خطبة عن (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَشُرُوطُ الغُفْرَانِ)
أكتوبر 31, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «تَوْقِيرُ المَقَامِ وَأَدَبُ الأَنَامِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (2) (3) الحجرات.
وروى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالَ مَنْ أَنْتُمَا – أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا، قَالاَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -).
إخوة الإسلام
إِنَّ الدِّينَ الإِسْلَامِيَّ العَظِيمَ لَمْ يَأْتِ فَقَطْ بِتَصْحِيحِ العقَائِدِ، وَإِقَامَةِ الشَعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ جَاءَ لِيَبْنِيَ فِي أَعْمَاقِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ صَرْحًا مُشِيدًا مِنَ الأَدَبِ الرفِيعِ، وَالهَيْبَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالتَّعْظِيمِ المُمَكَّنِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، وَحُرُمَاتِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَإِنَّ أُولَى الدَّرَجَاتِ فِي سُلَّمِ العُبُودِيَّةِ الصَّادِقَةِ: هِيَ أَنْ يَتَأَدَّبَ العَبْدُ مَعَ خَالِقِهِ، وَمَعَ نَبِيِّهِ، فَإِنَّ سُوءَ الأَدَبِ مَعَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ، يَهْدِمُ الحَسَنَاتِ، وَيُعَفِّي عَلَى الطَّاعَاتِ، وَيَجْعَلُ أَعْمَالَ المَرْءِ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَهُوَ لا يَشْعُرُ بِالرَّزِيَّةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِ.
فتَأَمَّلُوا جَوْهَرَ هَذَا التَّأْدِيبِ الإِلَهِيِّ الصَّارِمِ، الَّذِي تَنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ، فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ؛ ذَلِكُمُ التَّنْزِيلُ الَّذِي سُمِّيَ بِسُورَةِ الأَدَبِ وَالأَخْلاَقِ.
فحِينَمَا انْطَلَقَتْ أَصْوَاتُ بَعْضِ البَشَرِ، فِي مسجد النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَارْتَفَعَتِ النَّبَرَاتُ عَفْوِيًّا أَوْ خِلاَفًا فِي المَجْلِسِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، نَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِزَجْرٍ بَلِيغٍ، يَهْتَزُّ لَهُ وِجْدَانُ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَخْشَى اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ، زَجْرٌ يُحَذِّرُ مِنَ الجَهْرِ بِالقَوْلِ، وَيَنْهَى عَنْ مُسَاوَاةِ صَوْتِ المَخْلُوقِ بِصَوْتِ المَعْصُومِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) الحجرات: (2).
وتَفَكَّرُوا فِي هَذَا التَّحْليلِ السُّلُوكِيِّ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَقَامَاتِ العَالِيَةِ؛ فَالإِنْسَانُ فِي طَبْعِهِ قَدْ يَعْتَادُ المُمَازَحَةَ وَالمُلاَطَفَةَ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي مُحَاوَرَاتِهِ مَعَ أَقْرَانِهِ وَأَتْرَابِهِ، بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ وَالعَادَةِ، فَإِذَا أُقْحِمَ هَذَا السُّلُوكُ البَشَرِيُّ المُعْتَادُ فِي مقام الجَلاَلِ النَّبَوِيِّ، أَوْ فِي مَسَاجِدِهِ، وَشَرِيعَتِهِ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى غَفْلَةٍ القَلْبِ عَنْ اسْتِحْضَارِ هَيْبَةِ النُّبُوَّةِ، لِذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ القُرْآنِيُّ حَاسِمًا: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:2].
وَتَأَمَّلُوا الخَطَرَ العَظِيمَ الَّذِي رَتَّبَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا السُّلُوكِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:2].
فيَا لَهَا مِنْ كَارِثَةٍ، يَقْشَعِرُّ لَهَا المُؤْمِنُ، أَنْ يَحْبَطَ جِهَادُ العَبْدِ، وَتُبْطَلَ صَلاَتُهُ، وَتُتْلَفَ صَدَقَاتُهُ، وَتُمْحَى حَسَنَاتُهُ كُلُّهَا، بِسَبَبِ زَلَّةِ لِسَانٍ، أَوْ رَفْعَةِ صَوْتٍ، خَالَفَتِ الأَدَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَالعَبْدُ غَافِلٌ، لا يَشْعُرُ بِأَنَّ دِيوَانَهُ قَدْ خَلا مِنَ الحَسَنَاتِ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَهِيبَةُ، اهْتَزَّتْ نُفُوسُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) هَزًّا شَدِيدًا، وَتَغَيَّرَتْ سُلُوكِيَّاتُهُمْ فَوْرًا؛
فكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) لا يُكَلِّمُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَعْدَهَا إِلاَّ كَأَخِي الإِثَارِ -أَيْ كَالمُنَاجِي سِرًّا-،
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يُحَدِّثُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَلا يَسْمَعُهُ، حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، مِنَ الخَفْضِ وَالسُّكُونِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى المِعْيَارَ الحَقِيقِيَّ لِلتَّقْوَى، وَالكَّشْفَ الإِلَهِيَّ لِجَوْهَرِ القُلُوبِ؛ فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:3].
