خطبة عن (رُؤْيَا النَّبِيِّ لحياة البَرْزَخِ)
يوليو 8, 2026الخطبة الأولى (الْكَرِيمُ لَا يُضَامُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:5-7]. ورُوي في الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». وفي موطإ الإمام مالك: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِىَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلاَّ رَغِيفٌ فَقَالَتْ لِمَوْلاَةٍ لَهَا أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ أَعْطِيهِ إِيَّاهُ قَالَتْ فَفَعَلْتُ – قَالَتْ – فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ – أَوْ إِنْسَانٌ – مَا كَانَ يُهْدِى لَنَا شَاةً وَكَفَنَهَا فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ كُلِى مِنْ هَذَا، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ).
إخوة الإسلام
“لِقَاؤُنَا الْيَوْمَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- مَعَ أَهْلِ الْكَرَمِ، وَخُطْبَةٌ بِعُنْوَانِ: (الْكَرِيمُ لَا يُضَامُ)، وَهُوَ مَا يَعْنِي: أَنَّ مَنْ يَقْصِدُ اللَّهَ تَعَالَى (بِالرَّجَاءِ وَالدُّعَاءِ)، أَوْ يَتَّصِفُ بِصِفَةِ الْكَرَمِ، وَيُعْطِي النَّاسَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ، وَيُؤْثِرُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُضَيِّعُهُ أَبَدًا، بَلْ يُعَوِّضُهُ أَفْضَلَ مِمَّا أَنْفَقَ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَتْرُكُ عَبْدَهُ الْكَرِيمَ أَبَدًا”.
فمن الملاحظ أنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ، فِي أَزْمِنَةِ الشِّدَّةِ وَالْمَضَايِقِ الْمَادِّيَّةِ، كَثِيرًا مَا تَقَعُ أَسِيرَةً لِأَوْهَامِ الشُّحِّ، وَتَسْتَسْلِمُ لِوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، الَّذِي يَعِدُهَا الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُهَا بِالْبُخْلِ؛ فَنَرَى خَوْفًا جَاثِمًا عَلَى الْقُلُوبِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَانْقِبَاضًا فِي الْأَيْدِي عَنِ الْبَذْلِ، حَتَّى ضَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِمَالِهِمْ، وَمَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، الَّتِي هِيَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ الْمَفْرُوضُ.
وَلَكِنَّ الْـمِيزَانَ الْإِلَهِيَّ يَعْمَلُ بِعَكْسِ حِسَابَاتِ الْبَشَرِ الضَّيِّقَةِ؛ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ نَمَاءٌ لَا نَقْصٌ، وَالْجُودَ أَمَانٌ لَا مَخْصَصَةٌ، وَالْقَاعِدَةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْمُنِيرَةَ تَقْضِي بِأَنَّ “الْكَرِيمَ لَا يُضَامُ”، وَأَنَّ مَنْ أَنْفَقَ لِوَجْهِ اللهِ، تَوَلَّى اللهُ كِفَايَتَهُ، وَصَانَ عِرْضَهُ، وَجَبَرَ خَاطِرَهُ، وَأَخْلَفَ عَلَيْهِ بِأَضْعَافِ مَا بَذَلَ.
وإِنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، يُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الثِّقَةَ بِأن مَا فِي يَدِ اللهِ، أَعْظَمَ مِمَّا فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، فَالْإِنْفَاقُ
مِفْتَاحٌ لِتَنَزُّلِ خَزَائِنِ السَّمَاءِ، وَمَنْ أَقْرَضَ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، يُضَاعِفْهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (245) البقرة، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (261)، (262) البقرة
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ جَسَّدَ السَّلَفُ الصَّالِحُ هَذَا الْيَقِينَ فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) تَضْرِبُ لِلْأُمَّةِ مَثَلًا يَهَزُّ النُّفُوسَ؛ فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ، فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ!، فَقَالَتْ: أَعْطِيهِ إِيَّاهُ. قَالَتْ فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ -أَوْ إِنْسَانٌ- مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا: شَاةً وَكَفَنَهَا (أَيْ شَاةً مَشْوِيَّةً مَغْطَاةً بِالْخُبْزِ)، فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هَذَا، هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ!)
