خطبة عن: أسلم وجهك لله ،وقوله تعالى ( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ)
يوليو 18, 2026الخطبة الأولى (بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الأعراف:96.
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّاظِرَ فِي وَاقِعِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْمُتَفَكِّرَ فِي سُلُوكِ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَرَى لَهَفًا ظَاهِرًا، وَرَكْضًا مُسْتَعِرًا، خَلْفَ زِيَادَةِ الْأَرْقَامِ، وَتَكْثِيرِ الْمَادِّيَّاتِ، وَتَشْيِيدِ الْمُقْتَنَيَاتِ؛ فَالْكُلُّ يَبْحَثُ عَنْ نَمَاءِ مَالِهِ، وَامْتِدَادِ عُمْرِهِ، وَوَفْرَةِ وُلْدِهِ.
وَلَكِنَّ هَذَا الِاسْتِرْسَالَ الْبَشَرِيَّ فِي طَلَبِ الْمَحْضِ الْعَدَدِيِّ، كَثِيرًا مَا يَنْقَلِبُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْحَسْرَةِ وَالضِّيقِ؛ إِذْ يَجِدُ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمْوَالًا كَالْجِبَالِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَطْرُدُ هَمًّا، وَيَرَى حَوْلَهُ أَوْلَادًا عَدِيدًا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ عَيْنًا. والسؤال: لماذا؟؟. فنقول:
إِنَّ السِّرَّ الْغَائِبَ الَّذِي ضَلَّتْ عَنْهُ أَبْصَارُ الْكَثِيرِينَ هُوَ “الْبَرَكَةُ“؛ تِلْكَ الْهِبَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْخَفِيَّةُ، الَّتِي إِذَا حَلَّتْ فِي قَلِيلٍ كَثَّرَتْهُ، وَإِذَا دَخَلَتْ فِي صَغِيرٍ عَظَّمَتْهُ، وَإِذَا صَاحَبَتْ رِزْقًا أَنْفَدَتْ مِنْهُ نَعِيمًا طَوِيلًا.
ومَعْنَى الْبَرَكَةِ -يَا عِبَادَ اللهِ- هُوَ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ، وَدَوَامُهُ، وَزِيَادَتُهُ، وَنَمَاؤُهُ.
وَإِنَّ لِلْبَرَكَةِ صُوَرًا وَمَجَالَاتٍ تَشْمَلُ: (الْعُمْرَ بِالتَّوْفِيقِ لِلصَّالِحَاتِ، وَتَشْمَلُ الْعَقْلَ بِالْحِكْمَةِ، وَالْمَالَ بِالْقَنَاعَةِ وَالنَّفْعِ، وَالذُّرِّيَّةَ بِالْقُرَّةِ وَالصَّلَاحِ)، وإلى غير ذلك.
وتَفَكَّرُوا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ مَفَاتِيحَ لِهَذِهِ الْبَرَكَاتِ، الَّتِي تَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا وَتَوْفِيقًا، وَتَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا وَرِزْقًا؛ إِنَّهَا تَعُودُ فِي أَصْلِهَا إِلَى جِمَاعِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا).
فَالتَّقْوَى هِيَ الْحِصْنُ الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَسْوَارِهِ نِعَمُ الْكِفَايَةِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2-3].
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ جَوَالِبِ الْبَرَكَةِ: الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِذْ يَظُنُّ ذُو الشُّحِّ أَنَّ التَّصَدُّقَ يَنْقُصُ الْمَالَ، بَيْنَمَا الْمِيزَانُ الْإِلَهِيُّ يُرَبِّي الصَّدَقَةَ، وَيُضَاعِفُهَا ضَعْفًا كَثِيرًا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261].
وَمِنْ هَذِهِ الْمَفَاتِيحِ الْعَظِيمَةِ: لُزُومُ الِاسْتِغْفَارِ، الَّذِي يَفُكُّ عُقَدَ السَّمَاءِ بِالْغَيْثِ، وَعُقَدَ الْأَرْضِ بِالْمَدَدِ وَالْبَنِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ نُوحٍ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:10-12].