فَالَّذِي يَخْفِضُ صَوْتَهُ، وَيَتَأَدَّبُ فِي مجلس النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أَوْ فِي مقام حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ وَمَسْجِدِهِ، هُوَ الَّذِي امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ، وَأَخْلَصَهُ، وَطَهَّرَهُ لِلتَّقْوَى، فَمَنَحَهُ المَغْفِرَةَ الشَّامِلَةَ وَالأَجْرَ العَظِيمَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ هَذَا التَّأْدِيبَ الإِلَهِيَّ، لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِحَيَاةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الجَسَدِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ شَرِيعَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَحُرْمَةٌ ثَابِتَةٌ لِنَبِيِّنَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَيًّا وَمَيِّتًا!. فَحُرْمَةُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَتَعْظِيمُ مَسْجِدِهِ، وَحَدِيثِهِ، وَسُنَّتِهِ، كَحُرْمَتِهِ فِي حَيَاتِهِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ!.
فتَأَمَّلُوا هَذَا المَشْهَدَ العَظِيمَ، لِتَرَوْا كَيْفَ فَهِمَ الصَّحَابَةُ وَالخُلَفَاءُ هَذَا الأَدَبَ القُرْآنِيَّ، وَتَطْبِيقَهُ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ،
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ -أَوْ مِنْ أَيْنَيْنِ أَنْتُمَا؟- قَالاَ: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!».
فانْظُرُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- إِلَى هَذَا المَوْقِفِ الفَارُوقِيِّ المَهِيبِ!، يَقِفُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَيَسْمَعُ رَجُلَيْنِ يَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا بِالكَلاَمِ، فَلَمْ يَصْرُخْ عَلَيْهِمَا، أَوْ يُنَادِهِمَا صِيَاحًا، بَلْ حَصَبَهُمَا بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ لِيَلْتَفِتَا، ثُمَّ دَعَاهُمَا لِيَسْتَثْبِتَ مِنْ حَالِهِمَا!، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمَا أَعْرَابِيَّانِ غَرِيبَانِ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، لا يَعْلَمَانِ حُرْمَةَ المَكَانِ، وَعَظَمَةَ الأَدَبِ النَّبَوِيِّ ، عَذَرَهُمَا بِالجَهْلِ، وَلَكِنَّهُ زَجَرَهُمَا بِقَوْلَتِهِ الشَّدِيدَةِ: «لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا»! أَيْ لأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا وَتَأْدِيبًا؛ كَيْفَ تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
إِنَّ هَذِهِ الشِدَّةَ الفَارُوقِيَّةَ، لَمْ تَكُنْ قَسْوَةً نَفْسِيَّةً، بَلْ كَانَتْ غَيْرَةً إِيمَانِيَّةً جَارِفَةً، عَلَى حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَحُرْمَةِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَعَمَلاً بِهَدْيِ هَذِهِ الآيَاتِ، الآمِرَةِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ، وَالتَّأَدُّبِ مع النَّبِيِّ، وَفِي مَسْجِدِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «تَوْقِيرُ المَقَامِ وَأَدَبُ الأَنَامِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الأَدَبَ العَظِيمَ، الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَطَبَّقَهُ الصَّحَابَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) فِي سُلُوكِهِمْ، لَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدَ ظَاهِرٍ حَرَّكِيٍّ، لِخَفْضِ نَبَرَةِ الصَّوْتِ حِينًا، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى عِمَارَةِ القَلْبِ بِالتَّعْظِيمِ، وَتَوْقِيرِ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ.
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ “رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ” فِي زَمَانِنَا هَذَا:
أَنْ يَقْدُمَ المَرْءُ عَلَى مُعَارَضَةِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ، بِآَرَائِهِ القَاصِرَةِ، أَوْ أَهْوَائِهِ الضَّيِّقَةِ، أَوْ عُقُولِهِ المُنْحَرِفَةِ، فحِينَمَا يُقَالُ لِلْمُسْلِمِ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَذَا”، فَيَرُدُّ الأَمْرَ قَائِلاً: “وَلَكِنَّ العَصْرَ لا يَتَّسِعُ لِهَذَا”، أَوْ “عَقْلِي لا يَقْبَلُ هَذَا”، أَوْ “ذَوْقِي لا يَرْتَضِي هَذَا”!،
فإِنَّ هَذَا الرَّدَّ المَقْبُوحَ هُوَ أَعْظَمُ جَهْرٍ، وَأَشَدُّ رَفْعٍ لِلصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
وإِنَّ المَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ لِلرَّسُولِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تَتَجَسَّدُ فِي كَمَالِ الاسْتِسْلاَمِ، وَتَمَامِ الانْقِيَادِ، وَخَفْضِ الجَنَاحِ لِسُنَّتِهِ، وَتَوْقِيرِ مَسَاجِدِهِ؛ فَلا يُرْفَعُ الصَّوْتُ فِي مَسْجِدِهِ، وَلا يُلْغَطُ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَلا يُصَارَخُ حِينَمَا تُتْلَى أَحَادِيثُهُ الشَّرِيفَةُ عَلَى الرُّؤُوسِ.
كَانَ أئِمَّةُ الهُدَى -كَالإِمَامِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ- إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَدِّثُوا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اغْتَسَلُوا، وَتَطَيَّبُوا، وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ، وَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُمْ؛ هَيْبَةً وَإِجْلاَلاً لِكَلَامِ المَعْصُومِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، حَقِّقُوا هَذَا الأَدَبَ القُرْآنِيَّ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ، وَجَوَارِحِكُمْ؛ وَعَظِّمُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَاخْفِضُوا الأَصْوَاتَ فِيهَا، وَلاَ تَجْعَلُوهَا أَسْوَاقًا لِلْخُصُومَاتِ، وَاللَّغَطِ، وَالدُّنْيَا، وَأَجِلُّوا سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَقَدِّمُوا قَوْلَهُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، لِتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، فَتَفُوزُوا بِالمَغْفِرَةِ وَالأَجْرِ العَظِيمِ.
الدُّعَاء
