خطبة عن (بَرُّوا آبَاءَكُمْ تَبرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ)
أكتوبر 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (بَشَائِرُ التَّوْحِيدِ وَأَدَبُ الصُّحْبَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين واللفظ للبخاري: (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ – وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ – أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». قَالَ عِتْبَانُ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ». قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ. قَالَ فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ».
إخوة الإسلام
إِنَّ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، مَعَ أَصْحَابِهِ الكِرَامِ، لَمَشَاهِدَ تَنْتَظِمُ فِيهَا أُصُولُ الدِّينِ، وَتَتَجَسَّدُ فِيهَا مَحَاسِنُ الأَخْلَاقِ، وَتَتَبَيَّنُ بِهَا حُدُودُ التَّوْحِيدِ الذِي عَصَمَ اللهُ بِهِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضَهُمْ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَحَادِيثِ الجَامِعَةِ لِأَبْوَابِ الفِقْهِ، وَالسُّلُوكِ، وَالعَقِيدَةِ، هَذَا الحَدِيثَ الجَلِيلَ و(المتقدم ذكره) والذِي سَاقَهُ الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
فتَأَمَّلُوا قِصَّةَ هذا الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) – وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، مِنَ الأَنْصَارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:100].
وفِي هَذَا الحَدِيثِ الجَلِيلِ هِدَايَات جَمَّة، وَمَحَاوِر يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا مَلِيًّا، لِيَسْتَلْهِمَ مِنْهَا دُرُوسَ الحَيَاةِ وَأَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، ومنها:
أَوَّلًا: حِرْصُ المُسْلِمِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَعُذْرُ المَعْذُورِ: فتَأَمَّلُوا فِي حَالِ هَذَا الصَّحَابِيِّ البَدْرِيِّ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ كَبُرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَ بَصَرُهُ، وَحَالَتِ السُّيُولُ وَالأَمْطَارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَقْعُدْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ يَتَسَاهَلْ فِي أَمْرِهَا، بَلْ بَحَثَ عَنْ سَبِيلٍ لِإِقَامَةِ شَعِيرَتِهَا فِي بَيْتِهِ؛ رَغْبَةً فِي أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ فِي مَكَانٍ مُبَارَكٍ يَرْضَاهُ اللهُ.
فإِنَّ هَذَا الحِرْصَ الشَّدِيدَ يُذَكِّرُنَا بِعَظَمَةِ الصَّلَاةِ فِي الإِسْلَامِ، فَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَقُرَّةُ عُيُونِ المُؤْمِنِينَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238]. وَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وفِي هَذَا المَوْقِفِ بَيَان لِيُسْرِ الشَّرِيعَةِ، وَرَحْمَتِهَا بِالمَعْذُورِينَ؛ إِذْ لَمْ يُكَلِّفِ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ، جَازَ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِهِ، مَعَ ثَبَاتِ أَجْرِهِ، بِفَضْلِ اللهِ وَنِيَّتِهِ الصَّادِقَةِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
ثَانِيًا: ومما يستلهم من هذا الحديث: اسْتِجَابَةُ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لدعوة أصحابه ،وَتَوَاضُعُهُ، وَجَبْرُهُ لِلْخَوَاطِرِ: فتَأَمَّلُوا سُرْعَةَ اسْتِجَابَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِدَعْوَةِ صَحَابِيِّهِ المَعْذُورِ، إِذْ لَمْ يَعْتَذِرْ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِشَاغِلٍ، وَلَمْ يَتَكَبَّرْ، بَلْ قَالَ بِلَسَانِ الرَّحْمَةِ وَالتَّوَاضُعِ: «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ». ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ مَاشِيًا مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
وهَكَذَا كَانَ القَائِدُ وَالمُعَلِّمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ جَمِيلَ التَّوَاضُعِ، قَرِيبًا مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، يُجِيبُ الدَّاعِيَ، وَيَجْبُرُ الخَاطِرَ، وَيُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وَقَدْ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159].
