خطبة عن معنى قوله تعالى ( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ )
يونيو 20, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قَمِيصُ عُمَرَ وَشَرَابُهُ: عِلْمٌ وَدِينٌ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الدِّينَ»
وفي البخاري: (عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْعِلْمَ»
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم:96]. فلَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلصحابي الجليل، وأمير المؤمنين (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) وُدّاً فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وَبَوَّأَهُ مَنْزِلَةً فَرِيدَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ المَيَامِينِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى مَكَانَتِهِ، تِلْكَ الرُّؤَى النَّبَوِيَّةُ الَّتِي رَآهَا المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَكَانَتْ شَهَادَةً رَبَّانِيَّةً لَهُ بِسَلَامَةِ المَنْهَجِ، وَرُسُوخِ العِلْمِ، وَتَمَامِ الدِّينِ، فَالرُّؤْيَا فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَالثَّنَاءُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صِدْقٌ، وَبُشْرَى.
ففي الحديث الأول قَالَ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ»،
فَالْمُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَثَّلَ الدِّينَ بِالقَمِيصِ؛ لِأَنَّ القَمِيصَ يَسْتُرُ العَوْرَةَ، وَيَقِي مِنَ الحَرِّ وَالقَرِّ، وَيَكُونُ زِينَةً لِلْمَرْءِ، وَكَذَلِكَ الدِّينُ؛ فَهُوَ سِتْرُ العَبْدِ عَنِ النَّارِ، وَزِينَةُ المُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، وَوِقَايَتُهُ مِنْ غَضَبِ الجَبَّارِ.
وتَفَاوُت طُولِ القُمُصِ فِي الرُّؤْيَا، يَدُلُّ عَلَى تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي إِيمَانِهِمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِأَوَامِرِ اللهِ، فَمنْهُمْ مَنْ دِينُهُ قَصِيرٌ، لَا يَسْتُرُهُ مِنَ المَعَاصِي، وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَكَّنَ الإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ،
أَمَّا عُمَرُ، فَقَدْ جَاءَ قَمِيصُهُ طَوِيلاً، يَجُرُّهُ خَلْفَهُ، وَهِيَ مَنْزِلَةٌ فَوْقَ المَنَازِلِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ قَدْ غَمَرَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا، وَأَنَّهُ اسْتَوْعَبَ أَرْكَانَ الإِسْلَامِ وَشَعَائِرَهُ، بِقُوَّةٍ وَتَمَكُّنٍ، فلَمْ يَكُنْ دِينُ عُمَرَ هَشّاً، بَلْ كَانَ دِيناً مَتِيناً، يَقُودُهُ لِلْعَدْلِ، وَيَزْجُرُهُ عَنِ الظُّلْمِ، وَيَجْعَلُهُ وَقَّافاً عِنْدَ حُدُودِ اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلَمْ يَقْتَصِرْ فَضْلُ الفَارُوقِ عَلَى تَمَامِ الدِّينِ، بَلْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِبَحْرِ العِلْمِ أَيْضاً، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «العِلْمَ» [رواه البخاري].
فلَقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) العِلْمَ بِاللَّبَنِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ هُوَ الفِطْرَةُ، وَهُوَ الغِذَاءُ الصَّافِي، الَّذِي يُبْنِي بِهِ الجَسَدُ، وَالعِلْمُ هُوَ الغِذَاءُ الَّذِي تُبْنَى بِهِ الأَرْوَاحُ، وَالعُقُولُ.
وتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ»، فهَذَا يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، نَالَ مِنَ المِيرَاثِ النَّبَوِيِّ، وَالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، مَنْزِلَةً تَلِي مَنْزِلَةَ النُّبُوَّةِ، فلَمْ يَكُنْ عِلْمُ عُمَرَ مُجَرَّدَ حِفْظٍ لِلْكَلِمَاتِ، بَلْ كَانَ فِقْهاً لِلْمَقَاصِدِ، وَفِرَاسَةً فِي الوَاقِعِ،
فلَقَدْ نَطَقَ (القُرْآنُ) بِمُوَافَقَةِ رَأْيِ عُمَرَ، فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ؛ كَمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَآيَةِ الحِجَابِ، وَأُسَارَى بَدْرٍ، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلاَثٍ – أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ – قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ – صلى الله عليه وسلم – خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ، قَالَتْ يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ) الآيَةَ، التحريم: 5..
وَقَدْ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ، فَإِنَّهُ عُمَرُ» [رواه البخاري]. وَالمُحَدَّثُ هُوَ المُلْهَمُ الَّذِي يَجْرِي الحَقُّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الجَمْعَ بَيْنَ “القَمِيصِ” الَّذِي هُوَ الدِّينُ، وَ”اللَّبَنِ” الَّذِي هُوَ العِلْمُ، يَرْسُمُ لَنَا شَخْصِيَّةَ المُؤْمِنِ الكَامِلِ، فَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ عَابِداً جَاهِلاً، وَلَمْ يَكُنْ عَالِماً فَاجِراً، بَلْ كَانَ عَالِماً رَبَّانِيّاً، عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، فَأَوْرَثَهُ اللهُ صِدْقَ الفِرَاسَةِ،
وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ فَضَائِلُهُ الَّتِي لَا تُحْصَى؛ فَهُوَ “الفَارُوقُ” الَّذِي فَرَّقَ اللهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ الشَّيْطَانُ يَفِرُّ مِنْ طَرِيقِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» [رواه البخاري ومسلم].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عُمَرُ مَنَاقِبُ عِلْمِ وَتَمَامُ دِّينِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وإِنَّ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ يُرْشِدَانِنَا إِلَى: ضَرُورَةِ طَلَبِ العِلْمِ النَّافِعِ، الَّذِي يُصْلِحُ الدِّينَ، فَالْبَشَرِيَّةُ اليَوْمَ تَعِيشُ فِتْنَةَ العِلْمِ بِلَا دِينٍ، أَوْ الِادِّعَاءِ فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ،
وَمَنْهَجُ عُمَرَ يُعَلِّمُنَا: أَنَّ العِلْمَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سِتْراً وَوِقَايَةً، وَأَنَّ الدِّينَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ عَلَى بَصِيرَةٍ،
ووَاجِبُنَا: أَنْ نَقْتَدِيَ بِهَذَا العِمْلَاقِ، فِي قُوَّتِهِ فِي الحَقِّ، وَتَوَاضُعِهِ عِنْدَ نَصِيحَةِ الخَلْقِ، وَحِرْصِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَمِيصُ دِينِهِ سَابِغاً، يَسْتُرُ جَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنِ الحَرَامِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَنْظُرْ فِي قُمُصِ دِينِنَا؛ هَلْ هِيَ تَسْتُرُنَا؟، وَلْنَنْظُرْ فِي رِيِّ عُقُولِنَا مِنَ العِلْمِ؛ هَلْ هُوَ يُصْلِحُنَا؟، فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِلْماً نَافِعاً، وَقَلْباً خَاشِعاً، وَدِيناً قَيِّماً.
اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِ صَحَابَةِ نَبِيِّكَ الكِرَامِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَانْصُرِ المُسْلِمِينَ، وَاهْدِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
