خطبة عن (عيد الفطر: (فَلْيَفْرَحُوا)
مارس 17, 2026خطبة عن (رَبَّانِيُّونَ لَا رَمَضَانِيُّونَ)
مارس 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (ثَبَاتُ المُؤْمِنِ بَعْدَ رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:112]. وَفي الحديث: (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» [صحيح مسلم].
إخوة الإسلام
لَقَدْ وَدَّعْنَا شَهْرًا كَرِيمًا، وَمَوْسِمًا عَظِيمًا، انْقَضَتْ أَيَّامُهُ، وَلَكِنْ لَمْ تَنْقَضِ تَبِعَاتُهُ وَمَسْؤُولِيَّاتُهُ، فإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ زَمَانٍ حَقًّا، وَإِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ شَوَّالٍ وَسَائِرِ الشُّهُورِ، فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ قَدْ مَضَى، فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ بَاقِيَةٌ، وَإِذَا كَانَ الصِّيَامُ الْمَفْرُوضُ قَدِ انْتَهَى، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ لَيْسَ لَهَا أَمَدٌ إِلَّا الْمَوْتُ، والْمُؤْمِنَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ “رَبَّانِيًّا”، يَعْبُدُ اللَّهَ فِي كُلِّ حِينٍ، لَا “رَمَضَانِيًّا”، يَعْرِفُ اللَّهَ فِي شَهْرٍ وَيَهْجُرُهُ فِي شُهُورٍ.
فيَا لَهَا مِنْ مَصَادَفَةٍ غَالِيَةٍ، وَيَا لَهَا مِنْ مِنْحَةٍ رَبَّانِيَّةٍ!، أَنْ يَجْتَمِعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا “عِيدَانِ” ؛ عِيدُ الفِطْرِ الَّذِي هُوَ جَائِزَةُ الصِّيَامِ، وَعِيدُ الجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الأَيَّامِ، لَقَدْ بَدَأْتُمْ يَوْمَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ، وَهَا أَنْتُمْ تَعُودُونَ لِبَيْتِ اللهِ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الجُمُعَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ “العِبَادَةَ” لَا تَعْرِفُ الِانْقِطَاعَ، وَأَنَّ “العَهْدَ” مَعَ اللهِ لَا يَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ غِيَابِ هِلَالٍ وَظُهُورِ آخَرَ.
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[الحجر:99]. لَقَدْ انْتَهَى شَهْرُ الصِّيَامِ، ولَكِنَّ الصَّلَاةَ بَاقِيَةٌ، وَالقُرْآنَ بَاقٍ، وَالصَّدَقَةَ بَاقِيَةٌ، وَالتَّقْوَى مَطْلُوبَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ.
وبَعْض النَّاسِ بِمُجَرَّدِ أَنْ يأتي العِيدُ، يهَجَرُون المَسَاجِدَ، وَيطَووْن المَصَاحِفَ، وَيعَودُون إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ غَفْلَةٍ وَتَقْصِيرٍ، وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ: “إِنَّ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ وَيَجْتَهِدُونَ فِي رَمَضَانَ فَإِذَا انْسَلَخَ رَمَضَانُ تَرَكُوا!”، فَقَالَ: “بِئْسَ القَوْمُ لَا يَعْرِفُونَ اللهَ إِلَّا فِي رَمَضَانَ”.
ومِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ قَبُولِ الطَّاعَةِ أَنْ تَرَى أَثَرَهَا بَعْدَ انْصِرَافِهَا؛ فَالَّذِي ذَاقَ حَلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَهْجُرَهُ بَعْدَهُ، وَالَّذِي عَمَرَ الْمَسَاجِدَ فِي التَّرَاوِيحِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَهْجُرَ الْفَرَائِضَ فِي الْجَمَاعَةِ، فإِنَّ الِاسْتِقَامَةَ بَعْدَ رَمَضَانَ هِيَ “الْبُرْهَانُ” عَلَى أَنَّ عِبَادَتَنَا كَانَتْ لِلَّهِ خَالِصَةً، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُسَايَرَةٍ لِلْعَادَاتِ أَوْ حَمَاسَةٍ مُؤَقَّتَةٍ، قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ أَجَلًا دُونَ الْمَوْتِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
كَيْفَ نَبْنِي قُصُورًا مِنَ الطَّاعَاتِ فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ نَهْدِمُهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِالْغَفْلَةِ وَالْمَعَاصِي؟ فإِنَّ رَبَّانِيَّةَ الْعُمُرِ تَعْنِي أَنَّ حَيَاتَكَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ، وَأَنَّ أَنْفَاسَكَ كُلَّهَا تَسْبِيحٌ، بِمَا تَقُومُ بِهِ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ، فَلْنُعَاهِدِ اللَّهَ أَنْ نَسْتَمِرَّ عَلَى مَا اعْتَدْنَا عَلَيْهِ مِنْ طَهَارَةِ اللِّسَانِ، وَسَلَامَةِ الْجَنَانِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَرْكَانِ، فَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنَ الِانْقِطَاعِ بَعْدَ الْكَثِيرِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [صحيح البخاري].