وَفي الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلى التَّأَسِّي بِهَذِهِ الأَخْلَاقِ النَّبَوِيَّةِ الكَرِيمَةِ، فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَجَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ.
ثَالِثًا: ومما يستلهم من هذا الحديث: صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي البَيْتِ، وَتَطْهِيرُ المَسَاكِنِ بِالذِّكْرِ،
فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَيْتَ عِتْبَانَ، لَمْ يَجْلِسْ لِلْحَدِيثِ، أَوْ الطَّعَامِ أَوَّلًا، بَلْ بَادَرَ إِلَى المَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ الذِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟»،
فَأَشَارَ عِتْبَانُ إِلَى نَاحِيَةٍ، فَصَفَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَصْحَابُهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ لِيَتَّخِذَ عِتْبَانُ ذَلِكَ المَكَانَ مُصَلًّى ثَابِتًا فِي بَيْتِهِ.
وَفِي هَذَا المَشْهَدِ حَثٌّ شَرعِيٌّ عَلَى اتِّخَاذِ مُصَلًّى فِي البُيُوتِ، وَعِمَارَةِ المَنَازِلِ بِالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ.
قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]،
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ وَالبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فَالبَيْتُ الذِي تُقَامُ فِيهِ النَّوَافِلُ، وَتُتْلَى فِيهِ آيَاتُ اللهِ، تَنَزَّلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَتَحْضُرُهُ المَلَائِكَةُ، وَتَفِرُّ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ.
رَابِعًا: ومما يستلهم من هذا الحديث: إِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ: فإِنَّ الصحابي عِتْبَانَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) حَبَسَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى طَعَامٍ صَنَعَهُ لَهُ وَهُوَ “الخَزِيرَةُ” (طَعَامٌ يُصْنَعُ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّقِيقِ)؛ بَيَانًا لِأَدَبِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَتَقْدِيمِ المَيْسُورِ لَهُ، دُونَ كَلَفَةٍ أَوْ إِسْرَافٍ.
وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ الجَلِيلَةِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا الإِسْلَامُ؛ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَقَدْ ضَرَبَ أَنْبِيَاءُ اللهِ الأَقْدَمُونَ الأُسْوَةَ فِي ذَلِك، كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
فقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:26].
فَقَرَى الضَّيْفِ، وَمُشَارَكَةُ الطَّعَامِ، مَعَ أَهْلِ الفَضْلِ وَالصَّلَاحِ، تَبُثُّ المَوَدَّةَ، وَتُشِيعُ الأُلْفَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (بَشَائِرُ التَّوْحِيدِ وَأَدَبُ الصُّحْبَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا أَعْظَمَ مَشْهَدٍ، وَأَجَلَّ مَوْقِفٍ، فِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ مَشْهَدَ الذَبِّ عَنْ عِرْضِ المُؤْمِنِ، وَتَقْرِيرِ الحُكْمِ بِالظَّوَاهِرِ، وَإِعْلَانِ بَشَارَةِ التَّوْحِيدِ:
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ، غَابَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وهُوَ (مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ)، فَقَالَ بَعْضُ الحَاضِرِينَ عَنْ اجْتِهَادٍ، أَوْ ظَنٍّ مُسْتَعْجَلٍ: «ذَلِكَ مُنَافِقٌ لا يُحِبُّ اللهَ وَلا رَسُولَهُ»؛ بِنَاءً عَلَى بَعْضِ مَوَاقِفِهِ، أَوْ مُخَالَطَتِهِ لِبَعْضِ المُنَافِقِينَ.
فَلَمْ يَقِرَّهُمْ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى هَذَا الطَّعْنِ، أَوْ هَذِهِ التَّهْمَةِ، بَلْ قَامَ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِهِ، وَيَذُبُّ عَنْهُ النِّفَاقَ فَوْرًا، فَقَالَ حَاسِمًا:
«لا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟».
