خطبة عن (بِغُصْنِ شَوْكٍ وَسُقْيَا كَلْبٍ دَخَلُوا الْجَنَّةَ)
أكتوبر 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين واللفظ للبخاري: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لِي. وَقَالَ أَهْلُهَا إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ – وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لَنَا- فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ «ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى الْمِنْبَرِ – وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى الْمِنْبَرِ – فَقَالَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ»، وفي رواية له: (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ»
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذا الحديث النبوي، والذي يبين: (هَيْمَنَةُ الشَّرِيعَةِ، وَعَظَمَةُ الشُّرُوطِ الإِلَهِيَّةِ)، (فمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ (فَلَيْسَ لَهُ)، (فَهْوَ بَاطِلٌ)، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ).
فإِنَّ الدِّينَ الإِسْلامِيَّ الحَنِيفَ قَامَتْ أَرْكَانُهُ عَلَى العَدْلِ المُطْلَقِ، وَالحِكْمَةِ البَالِغَةِ، وَالِانْقِيَادِ التَّامِّ لِأَحْكَامِ اللهِ تعالى، وَرَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ القَوَاعِدِ التَّشْرِيعِيَّةِ، التِي يَحْفَظُ اللهُ بِهَا العُقُودَ، وَيَصُونُ بِهَا المُعَامَلاتِ بَيْنَ البَشَرِ، أَنْ تَكُونَ هَذِهِ العُقُودُ وَالشُّرُوطُ خَاضِعَةً لِلشَّرْعِ المُطَهَّرِ، لا تَتَجَاوَزُ حُدُودَهُ، وَلا تُحِلُّ حَرَامًا، وَلا تُحَرِّمُ حَلالاً.
فالحاكمية لله، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (41) الرعد،
وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (57) الأنعام
وقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) المائدة:49،
فَاللهُ جَلَّ جَلالُهُ هُوَ الحَاكِمُ الأَعْظَمُ، وَالمُشَرِّعُ الحَكِيمُ، الذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ، لِيَكُونَ مِيزَانًا مُسْتَقِيمًا، يُنَظِّمُ حَيَاةَ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَقَدْ شَرَعَ الإِسْلامُ الشُّرُوطَ فِي العُقُودِ المُخْتَلِفَةِ – مِنْ بَيْعٍ، وَشِرَاءٍ، وَنِكَاحٍ، وَسَفَرٍ، وَمُعَامَلاتٍ مَالِيَّة، وغيرهاٍ- حِكْمَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً؛ لِتَحْقِيقِ المَصَالِحِ المَشْرُوعَةِ لِلْمُتَعَاقِدِينَ، وَرَفْعِ النِّزَاعِ، وَتَوْثِيقِ الرِّضَا بَيْنَ الأَطْرَافِ.
بَيْدَ أَنَّ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ فِي الِاشْتِرَاطِ لَيْسَتْ سَائِبَةً بِلا زِمَامٍ، وَلا مُطْلَقَةً بِلا قَيْدٍ؛ بَلْ إِنَّ حُدُودَهَا الفَاصِلَةَ هِيَ “كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ“،
فَمَا وَافَقَ الشَّرْعَ، وَلَمْ يُخَالِفْ مَقَاصِدَهُ، فَهُوَ شَرْطٌ صَحِيحٌ، يَلْزَمُ الوَفَاءُ بِهِ،
وَمَا خَالَفَ حُكْمَ اللهِ، وَأَبْطَلَ مُقْتَضَى شَرْعِهِ، فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَوْ زَخْرَفَهُ النَّاسُ، أَوْ حَشَدُوا لَهُ مِائَةَ شَرْطٍ،
وفي سنن الترمذي وغيره: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».
وفي سنن الدار قطني: (هَذَا كِتَابُ عُمَرَ .. إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَمَّا بَعْدُ …وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً، لاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالأَمْسِ، رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَإِنَّ الْحَقَّ لاَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ حَادِثَةٌ جَلِيلَةٌ، أَرْسَتْ هَذِهِ القَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ العَظِيمَةَ، وَأَوْضَحَتْ كَيْفَ يَتَعَامَلُ الإِمَامُ وَالمُرَبِّي مَعَ الأَخْطَاءِ التِي تَمَسُّ ثَوَابِتَ الدِّينِ.
فعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي قِصَّةِ أَمَتِهَا “بَرِيرَةَ” -حِينَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا لِتَشْتَرِيَ حُرِّيَّتَهَا- فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: انْطَلِقِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَأَبَى أَهْلُهَا إِلا أَنْ يَكُونَ الوَلاءُ لَهُمْ، وَإِنْ أَعْتَقَتْهَا عَائِشَةُ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِذَلِكَ، قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: «فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ».
فتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي هَذَا المَشْهَدِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ: فلَقَدْ كَانَ حُكْمُ اللهِ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الوَلاءَ :(وَهُوَ اللُّحْمَةُ التَّابِعَةُ لِلْعِتْقِ التِي تُورِثُ)، يَكُونُ حَقًّا لِلْمُعْتِقِ، الذِي بَذَلَ المَالَ، وَأَعْتَقَ الرَّقَبَةَ. وَلَكِنَّ سَادَةَ بَرِيرَةَ، أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا الثَّمَنَ كَامِلاً مِنْ عَائِشَةَ، ثُمَّ يَشْتَرِطُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَقَّ الوَلاءِ، وهَذَا الشَّرْطُ يَصْدِمُ نَصًّا شَرْعِيًّا، وَيُخَالِفُ مَقْصِدَ الشَّارِعِ فِي جَعْلِ الغُنْمِ بِالغُرْمِ.
فَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِذَلِكَ، لَمْ يَتَسَاهَلْ، وَلَمْ يَقُلْ: “هَذِهِ مُعَامَلَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَ أَفْرَادٍ”، بَلْ صَعِدَ المِنْبَرَ فَوْرًا، وَأَعْلَنَهَا صَرِيحَةً أَمَامَ الِأُمَّةِ، لِتَكُونَ قَانونًا خَالِدًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: «فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ».
وَانْظُرُوا إِلَى حُسْنِ خُلُقِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَجَمِيلِ أَدَبِهِ؛ فَلَمْ يَشْهَرْ بِالأَشْخَاصِ،
وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلَ بَرِيرَةَ بِأَسْمَائِهِمْ، لِيُهِينَهُمْ أَوْ يَفْضَحَهُمْ عَلَى المَلَأِ، بَلْ اسْتَعْمَلَ أُسْلُوبَ التَّعْرِيضِ الرَّاقِيَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ…!».
هَكَذَا كَانَ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُعَالِجُ الأَخْطَاءَ: فهو يُنْكِرُ الفِعْلَ البَاطِلَ، وَيُشَرِّعُ لِلأُمَّةِ الحُكْمَ العَامَّ، وَيَحْفَظُ لِلنَّاسِ كَرَامَتَهُمْ، دُونَ جَرْحٍ، أَوْ تَشْهِيرٍ.
فَفِي الحديث دَلالَةٌ عَلَى حُسْنِ عِشْرَةِ الإِمَامِ مَعَ رَعِيَّتِهِ؛ فَالحَاكِمُ، أَوْ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ، إِذَا رَأَى خَطَأً شَائِعًا، أَوْ مُعَامَلَةً بَاطِلَةً، تَسَرَّبَتْ إِلَى أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ، لَا يَسْكُتْ عَنْهَا، بَلْ يَقُومُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا وَمُوَجِّهًا، يُبَيِّنُ الحَقَّ، وَيُدْحِضُ البَاطِلَ، وَيَحْمِي الشَّرِيعَةَ مِنْ تَلَاعُبِ المُتَلاعِبِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ»: هُوَ إِعْلانٌ صَرِيحٌ، بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ أَحْسَنُ الحَاكِمِينَ، وَخَيْرُ الحَاكِمِينَ، وَأَنَّ أَحْكَامَهُ هِيَ العَدْلُ، الذِي لا جَوْرَ فِيهِ، وَالحِكْمَةُ التِي لا شَوْبَ فِيهَا.
