، وَأَكْلُ الحَرَامِ الَّذِي يَمْحَقُ البَرَكَةَ وَيُورِثُ الظُّلْمَةَ فِي الصُّدُورِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أسباب السعادة والشقاء: ففي سنن الترمذي: (عَنْ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ»،
وفي الصحيحين: (عَنْ عَلِيٍّ – رضي الله عنه – قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) الآيَةَ،
وفي مسند أحمد: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي
بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ فَيَقُولُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ وَاكْتُبْهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيداً – ثُمَّ قَالَ – وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ غَيْرُ ذِرَاعٍ ثُمَّ يُدْرِكُهُ الشَّقَاءُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ فَيَدْخُلُ النَّارَ». ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ غَيْرُ ذِرَاعٍ ثُمَّ تُدْرِكُهُ السَّعَادَةُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمُوتُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ).
وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاَثَةٌ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاَثَةٌ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِكُلِّ دَارٍ عَلَامَاتٍ؛ فَمِنْ “عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ” الظَّاهِرَةِ عَلَى العَبْدِ: شَرْحُ الصَّدْرِ لِلْقُرْآنِ، وَتَيْسِيرُ الطَّاعَةِ لَهُ، وَبَشَاشَةُ الوَجْهِ عِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ، وَمُسَارَعَتُهُ لِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ كُلَّمَا أَلَمَّ بِذَنْبٍ لِيَظَلَّ فِي حِمَى الرَّحْمَنِ.
أَمَّا “عَلَامَاتُ الشَّقَاءِ”، فَهِيَ: ضِيقُ الصَّدْرِ عِنْدَ سَمَاعِ المَوَاعِظِ، وَالتَّكَاسُلُ عَنِ الصَّلَوَاتِ، وَإِطْلَاقُ اللِّسَانِ فِي الأَعْرَاضِ، وَالتَّحَسُّرُ الدَّائِمُ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الدُّنْيَا، فإِنَّ الشَّقِيَّ هُوَ مَنْ حُرِمَ نَفَحَاتِ رَبِّهِ، فَعَاشَ جَاهِلِيَّةً نَفْسِيَّةً يَتَخَبَّطُ فِي ظُلُمَاتِ الهَوَى، لَا يَهْتَدِي إِلَى نُورٍ، وَلَا يَأْوِي إِلَى سَكِينَةٍ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (كيف تشقى وأنت مع الرحمن؟)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ قَضِيَّةَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ تُحْسَمُ تَمَاماً فِي الآخِرَةِ، حَيْثُ جَلَّى اللهُ تَعَالَى “جَزَاءَ الَّذِينَ سَعِدُوا وَالَّذِينَ شَقُوا” فِي آيَاتٍ مَهِيبَةٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ الشَّقَاءِ لَهُمُ النَّارُ خَالِدِينَ فِيهَا، قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (105): (107) هود،
بَلْ وَيُبْعَثُونَ بِعَمَى الأَبْصَارِ، كَمَا عَمِيَتْ بَصَائِرُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنِ الحَقِّ، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (124): (127) طه
أَمَّا جَزَاءُ الَّذِينَ سَعِدُوا، فَهُوَ الخُلُودُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، حَيْثُ العَطَاءُ السَّرْمَدِيُّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، لِمَنْ لَزِمَ بَابَ العُبُودِيَّةِ وَسَارَ فِي رِكَابِ الهُدَى، قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (108) هود
فَهَذَا هُوَ المَصِيرُ الفَصْلُ: شَقَاءٌ أَبَدِيٌّ فِي جَهَنَّمَ لِمَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ، وَسَعَادَةٌ سَرْمَدِيَّةٌ، وَعَطَاءٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ فِي الجَنَّةِ، لِمَنْ لَزِمَ بَابَ العُبُودِيَّةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالآنَ، كَيْفَ نَسْلُكُ طَرِيقَ السُّعَدَاءِ، وَنَتَجَنَّبُ طُرُقَ الشَّقَاءِ فِي حَيَاتِنَا العَمَلِيَّةِ؟، ونقول: إِنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ أُمُوراً وَاضِحَةً:
أَوَّلُهَا: لُزُومُ القُرْآنِ الكَرِيمِ؛ تِلَاوَةً وَتَدَبُّراً وَتَطْبِيقاً، لِتَتَحَقَّقَ فِينَا الآيَةُ: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى).
ثَانِيًا: الحِذْرُ التَّامُّ مِنَ الإِعْرَاضِ عَنْ الذِّكْرِ فَلَا نَقَعُ فِي جَحِيمِ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ.
ثَالِثًا: تَعْمِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ فِي الرِّزْقِ وَالأَجَلِ.
وَرَابِعًا: صُحْبَةُ الأَخْيَارِ الَّذِينَ تَرْتَقِي بِهِمُ النُّفُوسُ.
فمَنْ سَلَكَ هَذَا المَنْهَجَ، نَادَاهُ الرَّحْمَنُ بِأَمْنِهِ، وَأَزَاحَ عَنْ كَاهِلِهِ هُمُومَ الدَّارَيْنِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُجَدِّدِ اليَقِينَ بِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَ اللهِ كَانَ اللهُ مَعَهُ، وَأَنَّ الشَّقَاءَ لَا يَقْرَبُ عَبْداً جَعَلَ جَبْهَتَهُ سَاجِدَةً لِخَالِقِهِ، وَجَعَلَ كِتَابَ رَبِّهِ هَادِياً لَهُ.
فاللَّهُمَّ اجعلْنَا مِنَ الَّذِينَ سُعِدُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الأَشْقِيَاءِ المَحْرُومِينَ. اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُورَنَا بِالقُرْآنِ، وَعَمِّرْ قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ، وَقِنَا المَعِيشَةَ الضَّنْكِ فِي الدُّنْيَا، وَالعَمَى فِي الآخِرَةِ.
الدعاء