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ النَّبَوِيِّ الحَكِيمِ قَوَاعِدُ شَرْعِيَّةٌ بَالِغَةُ الأَهَمِّيَّةِ، ومنها:
1. الحُكْمُ عَلَى النَّاسِ بِالظَّوَاهِرِ، وَتَوْكِيلُ البَوَاطِنِ إِلَى اللهِ: فإِنَّ الإِسْلَامَ يَعْصِمُ دِمَاءَ النَّاسِ وَأَعْرَاضَهُمْ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَشَقَّقَ عَنْ قُلُوبِ العِبَادِ، أَوْ يَتَّهِمَهُمْ فِي نِيَّاتِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ؛ فَالقُلُوبُ لا يَعْلَمُ مَا فِيهَا إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعَلَا.
وَهَذَا مَا أَرسَاهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَمَا أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) حِينَ قَتَلَ رَجُلًا فِي الحَرْبِ، بَعْدَمَا قَالَ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَقَالَهَا وَقَتَلْتَهُ؟!»، قَالَ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ السَّيْفِ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا الخَيْرَ، وَالتَّوْحِيدَ، وَالصَّلَاةَ، قَبِلْنَاهُ مِنْهُ، وَعَامَلْنَاهُ بِإِسْلَامِهِ، وَوَكَلْنَا سَرِيرَتَهُ إِلَى رَبِّهِ العَلِيمِ بِالخَفَايَا.
2. حُرْمَةُ الطَّعْنِ فِي أَعْرَاضِ المُؤْمِنِينَ، وَوُجُوبُ الذَبِّ عَنْهُمْ: فاحْذَرُوا -عِبَادَ اللهِ- مِنَ التَّسَاهُلِ فِي (التَّكْفِيرِ أَوْ التَّبْدِيعِ أَوْ التَّفْسِيقِ) بِمُجَرَّدِ الظُّنُونِ وَالأَوْهَامِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12]،
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:58].
وَإِنَّ الذَبَّ عَنْ عِرْضِ المُسْلِمِ فِي غِيبَتِهِ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
3. بَشَارَةُ التَّوْحِيدِ العَظْمَى: فقد خَتَمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا المَوْقِفَ بِبَشَارَةٍ جَلِيلَةٍ تَسُرُّ قُلُوبَ المُوَحِّدِينَ، فَقَالَ:
«فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ».
إِنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ” هِيَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، شَرِيطَةَ أَنْ تَكُونَ صَادِرَةً عَنْ إِخْلَاصٍ وَيَقِينٍ، يَبْتَغِي بِهَا العَبْدُ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:19]،
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن أَثَر العَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ فِي حَيَاةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:
فَعَلَى مُسْتَوَى الفَرْدِ: يَمْنَحُهُ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللهِ وَبِالعِبَادِ، وَيَزْجُرُهُ عَنِ الغِيبَةِ وَالتَّجَسُّسِ وَالخَوْضِ فِي نِيَّاتِ النَّاسِ، وَيَجْعَلُ قَلْبَهُ سَلِيمًا مُطْمَئِنًّا، خَالِيًا مِنَ الحَقَدِ وَالحَسَدِ، مُعْتَزًّا بِبَشَارَةِ التَّوْحِيدِ.
وَعَلَى مُسْتَوَى المُجْتَمَعِ: يَبْنِي مُجْتَمَعًا مُتَمَاسِكًا كَالْبُنْيَانِ المَرْصُوصِ، تَسُودُهُ السَّلَامَةُ وَالمَوَدَّةُ، وَتَخْتَفِي مِنْهُ الشُّكُوكُ وَالظُّنُونُ السَّيِّئَةُ، وَتُصَانُ فِيهِ الحُرُمَاتُ وَالأَعْرَاضُ، فَلَا يَطْعَنُ مُسْلِمٌ فِي أَخِيهِ، وَلَا يُسَارِعُ النَّاسُ إِلَى التَّخْوِينِ وَالتَّكْفِيرِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَحْسِنُوا ظُنُونَكُمْ بِإِخْوَانِكُمْ، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَاخْلِصُوا تَوْحِيدَكُمْ لِرَبِّكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ بَشَارَةِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
الدعاء