وَفِي مُقَابِلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْـمُثْمِرَةِ، فقد حَذَّرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ السَّيِّئَاتِ، الَّتِي تَمْحَقُ نَمَاءَ النِّعَمِ، وَعَلَى رَأْسِهَا (الرِّبَا)، الَّذِي يَظُنُّ صَاحِبُهُ أَنَّهُ كَسْبٌ وَتَكْثِيرٌ، فَإِذَا هُوَ دَمَارٌ وَتَبَابٌ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:276].
وإِنَّ هَذِهِ الْمَوَازِينَ الشَّرْعِيَّةَ، هِيَ الَّتِي قَعَّدَتْهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، لِتَكُونَ دَسَاتِيرَ لِلْمُجْتَمَعِ، فِي بِيَعِهِ وَشِرَائِهِ، وَحَرَكَتِهِ الْيَوْمِيَّةِ؛ فَالصِّدْقُ أَمَانٌ، وَالْكَذِبُ مَحْقٌ لِلْخَيْرَاتِ.
وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ عَنِ الْمُتَبَايِعَيْنِ : «فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
وَالْبَرَكَةُ لَا تَنَالُهَا نَفْسٌ مُسْتَشْرِفَةٌ جَشِعَةٌ، بَلْ تَنَالُهَا النَّفْسُ الْقَانِعَةُ السَّخِيَّةُ؛ فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لَهُ فِي إِعْطَاءِ الْمَالِ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».
وَمِنْ هَدْيِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) التَّوْجِيهُ إِلَى اغْتِنَامِ الْأَوْقَاتِ الْـمُبَارَكَةِ، الَّتِي قُسِمَتْ فِيهَا الْأَرْزَاقُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».
كَمَا نَبَّهَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى أَنَّ الِاجْتِمَاعَ، وَالْأُلْفَةَ، وَمُوَاسَاةَ الْخَلْقِ، هِيَ رَحِمٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا الْبَرَكَاتُ؛ وَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ ابْنِ مَاجَهْ: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ».
وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى السَّامِيَ: حَدِيثٌ آخَرُ، يَرْبِطُ بَيْنَ اسْمِ اللهِ، وَبَيْنَ كَثْرَةِ الْقُوتِ؛ فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؟ قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ سُبُلَ الْعِلَاجِ لِقِلَّةِ الْبَرَكَةِ، وَالْوَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ لِاسْتِجْلَابِهَا، فِي بُيُوتِنَا وَأَعْمَارِنَا، تَبْدَأُ أَوَّلًا: بَتَطْهِيرِ الْكَسْبِ مِنَ الْحَرَامِ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ الْغِشِّ وَالْـمَكْرِ؛ فَالْحَرَامُ نَارٌ تَأْكُلُ أَصْلَ الْمَالِ، وَتُهْلِكُ صَاحِبَهُ.
ثُمَّ تَكُونُ بِتَحْقِيقِ شَرْطِ التَّوْحِيدِ وَالْيَقِينِ، وَالرِّضَا النَّفْسِيِّ بِالْقَلِيلِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى قِرَاءَةِ كِتَابِ اللهِ فِي الْبُيُوتِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كِتَابٌ مُبَارَكٌ، لَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ إِلَّا طَابَ وَنَمَا.
وَإِنَّ الثَّمَرَةَ الْعُظْمَى لِلْبَرَكَةِ فِي الدُّنْيَا: هِيَ رَاحَةُ الْبَالِ، الَّتِي يَعْدَمُهَا الْأَغْنِيَاءُ الْـمَحْرُومُونَ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَهِيَ حُسْنُ الثَّوَابِ، وَمُضَاعَفَةُ الْأُجُورِ، وَنَيْلُ رِضْوَانِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ.
فَإِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى رَبِّهِ بِالْإِيمَانِ، فَتَحَ اللهُ لَهُ مِنْ لُطْفِهِ مَا لَا تَسَعُهُ الْحِسَابَاتُ الْبَشَرِيَّةُ، فَيَعِيشُ هَانِئًا مُطْمَئِنًّا، وَيَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.
فَأَصْلِحُوا مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ -عِبَادَ اللهِ- وَأَقْبِلُوا عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ، وَتَحَرَّوْا مَوَاطِنَ رِضَاهُ تَنْزِلْ عَلَيْكُمْ رَحَمَاتُهُ الصَّيِّبَةُ مِنْ فَوْقِكُمْ، وَتَخْرُجْ لَكُمْ خَيْرَاتُهُ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ.
الدُّعَاءُ
