خطبة حول حديث ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ )
أغسطس 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عِزَّةُ المُؤْمِنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (51)، (52) التوبة.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذه الآيات من كتاب الله العزيز، فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ قبل الأبدان، لِنَعِيشَ فِي رِحَابِ آيَتَيْنِ كَانَتَا، وَلَا تَزَالَان، سَوْطًا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَبَلْسَمًا عَلَى صُدُورِ المُؤْمِنِينَ المُكْرُوبِينَ.
فهَلْ سَاءَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: لِمَاذَا نَضْطَرِبُ عِنْدَ أَقَلِّ أَزْمَةٍ؟، ولِمَاذَا تَطِيرُ أَفْئِدَتُنَا شَعَاعًا حِينَمَا تَتَهَدَّدُ الأَرْزَاقُ، أَوْ تَتَكَالَبُ المَكَايدُ، أَوْ يُلَوِّحُ الخَوْفُ فِي الأُفُقِ؟! ولِمَاذَا يَتَسَرَّبُ الهَلَعُ إِلَى الدِّمَاءِ، وَكَأَنَّنَا مَتْرُوكُونَ فِي هَذَا الكَوْنِ لِلصُّدْفَةِ أَوْ لِأَهْوَاءِ الـبَشَرِ؟،
وللجواب على هذه التساؤلات: افْتَحُوا مَصَاحِفَ الـقُلُوبِ عَلَى سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَاسْمَعُوا نِدَاءَ الجَبَّارِ، الَّذِي يَنْزِلُ كَالـصَّاعِقَةِ عَلَى القَلَقِ، فَيَدْحَرُهُ فِي لَحْظَةٍ:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُم أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾. فإِنَّ يَقِينَ العَبْدِ المؤمن بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، هُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَى أَعْتَابِهِ عُوِاصِفُ الخَوْفِ، وَتَتَبَدَّدُ أَمَامَهُ مَكَايِدُ الأَعْدَاءِ وَالمُنَافِقِينَ
اللهُ أَكْبَرُ!، فأَيُّ زِلْزَالٍ هَذَا الَّذِي يَهُزُّ عُرُوشَ الخَوْفِ فِي نُفُوسِنَا؟، فتَأَمَّلُوا-رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَقْلِبَ الـمَوَازِينَ كُلَّهَا، فلَمْ يَقُلِ الرَّحْمَنُ: “مَا كَتَبَ اللهُ عَلَيْنَا“، بَلْ قَالَ الـكَرِيمُ: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾!
فيَا لَلْعَجَبِ!، فكُلُّ مَا يَمُرُّ بِكَ يَا ابْنَ آدَمَ: مِنْ شِدَّةٍ أَوْ رَخَاءٍ، ومِنْ ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ، ومِنْ نَصْرٍ أَوْ ابْتِلَاءٍ، هُوَ ﴿لَكَ﴾؛ لِيَرْفَعَ دَرَجَتَكَ، لِيُطَهِّرَ ذَنْبَكَ، لِيَشُدَّ عَودَكَ، لِيُرِيكَ أَنَّ المَخْلُوقِينَ صِفْرٌ عَلَى شِمَالِ المَقَادِيرِ، وفي صحيح مسلم: (عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ
شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
وفي صحيح ابن حبان وحسنه الألباني: (عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنَّ الرجلَ ليكون له المنزلةُ عند اللهِ فما يبلغُها بعملٍ، فلا يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يبلغَه إياها)
وتدبروا هذه الكَلِمَةُ الَّتِي خَضَعَتْ لَهَا الرِّقَابُ: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾، فالله تعالى هو مولى المؤمنين، ففي أعقاب غزوة أحد، كما في صحيح البخاري: (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أُعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَجِيبُوهُ». قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ». قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَجِيبُوهُ». قَالُوا مَا نَقُولُ قَالَ «قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ»
(هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (51) التوبة ، ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾: هُوَ نَاصِرُنَا، وَحَافِظُنَا، وَمُتَوَلِّي أُمُورِنَا، الَّذِي لاَ يَتَخَلَّى عَنَّنَا إِذَا تَخَلَّى عَنَّا العَالَمُونَ.
