خطبة عن (إصلاحُ ذاتِ البين)
أكتوبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ لِسُورَةِ الْعَادِيَاتِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) (1): (11) العاديات.
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِقِصَارِ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ: يَسْتَجْلِي العِبَرِ، وَالمَقَاصِدِ الَّتِي تُصْلِحُ القُلُوبَ، وَتُزَكِّي النُّفُوسَ؛
وَإِنَّ سُورَةَ «الْعَادِيَاتِ» هِيَ إِحْدَى السُّوَرِ المَكِّيَّةِ الجَلِيلَةِ، الَّتِي تُعَالِجُ قَضِيَّةً نَفْسِيَّةً وَإِيمَانِيَّةً خَطِيرَةً، فِي جَوْهَرِ السُّلُوكِ البَشَرِيِّ.
وَيَتَجَلَّى المَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ المَبَارَكَةِ فِي:
«تَحليل طَبِيعَةِ الإِنْسَانِ، المَائِلَةِ إِلَى الجُحُودِ وَكُفْرَانِ النِّعَمِ، وَالشَّغَفِ بِالمَالِ، مَعَ تَنَبِيهِهِ بِحَقِيقَةِ البَعْثِ وَالْحِسَابِ، وَالْعِلْمِ الإِلَهِيِّ المُطَّلِعِ عَلَى السَّرَائِرِ».
وَقَدْ اسْتَفْتَحَتِ السُّورَةُ بِأَقْسَامٍ كَوْنِيَّةٍ، وَصُوَرٍ حَرَبِيَّةٍ، يَمْلَؤُهَا النَّشَاطُ وَالقُوَّةُ؛ حَيْثُ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْخَيْلِ (العَادِيَاتِ) فِي سَبِيلِهِ، الَّتِي تَصْدُرُ صَوْتَ (الضَّبْحِ)، وَهُوَ صوتُ أَنْفَاسِهَا عِنْدَ شِدَّةِ الرَّكْضِ،
ثُمَّ أَقْسَمَ (بِالْمُورِيَاتِ قَدْحاً): وَهِيَ الخَيْلُ الَّتِي تُخْرِجُ الشَّرَارَ بِحَوَافِرِهَا، حِينَ تَضْرِبُ الصَّخْرَ لِشِدَّةِ عَدْوِهَا،
ثُمَّ (بِالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً): وَهِيَ الخَيْلُ الَّتِي تُغِيرُ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ،
(فَأَثَرْنَ) فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ غُبَاراً سَاطِعاً، يُسَمَّى (النَّقْعَ)، فَتَوَسَّطْنَ جَمْعَ الأَعْدَاءِ بِجَرَاءَةٍ وَإِقْدَامٍ.
وَإِنَّ هَذَا القَسَمَ المَهِيبَ بِهَذِهِ الحَيَوَانَاتِ المَخْلُوقَةِ، الَّتِي تُطِيعُ سَيِّدَهَا، وَتَبْذُلُ نَفْسَهَا وَجَهْدَهَا فِي سَبِيلِ طَاعَتِهِ وَرَغَبَاتِهِ، وَلَوْ أَدَّى بِهَا إِلَى خَوْضِ النِّيرَانِ وَالمَخَاطِرِ، إِكْرَاماً لِلُقْمَةِ عَيْشٍ أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، يَجِيءُ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ العَاقِلِ، الَّذِي غَمَرَهُ اللَّهُ بِالنِّعَمِ، ثُمَّ هُوَ جَحُودٌ لِرَبِّهِ.
وَلِهَذَا جَاءَ جَوَابُ القَسَمِ مُقَرِّراً: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: أَيْ لَكَفُورٌ لِلْنِعْمَةِ، يَعُدُّ المَصَائِبَ، وَيَنْسَى النِّعَمَ.
ثُمَّ بَيَّنَتِ السُّورَةُ أَنَّ الإِنْسَانَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الجُحُودِ، بِلِسَانِ حَالِهِ وَأَفْعَالِهِ،
وَأَنَّهُ ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾؛ أَيْ لأَجْلِ حُبِّ المَالِ وَالجَاهِ لَقَوِيٌّ فِي الطَّلَبِ، حَرِيصٌ عَلَى المَنَعِ وَالْجَمْعِ، مُتَهَالِكٌ عَلَى زُخْرُفِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ انْتَقَلَتِ السُّورَةُ إِلَى الدَّوَاءِ الإِيمَانِيِّ، الَّذِي يَقْلَعُ هَذَا المَرَضَ مِنْ جُذُورِهِ، فَوَجَّهَتِ الاِسْتِفْهَامَ التَّقْرِيعِيَّ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾؛ أَيْ حِينَ تُقْلَبُ القُبُورُ وَيُخْرَجُ المَوْتَى لِلْبَعْثِ، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾؛ أَيْ أُبْرِزَ وَكُشِفَ مَا كَانَ خَفِيّاً فِي القُلُوبِ: مِنَ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ وَالأَسْرَارِ، فَلَمْ يَبْقَ سِرٌّ إِلاَّ أُعْلِنَ، وَلاَ خَفِيٌّ إِلاَّ أُظْهِرَ،
ثُمَّ خُتِمَتْ السُّورَةُ بِبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ دَقِيقَةٍ وَجَلِيلَةٍ: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾.