فَانْظُرُوا كَيْفَ أَبْدَلَهَا اللهُ بِالرَّغِيفِ الْوَاحِدِ الْـجَافِّ شَاةً سَمِينَةً فِي نَفْسِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الْكَرِيمَ لَا يُضَامُ عِنْدَ رَبِّ الْكَرَمِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وإِنَّ سِجِلَّ التَّارِيخِ مَلِيءٌ بِقَصَصِ الْبَاذِلِينَ، الَّذِينَ غَلَبَ كَرَمُهُمْ شُحَّ نُفُوسِهِمْ؛ فروي أن جعفر بن سليمان قال سمعت حبيبًا يقول: أتانا سائل وقد عجنت عَمْرة (يعني زوجته كان اسمها عمرة)، وذهبت تجيئ بنار تخبزه، فقلتُ للسائل: خذ العجين، فاحتمله ، فجاءت عَمرة فقالت: أين العجين ؟!، فقلت: ذهبوا ليخبزونه، فلما أكثرتْ عليَّ، أخبرتُها (يعني بحقيقة الأمر، وأنه تصدق به، واعطاه للسائل)، فقالت: سبحان الله!، لا بُدّ لنا من شيء نأكله، قال: فإذا رجلٌ قد جاء بجفنة عظيمة (يعني قصعة كبيرة)، مملوءة خبزًا ولحمًا، فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك !!، قد خبزوه وجعلوا معه لحمًا !!)،
فَقِصَّةُ هذا (الرَّجُلِ الصَّالِحِ) أنه جَاءَهُ السَّائِلُ وَقَدْ عَجَنَ أَهْلُ بَيْتِهِ دَقِيقًا لَهُمْ وَلَمْ يَمْلِكُوا غَيْرَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الْمِسْكِينِ، حَمَلَ الْعَجِينَ كُلَّهُ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ إِيثَارًا لِوَجْهِ اللهِ، فَمَا مَضَتْ سَاعَاتٌ حَتَّى طَرَقَ بَابَهُ مَنْ يَحْمِلُ لَهُ رِزْقًا وَفِيرًا وَطَعَامًا كَثِيرًا جَزَاءً وِفَاقًا. نعم (الْكَرِيمُ لَا يُضَامُ)
وَأيضا مِنْ أَعْجَبِ مَا رُوِيَ فِي البَذْلِ حَتَّى لغَيْرِ الْآدَمِيِّينَ: (قِصَّةُ ذَلِكَ الْغُلَامِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِي حَائِطٍ (بُسْتَانٍ) وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ، هِيَ قُوتُ يَوْمِهِ، فَمَرَّ بِهِ كَلْبٌ جَائِعٌ لَهْفَانُ، فَطَرَحَ إِلَيْهِ الرَّغِيفَ الْأَوَّلَ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ الثَّانِيَ، ثُمَّ الثَّالِثَ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، فَرَآهُ أَحَدُ الصَّالِحِينَ (وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ) فَأَعْجَبَهُ نُبْلُهُ وَسَأَلَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ فِيهَا كِلَابٌ ؟، فَقَالَ الْغُلَامُ: جَاءَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ جَائِعًا، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ). فَاشْتَرَى الرَّجُلُ الْبُسْتَانَ كُلَّهُ، وَالْغُلَامَ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْغُلَامَ، وَوَهَبَهُ الْبُسْتَانَ، جَزَاءً لِكَرَمِهِ النَّادِرِ. نعم (الْكَرِيمُ لَا يُضَامُ)،
ومن جميل ما قيل في الدعاء:
قصدتك يا إله العرش أدعو …. ومن قصد الكريم فلا يضام
لئن نامت عيون الناس عني …. فعينك عن عبادك لا تنام
وليس سواك للمضطر عون…. إذا نزلت به الكرب العظام
وقفت بباب رحمتك ابتهالاً …. وفاض الدمع وانقطع الكلام
علمت بأنك الغفار ربي …. ومن نعماك ينغمر الغمام