وَإِنَّ لِلْعَمَلِ بِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، وَتَطْبِيقِهِ فِي مُعَامَلاتِنَا اليَوْمِيَّةِ، آثَارًا بَالِغَةَ الأَهَمِّيَّةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ، ومنها:
أَوَّلاً: تَحْصِينُ العُقُودِ مِنَ التَّلاعُبِ وَالِاسْتِغْلالِ: فحِينَ يَعْلَمُ المُسْلِمُ أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ يُخَالِفُ شَرْعَ اللهِ – كَاشْتِرَاطِ الرِّبَا فِي القُرُوضِ، أَوْ إِسْقَاطِ الحُقُوقِ الوِاجِبَةِ فِي النِّكَاحِ، أَوْ إِعْفَاءِ الظَّالِمِ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ- هُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ مُلْغًى شَرْعًا، وَلَوْ كُتِبَ فِي أَعْلَى العُقُودِ، يَسْتَقِرُّ العَدْلُ فِي المُعَامَلاتِ، وَيَكُفُّ المُسْتَغِلُّونَ عَنْ فَرِضِ شُرُوطِهِمِ الجَائِرَةِ عَلَى المُسْتَضْعَفِينَ.
ثَانِيًا: تَرْسِيخُ الحَاكِمِيَّةِ لِشَرْعِ اللهِ: فيَتَرَبَّى الفَرْدُ المُسْلِمُ عَلَى أَنَّ “كِتَابَ اللهِ” هُوَ المِهَيْمِنُ عَلَى كُلِّ شُؤُونِ حَيَاتِهِ؛ فَلا يُقَدَّمُ قَانُونٌ بَشَرِيٌّ، وَلا شَرْطٌ الِتِجَارِيٌّ، وَلا عُرْفٌ قَبَلِيٌّ، أَوْ اجْتِمَاعِيٌّ عَلَى شَرْعِ اللهِ. فَمَا أَحَلَّهُ اللهُ فَهُوَ الحَلالُ، وَمَا حَرَّمَهُ فَهُوَ الحَرَامُ.
ثَالِثًا: صِحَّةُ الشُّرُوطِ المُبَاحَةِ، وَالوَفَاءُ بِهَا: فمِنْ مَفْهُومِ الحَدِيثِ: أَنَّ الشُّرُوطَ التِي لا تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ، بَلْ تُقَوِّي العَقْدَ، أَوْ تُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَشْرُوعَةً لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، هِيَ شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ، يَجِبُ الوَفَاءُ بِهَا؛ لِقَوْلِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا». رواه الترمذي.
رَابِعًا: قَطْعُ النِّزَاعَاتِ وَالِاشْتِبَاكَاتِ فِي المُجْتَمَعِ: فحِينَ تُبْنَى العُقُودُ فِي المُجْتَمَعِ عَلَى نُورٍ مِنَ الشَّرْعِ، وَتُلْغَى الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ، التِي تُؤَدِّي إِلَى الشَّحْنَاءِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، يَسُودُ الأَمْنُ المَالِيُّ وَالِاجْتِمَاعِيُّ، وَتَطْمَئِنُّ القُلُوبُ إِلَى عَدَالَةِ الشَّرِيعَةِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
زِنُوا مُعَامَلاتِكُمْ، وَبُيُوعَكُمْ، وَأَنْكِحَتَكُمْ، وَعُهُودَكُمْ، بِمِيزَانِ كِتَابِ اللهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ حُكْمَ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ مُلْغًى، وَإِنِ اشْتَرِطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ السَّعَادَةَ وَالبَرَكَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الِانْقِيَادِ لِشَرْعِ اللهِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَعَظِّمُوا حُرُمَاتِ دِينِكُمْ، وَاصْدُقُوا فِي شُرُوطِكُمْ وَعُقُودِكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الفَائِزِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
الدعاء
