خطبة عن «يُسْرُ الشَّرِيعَةِ فِي أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ»
نوفمبر 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (هل أنتَ عبدٌ للهِ؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:36]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:25]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92]. وَفي الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
إخوة الإسلام
إِنَّ الغَايَةَ العُظْمَى مِنَ الخَلْقِ، وَالحِكْمَةَ الأَسَاسِيَّةَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، هِيَ: إِقَامَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَالعُبُودِيَّةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: هِيَ الذُّلُّ، وَالِاسْتِكَانَةُ، وَالخُضُوعُ؛
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ المُطَهَّرِ؛ فَالعُبُودِيَّةُ هِيَ: كَمَالُ الحُبِّ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ، وَالخُضُوعِ لَهُ.
وَالعُبُودِيَّةُ: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ البَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ؛ فَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالحَجُّ، وَصِدْقُ الحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ، كُلُّهَا مِنَ العُبُودِيَّةِ الظَّاهِرَةِ.
كَمَا أَنَّ حُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَخَشْيَةَ اللهِ، وَالإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالإِخْلَاصَ لَهُ، وَالصَّبْرَ عَلَى حُكْمِهِ، وَالشُّكْرَ لِنِعَمِهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، كُلُّهَا مِنْ أَعْظَمِ العُبُودِيَّاتِ البَاطِنَةِ القَلْبِيَّةِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ العُبُودِيَّةَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ أَثنَيْنِ:
أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ: فَهُوَ العُبُودِيَّةُ العَامَّةُ (عُبُودِيَّةُ القَهْرِ وَالرُّبُوبِيَّةِ)؛ وَهَذِهِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الخَلْقِ، فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، المُؤْمِنَ مِنْهُمْ وَالكَافِرَ، البَرَّ وَالفَاجِرَ؛ فَكُلُّ جِرْمٍ، وَكُلُّ إِنْسٍ، وَجِنٍّ، مَقْهُورٌ بِقُدْرَةِ اللهِ، مُسَخَّرٌ بِمَشِيئَتِهِ، خَاضِعٌ لِتَدْبِيرِهِ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ:
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:93].
وَأَمَّا القِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ العُبُودِيَّةُ الخَاصَّةُ (عُبُودِيَّةُ الطَّاعَةِ)؛ وَهِيَ عُبُودِيَّةُ أَهْلِ الإِيمَانِ، وَالِاسْتِجَابَةِ لِرُسُلِ اللهِ؛ الَّذِينَ خَضَعُوا لِأَوَامِرِ اللهِ شَرْعًا وَاخْتِيَارًا، وَأَطَاعُوهُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، وَرَغْبَةً وَرَهْبَةً.
والله سبحانه وتعالى غني عن عبادة كل العابدين، ولا تضره معصية العاصين، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:46].
وَهَذِهِ العُبُودِيَّةُ الخَاصَّةُ (عُبُودِيَّةُ الطَّاعَةِ): هِيَ مَدارُ المَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَعَلَيْهَا تَتَرَتَّبُ المَثُوبَةُ وَالجَزَاءُ، وَبِهَا شَرَّفَ اللهُ أَنْبِيَاءَهُ، فَقَالَ عَنْ سَيِّدِ الخَلْقِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء :1].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذِهِ الحَقِيقَةَ تَقُودُنَا إِلَى أَصْلٍ جَلِيلٍ؛ وَهُوَ أَنَّه مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا لِلَّهِ، اخْتِيَارًا وَطَاعَةً، كَانَ وَلَا بُدَّ عَبْدًا لِسِوَاهُ.
فَالإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى التَّعَبُّدِ، وَالخُضُوعِ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّفْ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِلخَالِقِ، الأَحَدِ الصَّمَدِ، أَبْتُلِيَ بِالعُبُودِيَّةِ لِلمَخْلُوقَاتِ الضَّعِيفَةِ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ عَبْدٌ لِهَوَاهُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:23].
وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَبْدٌ لِلدَّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالمَتَاعِ؛ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَبْدٌ لِلشَّهَوَاتِ، أَوْ لِلصُّوَرِ، أَوْ لِلشَّيْطَانِ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا:
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:60].
فَشَتَّانَ شتان بَيْنَ عَبْدٍ حَرَّرَهُ التَّوْحِيدُ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَبَيْنَ عَبْدٍ أُسِرَتْهُ الشَّهَوَاتُ، وَتَقَاسَمَتْهُ الأَهْوَاءُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ لِلعُبُودِيَّةِ الصَّادِقَةِ لِلَّهِ مُقْتَضَيَاتٍ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهَا: أَوَّلُهَا: التَّسْلِيمُ الكِامِلُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلا حَاكِمِيَّةَ، وَلا طَاعَةَ مُطْلَقَةً، إِلَّا لِشَرْعِ اللهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65].