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الْكَرِيمُ لَا يُضَامُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ النُّفُوسَ الْكَرِيمَةَ تَظَلُّ عَزِيزَةً، مَهْمَا أَدْرَكَتْهَا الْفَاقَةُ؛ وَيُذْكَرُ فِي أَخْبَارِ الْأَدَبِ: أَنَّ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ اسْتَدْعَى شُعَرَاءَ مِصْرَ لِيُكْرِمَهُمْ، فَصَادَفَهُمْ فِي الطَّرِيقِ شَاعِرٌ فَقِيرٌ بِوَعْيٍ صَادِقٍ، وَبِيَدِهِ جَرَّةٌ فَارِغَةٌ، كَانَ قَاصِدًا بِهَا النَّهْرَ لِيَمْلَأَهَا، فَتَبِعَهُمْ إِلَى مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ. فَلَمَّا رَآهُ الْخَلِيفَةُ بَيْنَهُمْ بِثِيَابِهِ الرَّثَّةِ وَجَرَّتِهِ، قَالَ لَهُ مُخْتَبِرًا: مَنْ أَنْتَ؟، وَمَا هَذِهِ الْجَرَّةُ؟، فَأَنْشَدَ الشَّاعِرُ بِعِزَّةِ نَفْسٍ: تَرَكْتُ الْقَصْدَ لِلْـمَاءِ … وَجِئْتُ لِـبَحْرِكَ السَّامِي
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ سَارُوا … إِلَى جُودِكَ بِالْأَزْحَامِ
فَأُعْجِبَ الْخَلِيفَةُ بِبَلَاغَتِهِ وَأَمَرَ أَنْ تُمْلَأَ جَرَّتُهُ ذَهَبًا!، فَلَمَّا خَرَجَ الشَّاعِرُ إِلَى الْبَابِ، رَأَى الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، فَلَمْ تَشُحَّ نَفْسُهُ بِالْمَالِ الْجَدِيدِ، بَلْ سَكَبَ الذَّهَبَ وَوَزَّعَهُ عَلَيْهِمْ كُلَّهُ!، فَبَلَغَ الْخَلِيفَةَ فِعْلُهُ، فَاسْتَدْعَاهُ وَقَالَ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟، فَقَالَ الشَّاعِرُ بِكَلِمَاتٍ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ: “يَجُودُ عَلَيْنَا الْخَيِّرُونَ بِمَالِهِمْ… وَنَحْنُ بِمَالِ الْخَيِّرِينَ نَجُودُ”.
فَأَمَرَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بِعَشْرِ جِرَارٍ مِنَ الذَّهَبِ؛ فَالْكَرِيمُ مَحْفُوظٌ بِكَرَمِهِ، وَلَا يُضَامُ أَبَدًا عِنْدَ الْخَلْقِ، فَكَيْفَ يُضَامُ عِنْدَ الْخَالِقِ؟!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ سُبُلَ الْعِلَاجِ لِقَحْطِ الْقُلُوبِ، وشدة بخلها فِي هَذَا الزَّمَانِ، تَبْدَأُ أَوَّلًا بِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِنْ شُحِّهَا، بِأَدَاءِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْمَفْرُوضَةِ، كَامِلَةً غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ؛ فَإِنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ جَلَبَةٌ لِلْقَحْطِ، وَمَحْقِ الْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَكُونُ بِتَعْوِيدِ الْيَدِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ الْعُظْمَى لِلْكَرَمِ هِيَ: وِقَايَةُ النَّفْسِ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ، وَنَيْلُ مَحَبَّةِ اللهِ وَالْخَلْقِ، وَرَاحَةُ الضَّمِيرِ الَّتِي لَا تُشْتَرَى بِالْمَالِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، وَثِقُوا بِوَعْدِ رَبِّكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا تُقَدِّمُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (20) المزمل.
الدُّعَاءُ
