خطبة عن ( الاستغفار وفضائله ،وقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ )
أكتوبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إصلاحُ ذاتِ البين)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال :1]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» [أخرجه أبو داود والترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ أَمَامَ خُلُقٍ هُوَ “سِيَاجُ المُجْتَمَعِ”؛ إنه: (إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ): وَهُوَ السَّعْيُ لِتَقْرِيبِ القُلُوبِ المُمَزَّقَةِ، وَإِنْهَاءِ الخُصُومَاتِ بَيْنَ الإِخْوَةِ، وَالجِيرَانِ، وَالأَزْوَاجِ،
ولَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الخُصُومَةَ بـ “الحَالِقَةِ”، ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَاهَا بِقَوْلِهِ: «لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ». فَالتَّهَاجُرُ وَالتَّدَابُرُ يَأْكُلَانِ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ، وَيَمْنَعَانِ رَفْعَ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ.
والسؤال: لِمَاذَا نُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ؟، والجواب: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ رَضِيَ بِـ “التَّحْرِيشِ” بَيْنَهُمْ: فَالمُصْلِحُ هُوَ الذِي يَهْدِمُ خِطَّةَ الشَّيْطَانِ، وَيُعِيدُ المِيَاهَ إِلَى مَجَارِيهَا، ولِأَنَّ المُجْتَمَعَ المُتَنَاحِرَ ضَعِيفٌ: فلَا يَقْوَى عَلَى عِبَادَةٍ وَلَا عَلَى بِنَاءٍ، ولِأَنَّ أَجْرَ المُصْلِحِ عَظِيمٌ: حَتَّى إِنَّ الشَّرِيعَةَ أَجَازَتْ “الكَذِبَ” فِي سَبِيلِ الإِصْلَاحِ (بِأَنْ تَنْقُلَ لِكُلِّ طَرَفٍ عَنِ الآخَرِ خَيْرًا لَمْ يَقُلْهُ) لِأَنَّ “مَصْلَحَةَ الِائْتِلَافِ” أَعْظَمُ مِنْ “قُبْحِ الكَذِبِ”. ففي مسند أحمد: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِى خَيْراً أَوْ يَقُولُ خَيْراً ». وَقَالَتْ لَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ فِي الْحَرْبِ وَالإِصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن أهمية وفوائد إصلاح ذات البين: أنه منزلة رفيعة عند الله، فقد وصف النبي ﷺ إصلاح ذات البين بأنه “أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة”، ففي سنن أبي داود: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ)
وَمِنْ أَهَمِّيَّةِ إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ: تَحْقِيقُ الْوَحْدَةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَهُوَ يَعْمَلُ عَلَى إِنْهَاءِ الْبَغْضَاءِ وَالْخُصُومَةِ، وَتَحْوِيلِ الشَّحْنَاءِ إِلَىٰ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ، مِمَّا يُحَقِّقُ التَّمَاسُكَ الِاجْتِمَاعِيَّ.
وَهُوَ سَبَبٌ لِنَجَاةِ الْمُجْتَمَعِ: فَالْإِصْلَاحُ مِنْ أَسْبَابِ دَفْعِ الْبَلَاءِ عَنِ الْمُجْتَمَعَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].
كَمَا يُعْتَبَرُ السَّعْيُ لِلصُّلْحِ مِنَ الصَّدَقَاتِ الَّتِي يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا الذُّنُوبَ، بَلْ وَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهَا شَأْنَ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ»
ومَنْ يُوَفِّقُهُ اللهُ لِيَكُونَ “مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ” يُطْفِئُ نِيرَانَ الغَضَبِ، هُوَ إِنْسَانٌ اصْطَفَاهُ اللهُ لِيَقُومَ بِمَهَمَّةِ الأَنْبِيَاءِ، فاِبْحَثُوا فِي عَائِلَاتِكُمْ، فِي مَكَاتِبِكُمْ، بَيْنَ جِيرَانِكُمْ؛ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُتَهَاجِرًا فَكُونُوا أَنْتُمْ سَفِيرَ السَّلَامِ بَيْنَهُمْ. لَا تَقُولُوا: “هَذَا لَا يَعْنِينِي”، بَلْ قُولُوا: “إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ”.
