خطبة عن (أيام العشر من ذي الحجة وفضلها)
مايو 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَوْصِنِي يا رسول الله قَالَ لاَ تَغْضَبْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (36)، (37) الشورى، وروى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَوْصِنِي. قَالَ «لاَ تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ «لاَ تَغْضَبْ».
إخوة الإسلام
لَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الحَيَاةَ الدنيا مَيْدَاناً لِلِابْتِلَاءِ، وَجَعَلَ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ مَجْبُولَةً عَلَى انْفِعَالَاتٍ شَتَّى، وَمِنْ أَخْطَرِهَا “الغَضَبُ”؛ ذَلِكَ الجَمْرُ المُتَّقِدُ فِي القُلُوبِ، وَرِيحُ الشَّيْطَانِ الَّتِي تَعْصِفُ بِالعُقُولِ، وإِنَّنَا اليَوْمَ نَقِفُ مَعَ وَصِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ جَامِعَةٍ، اخْتَصَرَتْ طَرِيقَ السَّلَامَةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: «لَا تَغْضَبْ».
فالغَضَب فِي حَقِيقَتِهِ: هُوَ غَلَيَانُ دَمِ القَلْبِ، لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ، وَهُوَ مَيْلٌ غَرِيزِيٌّ عِنْدَ تَعَرُّضِ الإِنْسَانِ لِمَا يُؤْذِيهِ أَوْ يُضَايِقُهُ، وَقَدْ وَصَفَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ، ففي سنن الترمذي: (قال صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ أَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْضِ»،
فَمَا أَنْ يَثُورَ هَذَا البُرْكَانُ من الغضب حَتَّى يَغِيبَ العَقْلُ، وَتَتَوَارَى الحِكْمَةُ، وَيَنْطِقَ اللِّسَانُ بِالفُحْشِ، وَتَمْتَدَّ اليَدُ بِالأَذَى.
واعلموا أنَّ مَعْنَى قوله صلى الله عليه وسلم: “لَا تَغْضَبْ”، لَيْسَ مَحْوَ الغَرِيزَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ هُوَ تَمَلُّكُ النَّفْسِ عِنْدَ وُجُودِ دَوَاعِي الغَضَبِ، وَعَدْمُ تَرْكِ العِنَانِ لِلِانْفِعَالِ، لِيَقُودَ صَاحِبَهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَنْبَغِي.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي صُوَرِ الغَضَبِ فِي حَيَاتِنَا المُعَاصِرَةِ؛ فَمِنْ غَضَبٍ يَهُدِّمُ أَرْكَانَ البُيُوتِ بِطَلَاقٍ مُتَسَرِّعٍ، إِلَى غَضَبٍ يَقْطَعُ أَرْحَاماً كَانَتْ مَوْصُولَةً، إِلَى غَضَبٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَالأَسْوَاقِ يُشْعِلُ فِتَناً وَخُصُومَاتٍ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ.
وإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ صُوَرِهِ: غَضَبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، بِمَا لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ فِعْلِهِمْ، مِمَّا يُورِثُ عُقَداً نَفْسِيَّةً لَا تَنْدَمِلُ، أَوْ غَضَبَ المَرْءِ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ العُمَّالِ وَالأُجَرَاءِ، نَاسِياً أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، فكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ هِيَ نَتَاجُ غِيَابِ الوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ الوَاقِعِ العَمَلِيِّ.
ومن المعلوم أنَّ آثَارَ الغَضَبِ وَنَتَائِجَهُ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ وَخِيمَةٌ جِدّاً، فَعَلَى الصَّعِيدِ النَّفْسِيِّ، يُورِثُ الغَضَبُ النَّدَمَ المَرِيرَ، وَالحَسْرَةَ الَّتِي لَا تَنْقَضِي بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ،
وَعَلَى الصَّعِيدِ الجَسَدِيِّ، أَثْبَتَ الطِّبُّ أَنَّ الغَضَبَ سَبَبٌ رَئِيسٌ لِأَمْرَاضِ القَلْبِ، وَضَغْطِ الدَّمِ، وَانْهِيَارِ الأَعْصَابِ.