إِنَّ مِفْتَاحَ الثَّبَاتِ بَعْدَ رَمَضَانَ يَكْمُنُ فِي الِارْتِبَاطِ بِالسُّنَنِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لَنَا، لِتَكُونَ زَادًا لَنَا طَوَالَ الْعَامِ؛ وَعَلَى رَأْسِهَا صِيَامُ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ، فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ الِاتِّصَالَ بِخَالِقِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى “وِرْدٍ” يَوْمِيٍّ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَ قليلا، لِيَبْقَى الْقَلْبُ حَيًّا بِنُورِ الْوَحْيِ.
فاحْذَرُوا “نَاقِضَاتِ الْغَزْلِ”؛ وَهِيَ تِلْكَ الْفِتَنُ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَهْجُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ بَعْدَ رَمَضَانَ، مُسْتَغِلَّةً فَرْحَةَ الْعِيدِ لِتُحَوِّلَهَا إِلَى مَعْصِيَةٍ، لَقَدْ تَرَبَّيْنَا فِي مَدْرَسَةِ الصِّيَامِ عَلَى “الْمُرَاقَبَةِ”، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةُ مَعَنَا فِي بَيْعِنَا وَشِرَائِنَا، وَفِي خَلَوَاتِنَا وَجَلَوَاتِنَا، فَالْمُؤْمِنُ لَا يَعْرِفُ الْإِجَازَةَ مِنَ التَّقْوَى، وَلَا الرَّاحَةَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِي الْجَنَّةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (ثَبَاتُ المُؤْمِنِ بَعْدَ رَمَضَانَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ» [صحيح مسلم]
فكُونُوا رَبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ رَبَّ رَمَضَانَ هُوَ رَبُّ شَوَّالٍ، وَهُوَ رَبُّ العَامِ كُلِّهِ، فإِنَّ المُؤْمِنَ الحَقَّ لَا يَكُونُ مَوْسِمِيَّ الإِيمَانِ، وَلَا طِيفِيَّ العِبَادَةِ، إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ لِلهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ.
لَقَدْ تَعَلَّمْنَا فِي رَمَضَانَ كَيْفَ نَقُولُ لِشَهَوَاتِنَا “لَا” إِذَا كَانَتْ تُغْضِبُ اللهَ، وتَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَصْبِرُ
عَلَى الجُوعِ، فَلِمَاذَا لَا نَصْبِرُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟، وتَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَقُومُ اللَّيْلَ، فَلِمَاذَا نُضَيِّعُ صَلَاةَ الفَجْرِ بَعْدَ رَمَضَانَ؟، وتَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَجُودُ بِالمَالِ، فَلِمَاذَا نَمْسِكُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟.
إِنَّ الِاسْتِقَامَةَ هِيَ “كَرَامَةُ الدَّهْرِ”، وَمِنْ بَابِ الِاسْتِمْرَارِ فِي هَذَا المِضْمَارِ، نَدَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى صِيَامِ “السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ”، فَقَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». وَهَذَا فَتْحٌ جَدِيدٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَظَلَّ فِي مَعِيَّةِ الصَّائِمِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
اجْعَلُوا عِيدَكُمْ هَذَا عِيدَ “تَحَوُّلٍ”؛ فتَقَرَّبُوا فِيهِ إِلَى أَرْحَامِكُمْ، وَانْشُرُوا السَّلَامَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ العِبَادَةَ المَقْبُولَةَ هِيَ الَّتِي تُثْمِرُ خُلُقاً حَسَناً وَثَبَاتاً دَائِماً.
فلْنَسْأَلِ اللَّهَ الثَّبَاتَ حَتَّى الْمَمَاتِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَكْبَرَ كَرَامَةٍ يَمُنُّ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكَ بَعْدَ رَمَضَانَ هِيَ أَنْ يُدِيمَكَ عَلَى طَاعَتِهِ. جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8].
فاللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، ولَا تَجْعَلْ رَمَضَانَ آخِرَ العَهْدِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِكَ، وَلَا آخِرَ العَهْدِ بِكِتَابِكَ، وتَقَبَّلْ مِنَّا مِمَّا مَضَى، وَأَعِنَّا عَلَى مَا بَقِيَ، واجْعَلْ عِيدَنَا فَرَحاً بِطَاعَتِكَ، وَثَبَاتاً عَلَى مَرْضَاتِكَ، وانْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعِ الغُمَّةَ عَنِ الأُمَّةِ، وَاجْعَلْ أَيَّامَنَا كُلَّهَا أَعْيَاداً بِالقُرْبِ مِنْكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