فمَنْ مَوْلَاكَ يَا مَنْ تَخَافُ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟، ومَنْ مَوْلَاكِ يَا أُمَّتِي يَوْمَ تَتَكَالَبُ الأُمَمُ؟، إِنَّهُ اللهُ! القَادِرُ الـقَاهِرُ، الرَّحِيمُ القَرِيبُ، الَّذِي إِذَا كَانَ مَعَكَ فَمَنْ عَلَيْكَ؟!، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَمَنْ مَعَكَ؟!،
فَكَيْفَ يَرْجُفُ فُؤَادٌ يَعْلَمُ أَنَّ زِمَامَ هَذَا الكَوْنِ بِيَدِ مَوْلَاهُ؟، وَكَيْفَ يَذِلُّ رَأْسٌ يُدْرِكُ أَنَّ الأَقْلَامَ جَفَّتْ، وَالصُّحُفَ طُوِيَتْ، وَلَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِ اللهِ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ؟!، ففي سنن أبي داود: (قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لاِبْنِهِ يَا بُنَىَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»،
وفي سنن الترمذي: قال صلى الله عليه وسلم:( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
وفي صحيح مسلم: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ قَالَ «لاَ. بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ». قَالَ فَفِيمَ الْعَمَلُ قَالَ زُهَيْرٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَسَأَلْتُ مَا قَالَ فَقَالَ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ».
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَامْلَؤُوا قُلُوبَكُمْ بِهَذَا الـيَقِينِ الَّذِي يَدْحَرُ الخَوْفَ وَيَصْنَعُ المُعْجِزَاتِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (عِزَّةُ المُؤْمِنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ وَهُوَ يَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الشَّجَاعَةِ، وَيَسْكُبُ الشُّمُوَخَ فِي أَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ أَمَامَ مَكْرِ الأَعْدَاءِ وَتَرَبُّصِ الـمُتَرَبِّصِينَ!، فحِينَ يَقِفُ العَالَمُ يَنْتَظِرُ سُقُوطَكَ، وَحِينَ يَتَرَبَّصُ بِكَ الأَعْدَاءُ وَالمُنَافِقُونَ فِي صِحَّتِكَ، أَوْ رِزْقِكَ، أَوْ دِينِكَ، أَوْ أُمَّتِكَ؛ يَأْتِي الرَّدُّ القُرْآنِيُّ الَّذِي يَعْلُوهُ الكِبْرِيَاءُ الإِيمَانِيُّ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾؟،
يَا لَهَا مِنْ ثَوْرَةٍ إِيمَانِيَّةٍ فِي مَفْهُومِ الفَوْزِ وَالخَسَارَةِ!، فيَقُولُ المُؤْمِنُ لِأَعْدَائِهِ بِكُلِّ صَلَابَةٍ: أَيَّ شَيْءٍ تَنْتَظِرُونَ بِنَا؟!، إِنْ قَتَلْتُمُونَا، أَوْ صَرَعْتُمُونَا، فَقَدْ كَسَبْنَا الـشَّهَادَةَ، وَعَبَرْنَا إِلَى الجَنَّةِ وَالـرِّضْوَانِ!، وَإِنْ بَقِينَا وَانْتَصَرْنَا، فَقَدْ نِلْنَا العِزَّةَ فِي الدُّنْيَا، وَأَظْهَرْنَا دِينَ اللهِ في الأرض، فَأَيْنَ هِيَ الخَسَارَةُ إِذَنْ؟، فإِنَّنَا رَابِحُونَ فِي المَشْهَدَيْنِ، فَاكِهُونَ فِي الحَالَيْنِ، فَأَنَّى لِلْبَاطِلِ أَنْ يَكْسِرَ أُمَّةً تَرَى فِي مَوْتِهَا شَهَادَةً، وَفِي حَيَاتِهَا نَصْرًا وَسَعَادَةً؟.
ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ يَنْقَلِبُ السِّجَالُ، فَيَتَحَوَّلُ المُعْتَدِي المَغْرُورُ إِلَى طَرِيدٍ مَذْعُورٍ، حِينَ يَقُولُ لَهُ القُرْآنُ: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾، فيَا للهِ!، فمَنْ المَخُوفُ الآنَ؟!، وَمَنْ الـمُتَرَبِّصُ الحَقِيقِيُّ؟، إِنَّهُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، الَّذِي يَنْتَظِرُ الظَّالِمِينَ بِعَذَابٍ يَسْتَأْصِلُهُمْ مِنْ فَوَقِهِمْ، أَوْ بِأَيْدِي وجهاد عِبَادِهِ الـمُؤْمِنِينَ الثَّابِتِينَ
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ونَقِف أَمَامَ الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا الأُمَّةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ لِتَوَاجُهَ بِهَا التَّحَدِّيَاتِ وَالأَزَمَاتِ من خلال هَذِهِ الـمَشَكَاةَ الـقُرْآنِيَّةَ الجَلِيلَةَ:
فالدَّرْسُ الأَوَّلُ: سُقُوطُ الـمَكْرِ أَمَامَ طُمَأْنِينَةِ الـيَقِينِ: فقد كَانَ الـمُنَافِقُونَ فِي عَهْدِ الـرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَفْرَحُونَ إِذَا أَصَابَتِ الـمُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ أَوْ شِدَّةٌ، وَيَتَوَلَّوْنَ وَهُمْ فَرِحُونَ، فَجَاءَ الرَّدُّ الإِلَهِيُّ كَالـصَّاعِقَةِ: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فإِنَّ هَذَا يَبْثُّ فِي نَفْسِ الـمُسْلِمِ رَاحَةً لاَ تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ؛ فَأَنْتَ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الأَرْضِ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، صَارَتْ كُلُّ مُؤَامَرَاتِهِمْ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَامْتَلَأَ قَلْبُكَ سَكِينَةً وَشَجَاعَةً.
الدَّرْسُ الثَّانِي: العَقْلِيَّةُ الَّتِي لاَ تُهْزَمُ ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: هَذِهِ هِيَ الـمُعَادَلَةُ الَّتِي حَارَ فِيهَا
أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ، فحِينَ يَقِفُ الـمُؤْمِنُ وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: إِنْ قَتَلْتُمُونَا فَقَدْ أَوْصَلْتُمُونَا إِلَى الـجَنَّةِ وَالـشَّهَادَةِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونَا قَهَرْنَاكُمْ بِالـدَّعْوَةِ وَالـنَّصْرِ، فَكَيْفَ يُهْزَمُ مَنْ يَرَى فِي كِلْتَا النَّتِيجَتَيْنِ كَرَمًا، وَعِزًّا، وَفَوْزًا العَظِيمًا؟.
الدَّرْسُ الثَّالِثُ: السِّجَالُ الحَقِيقِيُّ وَتَرَبُّصُ الـحَقِّ بِالـبَاطِلِ: فحِينَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾، فُهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ البَاطِلَ مُنْتَهٍ لاَ مَحَالَةَ، إِمَّا بِعَذَابٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ بِالـقَهْرِ فِي المَيْدَانِ، أَمَّا الحَقُّ فُهُوَ الثَّابِتُ المُسْتَمِرُّ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَيَا مَنْ كَبَّلَتْهُ الهُمُومُ، وَيَا مَنْ خَافَ المُسْتَقْبَلَ، وَيَا مَنْ أَرْهَقَهُ تَرَبُّصُ الحَاسِدِينَ وَالأَعْدَاءِ: اقْذِفْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِكَ اليَوْمَ، وانْفُضْ عَنْ كَاهِلِكَ غُبَارَ الـخَوْفِ، وَارْفَعْ رَأْسَكَ بِإِيمَانِكَ، وَقُلْ لِلدُّنْيَا كُلِّهَا: «لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا»!
فاشعروا بعزتكم مِنْ هَذِهِ اللّحْظَةِ، وَامْشُوا فِي الأَرْضِ مَشْيَةَ الوَاثِقِينَ بِرَبِّهِمْ، المُمِتَلِئِينَ بِعِزَّةِ إِيمَانِهِمْ، فَلَا غَالِبَ لِلَّهِ، وَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، واذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