أَمَّا عَلَى صَعِيدِ المُجْتَمَعِ، فَإِنَّ الغَضَبَ هُوَ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِكُلِّ جَرِيمَةِ قَتْلٍ، وَكُلِّ حَالَةِ اعْتِدَاءٍ، وَهُوَ المِعْوَلُ الَّذِي يَهْدِمُ بِهِ النَّاسُ بِنَاءَ المَوَدَّةِ، الَّذِي اسْتَغْرَقَ بِنَاؤُهُ سَنَوَاتٍ فِي لَحْظَةِ طَيْشٍ وَاحِدَةٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
لَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مِعْجَالاً غَضُوباً، فَأَعْطَاهُ الدَّوَاءَ المُرَكَّزَ، وَمَا كَرَّرَ الرَّجُلُ سُؤَالَهُ إِلَّا ظَنّاً مِنْهُ أَنَّ الوَصِيَّةَ سَتَتَغَيَّرُ، ولَكِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيَ عَلَى كَلِمَتِهِ؛ لِأَنَّ الغَضَبَ هُوَ جِمَاعُ الشَّرِّ كُلِّهِ، وَبِتَرْكِهِ يَتَحَقَّقُ الخَيْرُ كُلُّهُ.
فَالقُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي صَرْعِ الرِّجَالِ، بَلْ فِي صَرْعِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ عِنْدَ هَيَجَانِ الغَضَبِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ عِلَاجَ الغَضَبِ كَمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: يَبْدَأُ بِـ “الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ”؛ فَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ يَسْتَبَّانِ وَأَحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» [رواه البخاري ومسلم].
ومن علاج الغضب أيضا: العِلَاجُ “بِالسُّكُوتِ”؛ فَإِنَّ الكَلِمَةَ فِي حَالِ الغَضَبِ سَهْمٌ مَسْمُومٌ، لَا يُمْكِنُ اسْتِرْدَادُهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» [رواه أحمد].
وَمِنَ العِلَاجِ أَيْضاً: “تَغْيِيرُ الوَضْعِيَّةِ”؛ فَإِنْ كَانَ قَائِماً فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ كَانَ جَالِساً فَلْيَضْطَجِعْ، لِيَكْسِرَ حِدَّةَ الثَّوْرَةِ، ففي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لَنَا «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ».
وَمِنَ العِلَاجِ أَيْضاً: “الوُضُوءُ”؛ لِأَنَّ الغَضَبَ مِنَ النَّارِ، وَالنَّارُ لَا يُطْفِئُهَا إِلَّا المَاءُ، ففي سنن أبي داود ومسند أحمد: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ
مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَوْصِنِي يا رسول الله قَالَ لاَ تَغْضَبْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
أما وقد تعرفنا على الغضب، وصوره، وأسبابه، ونتائجه، فلابد أن نتعرف على جَزَاء الكَاظِمِينَ الغَيْظَ، والعافين عن الناس، فالجَزَاءٌ بَاهِرٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:134]،
فَالْمُحِبُّ لِلَّهِ هُوَ مَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِنْفَاذِهِ، وَقَدْ بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الصِّنْفَ بِفَخْرٍ عَظِيمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ» [رواه أبو داود والترمذي]. وهَذَا الجَزَاءُ العَظِيمُ مُقَابِلَ سَاعَةِ صَبْرٍ وَمُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ.
فلِنَكُنْ أَذْكِيَاءَ فِي تَعَامُلِنَا مَعَ مَشَاعِرِنَا؛ فَلَا نَبِيعُ جَنَّتَنَا، وَرَاحَةَ بَالِنَا، وَسَلَامَةَ صُدُورِنَا، لِأَجْلِ لَحْظَةِ غَضَبٍ عَارِمَةٍ، فإِنَّ العَفْوَ عِنْدَ المَقْدِرَةِ هُوَ شِيْمَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَكَمَالُ الرُّجُولَةِ فِي الحِلْمِ، لَا فِي العُنْفِ، فَلْنُطَفِّئْ نِيرَانَ الغَضَبِ بِبَرْدِ الإِيمَانِ، وَلْنَسْتَحْضِرْ دَائِماً أَنَّ مَنْ غَفَرَ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ صَفَحَ صَفَحَ اللهُ عَنْهُ، فكُونُوا رُحَمَاءَ بَيْنَكُمْ، سَمِحِينَ فِي تَعَامُلِكُمْ، تَنَالُوا رِضَا رَبِّكُمْ، وَفَلَاحَ أَمْرِكُمْ.
فَلْنَبْدَأْ بِأَنْفُسِنَا فِي تَرْبِيَتِهَا عَلَى الهدوءِ وَالرَّزَانَةِ، وَلْنُعَلِّمْ أَوْلَادَنَا أَنَّ القَوِيَّ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ أَعْصَابَهُ.
فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالغَضَبِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الكَاظِمِينَ الغَيْظَ، العَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الحِلْمَ عِنْدَ الجَهْلِ، وَالصَّبْرَ عِنْدَ البَلَاءِ، وَالشُّكْرَ عِنْدَ العَطَاءِ.
اللَّهُمَّ اصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ.
الدعاء
