خطبة عن (التَّفْسِيرِ الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ العَلَقِ)
نوفمبر 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «يُسْرُ الشَّرِيعَةِ فِي أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في صحيح البخاري: (عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ).
وفيه أيضا: (عَنْ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:6).
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ بِالدِّينِ الحَنِيفِ السَّمْحِ، الَّذِي لاَ حَرَجَ فِيهِ وَلاَ عُسْرَ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ المطهرَةَ قَائِمَةً عَلَى اليُسْرِ وَالتَّيْسِيرِ، وَرَفْعِ المَشَقَّةِ عَنِ المَكَلَّفِينَ، فِي سَائِرِ العِبَادَاتِ وَالأَحْوَالِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَظَاهِرِ الدَّالَّةِ عَلَى سَمَاحَةِ هَذَا الدِّينِ، وَكَمَالِ الرِّعَايَةِ النَّبَوِيَّةِ لِلأُمَّةِ، تِلْكَ المَوَاقِفَ التَّعْلِيمِيَّةَ الخَالِدَةَ، الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الكِرَامِ، فِي المَشَاقِّ وَالأَسْفَارِ؛ حَيْثُ كَانَ ﷺ يُعَلِّمُ الجَاهِلَ، وَيُرْشِدُ المُجْتَهِدَ، وَيَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ بِنَفْسِهِ الشَّفِيقَةِ، لِيَرْسُمَ لِلأُمَّةِ مَعَالِمَ الشَّرِيعَةِ اليَسِرَةِ، وَيُؤَسِّسَ فِي المَجْتَمَعِ رُوحَ التَّفَقُّهِ، وَالتَّلاحُمِ وَالأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ– من الحديثين المتقدمين- يَرْوِي الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَوْقِفاً حَدَثَ لَهُ فِي سَفَرِهِ؛ حَيْثُ أَجْنَبَ وَلَمْ يَجِدِ المَاءَ لِلْغُسْلِ، فَاجْتَهَدَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَقَاسَ الطَّهَارَةَ التُّرَابِيَّةَ عَلَى الطَّهَارَةِ المَائِيَّةِ، فَظَنَّ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنِ الجَنَابَةِ بِالتُّرَابِ تَتَطَلَّبُ تَعْمِيمَ الجَسَدِ كُلِّهِ كَالْمَاءِ، فَتَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ، كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، لِيُصِيبَ التُّرَابُ بَدَنَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ، لَمْ يُعَنِّفْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَمْ يُؤَنِّبْهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ، بَلْ عَّلَمَهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ عَنِ الحَدَثِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ يَكْفِيهِ مَسْحُ الوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى التُّرَابِ.
وَفِي الحَدِيثِ الثَّانِي: يَرْوِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَمَا صَلَّى بِالنَّاسِ، أَبْصَرَ رَجُلاً مُعْتَزِلاً عَنِ الجَمَاعَةِ، لَمْ يُصَلِّ مَعَهُمْ، فَلَمْ يهْمِلْ أَمْرَهُ، وَلَمْ يَتَجَاهَلْهُ، بَلْ دَنَا مِنْهُ، وَسَأَلَهُ بِكَلِمَاتٍ يَمْلَؤُهَا العَطْفُ وَالرِّعَايَةُ: «يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟»، فَاعْتَذَرَ الرَّجُلُ بِأَنَّهُ جُنُبٌ، وَلاَ مَاءَ عِنْدَهُ، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ المُمَهَّدَةِ، وَقَالَ لَهُ: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، لِيُعَلِّمَهُ، وَيُعَلِّمَ الأُمَّةَ كُلَّهَا، أَنَّ عَدَمَ وُجُودِ المَاءِ لاَ يُبْطِلُ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُسْقِطُهَا، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ التُّرَابَ الطَّاهِرَ بَدِيلاً كَافِياً، وَطَهُوراً مُنْجِياً.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ: «فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ الدَّلاَلَةُ الواضِحَةُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَالمُحْدِثِ سَوَاءٌ، وَهُوَ مَسْحُ الوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعْدَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ مَلُوماً إِذَا كَانَ قَصْدُهُ الحَقَّ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَفِيهِ حُسْنُ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِفْقُهُ بِأَصْحَابِهِ؛ إِذْ بَيَّنَ لَهُ العَمَلَ المَشْرُوعَ بِالفِعْلِ وَالقَوْلِ، وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ لِرَعِيَّتِهِ، وَالسُّؤَالُ عَنْ أَحْوَالِ المُمَاطِلِينَ أَوْ المُمْتَنِعِينَ عَنِ الجَمَاعَةِ لِكَشْفِ أَعْذَارِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ أَعْظَمُ البَيَانِ لِيُسْرِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ قَائِمٌ مَقَامَ المَاءِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّفَقُّدِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الصَّلاَةِ وَالسُّؤَالِ عَنْ أَسْبَابِ تَأخُّرِهِمْ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ النَّبَوِيَّيْنِ الشَّرِيفَيْنِ يَرْشُدَانِ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ شَرِيعَةَ الإِسْلاَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اليُسْرِ وَالسَّمَاحَةِ، وَأَنَّ الرُّخَصَ الشَّرْعِيَّةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَجِبُ قَبُولُهَا.
ثَانِياً: أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الحَدَثُ الأَصْغَرُ وَالْجَنَابَةُ.
ثَالِثاً: أَهَمِّيَّةُ الرِّفْقِ فِي التَّعْلِيمِ، وَتَقْدِيمِ الحُجَّةِ وَالنَّصِيحَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، دُونَ عُنْفٍ أَوْ تَجْرِيحٍ.
