خطبة عن (عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ)
أكتوبر 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الصبرُ ضياءٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «…وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» [أخرجه مسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ مَعَ خُلُقٍ هُوَ لِلإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، إنه خلق (الصَّبْر)؛ ذَلِكَ الكَنْزُ الذِي لَا يَنْفَدُ، وَالسِّلَاحُ الذِي لَا يَنْكَسِرُ،
ولَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلصَّابِرِينَ مَنْزِلَةً لَمْ يَجْعَلْهَا لِغَيْرِهِمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر:10.
وَالصَّبْرُ لَيْسَ عجزًا، وَلَا اسْتِسْلَامًا، بَلْ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ، وَاللِّسَانِ عَنِ التَّسَخُّطِ، وَالجَوَارِحِ عَنِ لَطْمِ الخُدُودِ، وَشَقِّ الجُيُوبِ، فهُوَ قُوَّةٌ دَاخِلِيَّةٌ، تَجْعَلُ المُسْلِمَ يَقِفُ كَالطَّوْدِ الشَّامِخِ، أَمَامَ رِيَاحِ الِابْتِلَاءِ.
ومن المعلوم أنَّ لِلصَّبْرِ مَيَادِينَ ثَلَاثَةً يَجِبُ أَنْ يَتَقَلَّبَ فِيهَا المُؤْمِنُ:
أَوَّلُهَا: صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ؛ فَالصَّلَاةُ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ، وَبِرُّ الوالِدَيْنِ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ، وَمُدَاوَمَةُ الذِّكْرِ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ.
ثَانِيهَا: صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ؛ بِأَنْ تَكْبَحَ جِمَاحَ نَفْسِكَ عَنِ الحَرَامِ، وَتَصْبِرَ عَنْ لَذَّةٍ عَابِرَةٍ تُعْقِبُ نَدَامَةً بَاقِيَةً.
ثَالِثُهَا: صَبْرٌ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ؛ مِنْ فَقْدِ حَبِيبٍ، أَوْ مَرَضِ جَسَدٍ، أَوْ ضِيقِ رِزْقٍ،
وَاعْلَمُوا أَنَّ “الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى”: هُوَ مِعْيَارُ الإِيمَانِ، وَبُرْهَانُ الرِّضَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي أَخْلَاقِ الصَّابِرِينَ؛ فَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الشَّكْوَى لِغَيْرِ اللهِ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ النَّازِلَةُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، فَيَنَالُ صَلَوَاتِ رَبِّهِ وَرَحْمَتَهُ، قال تعالى:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (155): (157) البقرة.
وفي مسند أحمد: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيهَا وَأَبْدِلْنِي بِهَا خَيْراً مِنْهَا». فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُهَا فَجَعَلْتُ كُلَّمَا بَلَغْتُ «وَأَبْدِلْنِي بِهَا خَيْراً مِنْهَا». قُلْتُ فِي نَفْسِي وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ثُمَّ قُلْتُهَا فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعَثَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُهَا فَلَمْ تَزَوَّجْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى وَأَنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِداً. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ «ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا أَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى فَأَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَيُذْهِبُ غَيْرَتَكِ وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَانَكِ وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِداً فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ».
والصَّابِرُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الفَرَجَ مَرْهُونٌ بِالصَّبْرِ ،فالصبر خُلُقٌ يُحَوِّلُ المِحْنَةَ إِلَى مِنْحَةٍ، وَالبَلَاءَ إِلَى جَلَاءٍ لِلصُّدُورِ،
وفي مسند أحمد: (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً».
فمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ إِلَى التَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ فِي تَعَامُلَاتِنَا، فاصْبِرْ عَلَى زَوْجَتِكَ، وَاصْبِرِي عَلَى زَوْجِكِ، وَاصْبِرُوا عَلَى أَبْنَائِكُمْ فِي تَرْبِيَتِهِمْ، واصْبِرْ عَلَى جَارِكَ وَعَلَى مَنْ يُؤْذِيكَ، فَمَنْ عَاشَرَ النَّاسَ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِمَّنْ لَمْ يُخَالِطْهُمْ وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ، فإِنَّ الصَّبْرَ زَادُ الطَّرِيقِ إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]. فإِنَّ لِلصَّبْرِ ثَمَرَةً حُلْوَةً المَذَاقِ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ففِي الدُّنْيَا: طُمَأْنِينَةُ قَلْبٍ، وَذِكْرٌ حَسَنٌ، وَنَصْرٌ مَكِينٌ، وَفِي الآخِرَةِ: جَنَّاتٌ وَعُيُونٌ، وَتَحِيَّةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (22): (24) الرعد.
فلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِذَا طَالَ البَلَاءُ، فَإِنَّمَا يَشْتَدُّ الكَرْبُ لِيَنْفَلِجَ الصُّبْحُ.
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48].
وفمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الصَّبْرِ فِي السُلُوكِ “الثَّبَاتُ عِنْدَ الفِتَنِ”؛ حَيْثُ تَمُوجُ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا مَنْ رُزِقَ صَبْرًا يَعْصِمُهُ مِنَ السُّقُوطِ، والصَّابِرُ لَا يَتَلَوَّنُ مَعَ الأَهْوَاءِ، وَلَا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الصبر ضياء)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]. وَفي الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ…» [أخرجه الترمذي].
فإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ عَظَمَةَ الصَّبْرِ، فَلْنَنْظُرْ فِي سِيَرِ الذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللهُ:
فَهَذَا نبي الله “أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ”: يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي البَلَاءِ، فَقَدَ المَالَ، وَالوَلَدَ، وَالعَافِيَةَ، ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا اشْتَكَى لِغَيْرِ مَوْلَاهُ، بَلْ قَالَ بِلِسَانِ اليَقِينِ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، فَكَانَتِ العَاقِبَةُ أَنْ رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ كُلَّ مَا فَقَدَ وَزِيَادَةً، قال تعالى:
(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (83)، (84) الأنبياء.
وَهَذَا نبي الله “يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ”: صَبَرَ عَلَى كَيْدِ الإِخْوَةِ، وَظُلْمِ السِّجْنِ، وَفِتْنَةِ المَرْأَةِ، فَمَا زَادَهُ الصَّبْرُ إِلَّا عِزًّا، حَتَّى صَارَ عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ.
وَانْظُرُوا إِلَى “إِمَامِ الصَّابِرِينَ ﷺ”: كَيْفَ صَبَرَ فِي مَكَّةَ عَلَى الأَذَى، وَفِي المَدِينَةِ عَلَى اللأْوَاءِ ،وَكَيْفَ فَجَعَهُ المَوْتُ فِي أَوْلَادِهِ جَمِيعًا إِلَّا فَاطِمَةَ، فَكَانَ يَقُولُ وَالقَلْبُ يَعْتَصِرُ:
«إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا». رواه البخاري.
فإِنَّ هَؤُلَاءِ العُظَمَاءَ يُعَلِّمُونَنَا: أَنَّ الصَّبْرَ لَيْسَ عُقُوبَةً، بَلْ هُوَ “تَرْقِيَةٌ” لِلْمَقَامَاتِ، وَتَمْحِيصٌ لِلصَّادِقِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ “أَثَرَ الصَّبْرِ” يَظْهَرُ جَلِيًّا فِي “سُلُوكِ المُسْلِمِ” مَعَ مَنْ حَوْلَهُ، فالصَّبْرُ يُثْمِرُ “الحِلْمَ”؛ فَلَا يَسْتَفِزُّكَ الجَاهِلُ بِجَهْلِهِ، وَيُثْمِرُ “الأَنَاةَ”؛ فَلَا تَتَعَجَّلُ الرِّزْقَ بِالحَرَامِ، وَلَا تَتَعَجَّلُ النَّصْرَ قَبْلَ أَوَانِهِ، فالمُؤْمِنُ الصَّابِرُ هُوَ أَطْوَلُ النَّاسِ نَفَسًا فِي دَعْوَتِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ تَحَمُّلًا لِأَذَى جِيرَانِهِ، وَأَرْفَقُهُمْ بِأَهْلِ بَيْتِهِ، والصَّبْرُ يَجْعَلُكَ تَمْلِكُ زِمَامَ نَفْسِكَ عِنْدَ الغَضَبِ، فَتَعْفُو وَتَصْفَحُ، وَتِلْكَ هِيَ “شَجَاعَةُ الصَّابِرِينَ”.
والحَيَاة لَا تَسْتَقِيمُ بِلَا صَبْرٍ؛ فَالطَّالِبُ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ لِيَنْجَحَ، وَالعَامِلُ لِيُتْقِنَ، وَالمُجَاهِدُ لِيَنْتَصِرَ، وَالصَّبْرُ فِي السُلُوكِ يَعْنِي: أَلَّا تَنْهَارَ أَمَامَ أَوَّلِ عَقَبَةٍ، بَلْ تُوَاجِهُهَا بِقَلْبٍ مُطْمَئِنٍ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللهُ هُوَ الخَيْرُ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ كُلَّمَا اشْتَدَّ الصَّبْرُ، كَانَ الفَرَجُ أَقْرَبَ مِمَّا تَظُنُّونَ.
فمَنْ رُزِقَ الصَّبْرَ فَقَدْ رُزِقَ مِفْتَاحَ كُلِّ خَيْرٍ، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَقْتَدِي بِأَنْبِيَائِكَ فِي صَبْرِهِمْ، وَبِأَوْلِيَائِكَ فِي ثَبَاتِهِمْ، وفَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوبِينَ، وَارْزُقْنَا صَبْرًا يُبَلِّغُنَا مَنَازِلَ الشَّاكِرِينَ.
( الدعاء )