وجاء في أسباب النزول: قال مقاتل: بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سرية إلى حي من كنانة، واستعمل عليهم (المنذر بن عمرو الأنصاري)، فتأخر خبرهم، فقال المنافقون: قتلوا جميعا، فأخبر الله تعالى عنها، فأنزل [الله تعالى]: (والعاديات ضبحا) يعني: تلك الخيل.
وعن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعث خيلا شهرا لم يأته منها خبر، فنزلت: (والعاديات ضبحا): ضبحت بمناخرها، إلى آخر السورة.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي كتب التفسير: قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ:
«قَوْلُهُ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) أَيْ لَكَفُورٌ يَعُدُّ المَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ،
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) أَيْ وَإِنَّ الإِنْسَانَ لِحُبِّ المَالِ لَبَخِيلٌ حَرِيصٌ،
وَقَوْلُهُ: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) أَيْ مُمَيَّزَ وَمُيِّزَ مَا كَانَ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالصِّدْقِ وَالرِّيَاءِ.
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «يُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْخَيْلِ إِذَا أُجْرِيَتْ فِي سَبِيلِهِ فَعَدَتْ وَضَبَحَتْ، وَنَبَّهَ بِطَاعَةِ هَذِهِ الحَيَوَانَاتِ لِسَيِّدِهَا عَلَى جُحُودِ الإِنْسَانِ لِنِعَمِ رَبِّهِ،
وَقَوْلُهُ: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) أَيْ لَعَالِمٌ بِجَمِيعِ مَا صَنَعُوا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ أَتَمَّ الجَزَاءِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّ المَالَ مَحْبُوبٌ لِلْنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ بِالطَّبْعِ، وَأَنَّ المَحْمُودَ هُوَ بَذْلُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ، وَالمَذْمُومَ هُوَ الشُّحُّ بِهِ وَجُحُودُ نِعْمَةِ المُنْعِمِ جَلَّ وَعَلاَ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «جَمَعَتْ سُورَةُ العَادِيَاتِ بَيْنَ أُصُولِ العِلَلِ وَأُصُولِ الأَدْوِيَةِ؛ فَالْعِلَّةُ هِيَ كَنَدُ الإِنْسَانِ وَحُرْصُهُ عَلَى المَالِ، وَالدَّوَاءُ هُوَ شُهُودُ البعْثِ، وَيَقِينُ العِلْمِ الإِلَهِيِّ، الَّذِي يُحَصِّلُ مَا فِي الصُّدُورِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ العَادِيَاتِ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ جُحُودَ النِّعَمِ مَذَمَّةٌ كُبْرَى فِي طَبْعِ الإِنْسَانِ، وَالْوَاجِبُ عِلاَجُهُ بِالدَّوَامِ عَلَى الشُّكْرِ.
ثَانِياً: أَنَّ التَّهَالُكَ عَلَى جَمْعِ المَالِ، يَحْجُبُ العَبْدَ عَنْ أَدَاءِ الحُقُوقِ، وَالاِسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ.
ثَالِثاً: أَنَّ المَعْيَارَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ عَلَى الظَّوَاهِرِ، بَلْ عَلَى طَهَارَةِ القُلُوبِ، وَإِصْلاَحِ النِّيَّاتِ.
رَابِعاً: إِحَاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِكُلِّ مَا يُكِنُّهُ العَبْدُ فِي صَدْرِهِ، وَيُعْلِنُهُ فِي جَوارِحِهِ.
هذا وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من التكالب على الدنيا، ونسيان الآخرة، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ».
وفي الصحيحين: (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا».
وفي الحديث: (عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» (رواه الترمذي).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِيرُ الْمَوْضُوعِيُّ لِسُورَةِ الْعَادِيَاتِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ (الطارق:9-10).
فَتَدَبَّرُوا المَقَاصِدَ السُّلُوكِيَّةَ المُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ العَادِيَاتِ؛ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ يَزْرَعُ فِي القَلْبِ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، وَيُنَبِّهُ المَرْءَ إِلَى ضَرُورَةِ إِصْلاَحِ السَّرِيرَةِ،
فَالنَّاسُ فِي الدُّنْيَا يَنْظُرُونَ إِلَى الظَّوَاهِرِ وَالأَعْمَالِ المَشْهُودَةِ، بَيْنَمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ المَقَاصِدَ، وَالنِّيَّاتِ، وَمَا خَفِيَ فِي النُّفُوسِ.
ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
وإِنَّ المَرْءَ لَيَعْجَبُ مِنْ إِنْسَانٍ يَسْعَى جَاهِداً لِتَزْيِينِ ظَاهِرِهِ أَمَامَ الخَلْقِ، ثُمَّ يُهْمِلُ قَلْبَهُ، الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ نَظَرِ الحَقِّ جَلَّ وَعَلاَ،
فَكَمْ مِنْ قَلْبٍ انْطَوَى عَلَى حَسَدٍ، أَوْ كِبْرٍ، أَوْ رِيَاءٍ، أَوْ حِرْصٍ عَلَى الدُّنْيَا،
وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ أُعْمِرَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالإِخْلاَصِ، وَالمَحَبَّةِ، وَالرَّأْفَةِ بِالْعِبَادِ.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ انْكَشَفَتِ الأَسْرَارُ، وَصَارَتْ سَرَائِرُ القُلُوبِ عَلَانِيَةً عَلَى الوُجُوهِ،
وَإِنَّ الحَذَرَ مِنَ الكَنَدِ -وَهُوَ جُحُودُ النِّعْمَةِ- يَتَطَلَّبُ مِنَ المُسْلِمِ: أَنْ يَكُونَ دَوّاماً عَلَى شُكْرِ اللَّهِ بِقَلْبِهِ، وَلِسَانِهِ، وَجَوارِحِهِ، ويَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ، وَيُنْفِقُ المَالَ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، وَلاَ يَدَعُ حُبَّ المَالِ يَأْسِرُهُ، أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى مَنَعِ الحُقُوقِ، فَالمَالُ عَاريَةٌ مَسْتَردَةٌ، وَلاَ يَبْقَى لِلْعَبْدِ مِنْ مَالِهِ إِلاَّ مَا قَدَّمَهُ لِآخِرَتِهِ.
ففي الصحيحين: (عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قَالَ «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي – قَالَ – وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ».
وفي صحيح البخاري: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ »،
وفي سنن الترمذي: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «مَا بَقِىَ مِنْهَا». قَالَتْ مَا بَقِىَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُهَا. قَالَ «بَقِىَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا».
وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي تَحْصِيلِ مَا فِي الصُّدُورِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمُ المَوَاعِظِ فِي وُجُوبِ إِخْلاَصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ خَالِصاً وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ: «التَّكْلِيفُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَالجَزَاءُ فِي الآخِرَةِ عَلَى النِّيَّاتِ وَالسَّرَائِرِ؛ فَمَنْ صَفَتْ سَرِيرَتُهُ صَفَتْ لَهُ الآخِرَةُ، وَمَنْ كُدِرَتْ سَرِيرَتُهُ كُدِرَتْ عَلَيْهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومصر، ومنها:
العِنَايَةُ بِطَهَارَةِ القَلْبِ: بَتَطْهِيرِهِ مِنَ الرِّيَاءِ، وَالْكِبْرِ، وَالحَسَدِ، قَبْلَ يَوْمِ التَّحْصِيلِ.
ومنها: المُدَاوَمَةُ عَلَى شُكْرِ النِّعَمِ، وَحَذَرُ كَفْرَانِهَا، أَوْ نِسْيَانِهَا عِنْدَ نُزُولِ المَكَرُوهِ.
ومنها: أَدَاءُ حُقُوقِ المَالِ: بِالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَعَدَمِ التَّهَالُكِ عَلَى جَمْعِهِ بِالْبَاطِلِ.
ومنها: اسْتِحْضَارُ مَعِيَّةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ: فهو الَّذِي لاَ يَغُيبُ عَنْهُ سِرٌّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ.
وفي الصحيحين: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
وفيهما: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِيبُ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلَى المَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى العُمُرِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقد جاء الكثير من الهدي النبوي، الذي ينبهنا إلى خطورة حب الدنيا، والغفلة عن الآخرة، لذا كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا» (رواه مسلم).
وفي الصحيحين: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَوَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْمُرُوا قُلُوبَكُمْ بِالإِخْلاَصِ وَالتَّقْوَى، وَأَثْقِلُوا أَوْقَاتَكُمْ بِالْحَسَنَاتِ، وَاحْذَرُوا جُحُودَ النِّعَمِ، وَالشُّحَّ بِالْمَالِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ يُحَصَّلُ مَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ. فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِنِعَمِكَ شَاكِرِينَ، وَلآلاَئِكَ ذَاكِرِينَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الكَنُودِينَ الغَافِلِينَ.
الدعاء
