خطبة عن (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا)
يوليو 9, 2026الخطبة الأولى (لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام الترمذي في سننه: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَلٍ».
إخوة الإسلام
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الـعنكبوت:2-3].
فإِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ حِينَمَا تَعْتَنِقُ الْحَقَّ، وَتَسِيرُ فِي رِكَابِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، تَظُنُّ أَنَّ الطَّرِيقَ مَفْرُوشٌ لَهَا بِالرَّيَاحِينِ، وَأَنَّ النَّاسَ سَيَسْتَقْبِلُونَهَا بِالْقَبُولِ وَالْإِجْلَالِ.
وَلَكِنَّ قِرَاءَةَ التَّارِيخِ الرِّسَالِيِّ، تُثْبِتُ أَنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ هُوَ الْمِحَكُّ الْأَعْظَمُ، لِتَمْحِيصِ الضَّمَائِرِ، وَاخْتِبَارِ صِدْقِ السَّرَائِرِ.
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُتْرَكَ مُدَّعِي الْإِيمَانِ دُونَ فِتْنَةٍ تَكْشِفُ مَخْبَأَهُ، وَتُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّادِقِ الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَ زَلَازِلِ الْمِحَنِ، وَالْكَاذِبِ الَّذِي يَرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ عِنْدَ أَدْنَى مَشَقَّةٍ، فتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي مَا نَجَا مِنْهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا غَابَتْ عَنْ حَيَاةِ مُؤْمِنٍ مُوَحِّدٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ بَلَاءً فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمُ (الْأَنْبِيَاءُ)، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ أَمَانَةِ السَّمَاءِ يَقْتَضِي نُفُوسًا جِبَالًا، لَا تُزَعْزِعُهَا الْعَوَاصِفُ. ففي سنن الترمذي: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»
وتَدَبَّرُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- فِي الصِّيغَةِ الْوَعْظِيَّةِ الْـمُبْكِيَةِ الَّتِي سَاقَهَا سَيِّدُ الْوُجُودِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ يُبَيِّنُ حَجْمَ مَا لَاقَاهُ فِي سَبِيلِ رَبِّهِ، فلقد رأَى النَّبيُّ (صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم) مِن البلاءِ ما تَضعُفُ معه النُّفوسُ، وتَخورُ معه العَزائِمُ، وتَذهَبُ معه القُوى، فكان (صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم) يَصبِرُ ويحتَسِبُ، راجيًا أن يُتِمَّ اللهُ هذا الدِّينَ. فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ».
إِنَّهُ مَشْهَدٌ يَهتَزُّ لَهُ الوِجْدَانُ، فنَبِيُّ الْأُمَّةِ، وَصَفْوَةُ الْخَلْقِ، يُطَارَدُ، وَيُخَافُ، حَتَّى يَقْضِيَ الشَّهْرَ كَامِلًا، لَا يَجِدُ هُوَ وَصَاحِبُهُ مِنَ الْقُوتِ إِلَّا مَا نَزُرَ وَخَفَّ، حَتَّى يُخْفِيَهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ!، كُلُّ ذَلِكَ لِتَعْلَمَ الْأُمَّةُ أَنَّ كَرَامَةَ الْعَبْدِ عِنْدَ اللهِ لَا تُقَاسُ بِرَغَدِ الْعَيْشِ، بَلْ بِحَجْمِ التَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ الدِّينِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
لَقَدْ كَانَتْ قُوَّةُ صَبْرِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتَحَمُّلُهُ فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ، غَايَةً لَا تُدْرَكُ ؛فَقَدْ جَرَّعَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ كُلَّ أَصْنَافِ النَّكَالِ وَالسُّخْرِيَّةِ، فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَأْتِي بِجَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذَ سَلَاهَا وَدَمَهَا وَفَرْثَهَا فَيَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَضَعَهُ بَيْنَ كَتَفَيْهِ. فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ).
يَا لَجَلَالِ الصَّبْرِ الرَّبَّانِيِّ!، النَّبِيُّ يُوضَعُ سَلَى الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ الطَّاهِرِ، وَهُوَ سَاجِدٌ لِرَبِّهِ، فَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ مُتَعَلِّقًا بِخَالِقِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَمْ يَقِفِ الْأَذَى عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ تَجَاوَزَهُ إِلَى مُحَاوَلَةِ الْقَتْلِ وَالْخَنْقِ بِأَبْشَعِ الصُّوَرِ، فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ،وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ؟!).
وَحِينَمَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَكَّةُ، وخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ، فَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى أَدْمَوْا عَقِبَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ، وَانْطَلَقَ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَمِّ. وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا حِينَ سَأَلَتْهُ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ).
هذه بعض المواقف والصور من الإيذاء الشديد، الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، ولذلك قال: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ)، وعلى الرغم مما فعله قومه معه، إلا أن ذلك لم يُضْعِفه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، بل ظل ثابتاً، مستمراً في دعوته، صابراً على قومه، راجياً إسلامهم، ففي الصحيحين: (قال صلى الله عليه وسلم: (وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»
وإِنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ الْمُتَتَابِعَةَ مِنَ الْأَذَى، لَتُبَيِّنُ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، أَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ، وَأَنَّ النَّصْرَ لَا يَتَنَزَّلُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ حَالُ الْمُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَإِنَّه عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَكُلِّ دَاعِيَةٍ إِلَى اللهِ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يَسْلَمَ مِنَ الْأَذَى، فِي سَبِيلِ دَعْوَتِهِ، وَاسْتِقَامَتِهِ؛ سَوَاءً كَانَ هَذَا الْأَذَى: كَلِمَةً سَاخِرَةً، أَوْ تَضْيِيقًا فِي رِزْقٍ، أَوْ جَفْوَةً مِنْ قَرِيبٍ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ التَّحَمُّلُ وَالصَّبْرُ، وَعَدَمُ التَّرَاجُعِ عَنِ الْمَبَادِئِ الْقَوِيمَةِ؛ فَلَهُ بِذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَالْمَقَامُ الْكَرِيمُ، عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ عِظَمَ أَجْرِ الْأَذَى وَالِابتِلَاءِ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَرْتَقِي بِالْعَبْدِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ، تِلْكَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لِيَبْلُغَهَا بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ مُفْرَدًا.
فَالصَّبْرُ عَلَى الِاضْطِهَادِ فِي سَبِيلِ الْعَقِيدَةِ، هُوَ جِهَادٌ نَفْسِيٌّ كَبِيرٌ، يَنْفِي عَنِ الْقَلْبِ التَّعَلُّقَ بِالدُّنْيَا، وَيَجْعَلُ الْعَبْدَ خَالِصًا لِرَبِّهِ.
وَاعلموا أن سُبُل الْعِلَاجِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ نُزُولِ الْأَذَى، تَكُونُ بِتَذَكُّرِ سِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْيَقِينِ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ.
فَأَبْشِرُوا أَيُّهَا الصَّابِرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا تُقَدِّمُونَهُ مِنْ ثَبَاتٍ عَلَى الدِّينِ، وَمَا تَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ اللَّأْوَاءِ، هُوَ عَيْنُ السَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَيْرُ بَنِي آدَمَ، عليه أفضل الصلاة، وأزكى التسليم.
الدُّعَاءُ