رَابِعاً: وُجُوبُ عَدَمِ القَطْعِ بِفَسَادِ عَمَلِ المُرْتَكِبِ لِلْخَطَأِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُذْرِهِ وَسَبَبِ صَنِيعِهِ.
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
وفي الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا».
وفيهما: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذاً إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا».
وفي الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى المَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ! أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ» (رواه أبو داود).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «يُسْرُ الشَّرِيعَةِ فِي أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:159).
فَتَدَبَّرُوا هَذِهِ المَعَانِيَ النَّبَوِيَّةَ العَالِيَةَ، وَأَثَرَهَا العَظِيمَ فِي سُلُوكِ الفَرْدِ، وَبِنَاءِ المَجْتَمَعِ الإِسْلاَمِيِّ؛ فَإِنَّ الاِقْتِدَاءَ بِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي سُؤَالِهِ عَنْ أَحْوَالِ أَصْحَابِهِ، وقَوْلُهُ:
«يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟» فهذا يَغْرِسُ فِي الفَرْدِ الشُّعُورَ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالاِهْتِمَامِ بِإِخْوَانِهِ، وَيَحْمِي المَجْتَمَعَ مِنَ التَّفَكُّكِ، وَالتَّقَاطُعِ، وَسُوءِ الظَّنِّ.
وإِنَّ هَذَا المَسْلَكَ النَّبَوِيَّ الكَرِيمَ، يُعَلِّمُ كُلَّ مَسْؤُولٍ، وَمُرَبٍّ، وَأَبٍ، وَمُعَلِّمٍ، أَنْ يَكُونَ قَرِيباً مِنْ أَبْنَائِهِ، وَرَعِيَّتِهِ، يَتَفَقَّدُ غَائِبَهُمْ، وَيَسْأَلُ عَنْ مَرِيضِهِمْ، وَيَقِفُ عَلَى أَسْبَابِ صَنِيعِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يُصْدِرَ الأَحْكَامَ عَلَيْهِمْ. كَمَا يُرَسِّخُ فِي المَجْتَمَعِ ثَقَافَةَ «التَّثَبُّتِ وَالتَّلَمُّسِ لِلأَعْذَارِ»؛ فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَتَأَخَّرُ عَنْ خَيْرٍ، أَوْ يَقَعُ فِي خَطَأٍ لَيْسَ رَغْبَةً فِي المَعْصِيَةِ، وَإِنَّمَا لِجَهْلٍ فِي الحُكْمِ، أَوْ لِعُذْرٍ قَاهِرٍ يَمْنَعُهُ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ يَسْأَلُهُ بِالُّطْفِ، وَيُعَلِّمُهُ بِالرَّحْمَةِ، انْشَرَحَ صَدْرُهُ لِلْحَقِّ، وَانْقَادَ لِلطَّاعَةِ.
وَإِنَّ تَطْبِيقَ يُمْنِ الشَّرِيعَةِ وَيُسْرِهَا فِي الفِقْهِ وَالسُّلُوكِ، يَجْعَلُ الدِّينَ حَبِيباً إِلَى القُلُوبِ، يَبْعَثُ فِي الأُمَّةِ الأَمَلَ وَالعَمَلَ، وَيُزِيلُ المَشَقَّةَ وَالعَنَتَ عَنْ المَكَلَّفِينَ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مِنْ الفِقْهِ أَنَّ عَلَى الإِمَامِ وَالفَاضِلِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَهْلَ المَجْلِسِ وَالصَّلاَةِ، وَأَنْ يَسْأَلَ عَنْ سَبَبِ تَخَلُّفِ المُمْتَنِعِ لِيُعْلِمَهُ إِنْ كَانَ جَاهِلاً، وَيُعْذِرَهُ إِنْ كَانَ مَعْذُوراً، وَفِيهِ أَنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي زَادِ المَعَادِ: «كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَفَقُّدُ أَصْحَابِهِ وَالسُّؤَالُ عَنْهُمْ، وَتَعْلِيمُهُمْ بِالْفِعْلِ وَالقَوْلِ، وَتَيْسِيرُ الأَمْرِ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمُ شِقَاقِهِمْ، وَكَانَ إِذَا رَأَى مِنْهُمْ صَنِيعاً يُخَالِفُ المَشْرُوعَ اسْتَفْسَرَ عَنْهُ قَبْلَ الإِنْكَارِ لِيُعْلِمَهُمُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي المَوْقِفِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها:
التَّفَقُّدُ وَالسُّؤَالُ عَنِ الإِخْوَةِ، وَاعْتِبَارُ ذَلِكَ أَمْراً أَسَاسِيّاً فِي سُلوكِ المُؤْمِنِ وَتَمَاسُكِ المَجْتَمَعِ.
ومنها: التَّثَبُّتُ وَالاِسْتِفْسَارُ قَبْلَ الإنْكَارِ، وَعَدَمُ العَجَلَةِ فِي إِصْدَارِ الأَحْكَامِ دُونَ مَعْرِفَةِ الأَسْبَابِ.
ومنها: تَطْبِيقُ يُسْرِ الشَّرِيعَةِ، وَالأَخْذُ بِالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ.
ومنها: الرِّفْقُ فِي التَّعْلِيمِ وَالدَّعْوَةِ، وَسَلُوكُ المَسْلَكِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يُقَرِّبُ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة، (فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري).
(وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (رواه الترمذي).
(وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (رواه البخاري).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاخْتَطُّوا لأَنْفُسِكُمْ هَدْيَ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي اليُسْرِ وَالرِّفْقِ وَالتَّفَقُّدِ، وَتَعَلَّمُوا أَحْكَامَ دِينِكُمْ، وَاحْسِنُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ.
فاللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْنَا التَّأْوِيلَ، وَاهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ.
الدعاء