أيها المسلمون
ويقول اللهُ تَعَالَى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114]. ولِكَيْ يَكُونَ إِصْلَاحُكَ مُثْمِراً، عَلَيْكَ بِمَا يَلِي: الإِخْلَاصُ: بأَنْ تَبْتَغِيَ وَجْهَ اللهِ، لَا المَدِيحَ وَلَا الوجَاهَةَ. والعَدْلُ: فلَا تَمِلْ مَعَ طَرَفٍ عَلَى حِسَابِ الآخَرِ، بَلْ قُلِ الحَقَّ بِلِينٍ. والسِّرِّيَّةُ: فلَا تَنْشُرْ خَفَايَا النَّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلِ اسْتَعِنْ عَلَى قَضَاءِ هَذِهِ الحَاجَةِ بِالكِتْمَانِ. واختِيَارُ الوَقْتِ وَالكَلمَةِ: فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ. وأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ. وانْزِعِ الغِلَّ وَالشَّحْنَاءَ مِنْ صُدُورِنَا، وَاجْعَلْنَا إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (إصلاحُ ذاتِ البين)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35].
وَفي الحديث: (عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» [متفق عليه].
فإِنَّ الإِصْلَاحَ بَيْنَ المُتَخَاصِمِينَ فَنٌّ يَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةٍ وَأَنَاةٍ، وَالمُصْلِحُ الحَكِيمُ هُوَ الذِي يَتَّبِعُ خُطُواتٍ مَدْرُوسَةً لِيَصِلَ إِلَى القُلُوبِ: فَلَا يُبْدَأُ الإِصْلَاحُ وَالنُّفُوسُ فَوْرَةَ غَضَبِهَا، بَلْ يُنْتَظَرُ حَتَّى تَهْدَأَ العَوَاطِفُ وَيَحْضُرَ العَقْلُ مع الِاسْتِمَاعُ الجَيِّدُ، فيَسْمَع مِنْ كُلِّ طَرَفٍ عَلَى حِدَةٍ، وَيُفْرِغَ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَيُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ أَلَمِهِ.
مع التَّرْكِيز عَلَى المَنْفَعَةِ وَتَجَاوُز المَاضِي ،وذلك بِتَذْكِيرِهِمْ بِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ مَوَدَّةٍ سَابِقَةٍ، وَمَصَالِحَ مُشْتَرَكَةٍ، وَبِفَضْلِ العَفْوِ عِنْدَ اللهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} الشورى:40، كما يجوز اسْتِخْدَامُ “الكَذِبِ المَمْدُوحِ”: بِأَنْ تَقُولَ لِلأَوَّلِ: “إِنَّ فُلَانًا يَذْكُرُكَ بِخَيْرٍ وَيَحْتَرِمُ قَدْرَكَ”، وَتَقُولَ لِلثَّانِي مِثْلَ ذَلِكَ، لِتَكْسِرَ حَاجِزَ الكِبْرِ وَالقَسْوَةِ فِي نُفُوسِهِمَا.
واعلموا أنَّ أَخْطَرَ مَا يُواجِهُ المُصْلِحَ هُوَ “تَدَخُّلُ النَّمَّامِينَ” الذِينَ يَنْقُلُونَ الكَلَامَ لِيُفْسِدُوا مَا بَنَيْتَ؛ فَكُنْ يَقِظًا وَحَذِّرِ المُتَخَاصِمِينَ مِنْ سَمَاعِ قِيلَ وَقَالَ، وَأَفْهِمْهُمْ أَنَّ رُجُوعَهُمْ عَنِ الخِصَامِ هُوَ انْتِصَارٌ لِلْعَقْلِ لَا هَزِيمَةٌ لِلْكَرَامَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [أخرجه مسلم]. فإِلَى كُلِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ خُصُومَةٌ: لَا تَنْتَظِرِ المُصْلِحِينَ لِيَأْتُوا إِلَيْكَ، بَلْ بَادِرْ أَنْتَ بِالسَّلَامِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». متفق عليه،
وإِنَّ العَفْوَ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ نَفْسِيَّةٌ وَعِزٌّ رَبَّانِيٌّ. تَنَازَلْ عَنْ بَعْضِ حَقِّكَ لِتَكْسِبَ رَاحَةَ بَالِكَ وَرِضَا رَبِّكَ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، سِلْمًا لِأَوْلِيَائِكَ، حَرْبًا عَلَى أَعْدَائِكَ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ المُتَخَاصِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَانْزِعِ الغِلَّ وَالحَسَدَ مِنْ بَيْنِهِمْ. اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي مَسَاعِي المُصْلِحِينَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ خَالِصًا لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
( الدعاء )