ثَانِيهَا: ومن مقتضيات العبودية لله: إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ؛ بِأَنْ يَبْتَغِيَ العَبْدُ بِكُلِّ طَاعَةٍ، وَعَمَلٍ، وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، بَعِيدًا عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ.
ثَالِثُهَا: ومن مقتضيات العبودية لله: المُتَابَعَةُ التَّامَّةُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَلا يُعْبَدُ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بِلَا إِحْدَاثٍ، أَوْ إِبْتِدَاعٍ.
رَابِعُهَا: ومن مقتضيات العبودية لله: إِفْرَادُ اللهِ بِالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ؛ فَلَا يَرْجُو العَبْدُ إِلَّا اللهَ، وَلَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ، وَلَا يَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ.
فَمَنْ كَمَّلَ هَذِهِ المُقْتَضَيَاتِ، فَقَدْ حَقَّقَ العُبُودِيَّةَ الحَقَّةَ، التِي كُتِبَتْ لِأَهْلِهَا السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والعبودية لله تعالى سبب لتحصيل التقوى، وجماع الخيرات والبركات، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:21].
والعبودية لله سبب كفاية الله لعبده، وتوليه لأموره، وحفظه لشؤونه، قال تعالى:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:36].
والعبودية لله سبب للحفظ من الشيطان وكيده، قال تعالى حكايةً عن إبليس:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:82،83].
والعبودية لله سببٌ للنصر على الأعداء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:171-173].
والعبودية لله سببٌ لانشراح الصدر، وزوال الهمِّ والغَمِّ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:97-99].
والعبودية لله هي الوسيلة العظمى لبناء الحضارة المُثلى، قال عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:55].
فاعرفوا للعبودية لله قدرها، ووفُّوا لها حقها، وأكثروا من دعاء الله بها، وسؤاله التوفيق والعون عليها.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (هل أنت عبد لله؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82]، وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلعُبُودِيَّةِ الصَّادِقَةِ لِلَّهِ ثَمَرَاتٍ عَظِيمَةً، وَآثَارًا جَلِيلَةً، يَعْجَلُ اللهُ بِهَا لِلعَبْدِ فِي دُنْيَاهُ قَبْلَ أُخْرَاهُ: فَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الثَّمَرَاتِ: الحُرِّيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ فَالعَبْدُ كُلَّمَا ازْدَادَ خُضُوعًا، وَذُلًّا لِلَّهِ، كُلَّمَا ازْدَادَ حُرِّيَّةً، وَعِزَّةً، عَنْ الخُضُوعِ لِلخَلْقِ، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهِ بَشَرٌ، وَلَا تَمْلِكُهُ شَهْوَةٌ، وَلَا يَسْتَبِدُّ بِهِ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ.
وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا: تَحْقِيقُ الأَمْنِ التَّامِّ، وَالهِدَايَةِ الكِامِلَةِ فِي الدَّارَيْنِ؛ إِذْ يَهْدِي اللهُ قَلْبَ العَبْدِ المُعَبَّدِ لِرَبِّهِ، وَيَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَيُرْزَقُهُ السَّكِينَةَ فِي الفِتَنِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:97].
وَمِنْهَا كَذَلِكَ: العِصْمَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَمَكَايِدِهِ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ أَهْلَ العُبُودِيَّةِ فِي حِرْزٍ مَنِيعٍ، لا يَسْتَطِيعُ إِبْلِيسُ الخُلُوصَ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:65].
وَمِنْ أَعْظَمِ الثَّمَرَاتِ أَيْضًا: نَيْلُ مَحَبَّةِ اللهِ، وَقُرْبِهِ وَوَلَايَتِهِ؛ فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
ثُمَّ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الكُبْرَى فِي الآخِرَةِ: الفَوْزَ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، وَالظَّفَرَ بِالرِّضْوَانِ الأَكْبَرِ، يَوْمَ يُنَادَى أَهْلُ العُبُودِيَّةِ: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:68].
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَحَقِّقُوا العُبُودِيَّةَ لِرَبِّكُمْ، فِي طَاعَتِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَاخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا عَبِيدًا لِلشَّهَوَاتِ، وَالدُّنْيَا؛ لِتَكُونُوا مِنْ عِبَادِهِ المُقَرَّبِينَ ،الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَفَازُوا بِكَرَامَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
الدعاء
