خطبة عن (بَرَكَاتُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
يوليو 18, 2026الخطبة الأولى (وَسَائِلُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (19) العلق، وفي صحيح البخاري: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ .. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)، وفي سنن الترمذي: (قَالَ -صلى الله عليه وسلم- «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ).
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي تَقَلُّبَاتِ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ، وَفِي مَعَامِعِ كَبَدِهَا وَمَشَقَّتِهَا، لَتَعِيشُ حَالَةً مِنَ الِافْتِقَارِ الذَّاتِيِّ الْعَمِيقِ، وَتَشْكُو ظَمَأً رُوحِيًّا، لَا تَرْوِيهِ بِحَارُ الْمَادِّيَّاتِ، وَلَا تُطْفِئُ لَهِيبَهُ شَهَوَاتُ الْأَرْضِ الزَّائِلَةُ؛ فَالْإِنْسَانُ يَظَلُّ شَاخِصًا بِبَصِيرَتِهِ، مُتَلَهِّفًا بِفِطْرَتِهِ، يَبْحَثُ عَنْ رُكْنٍ شَدِيدٍ يَأْوِي إِلَيْهِ، وَحِمًى مَنِيعٍ يَعْتَصِمُ بِجَنَابِهِ، فَلَا يَجِدُ فِي الْوُجُودِ كُلِّهِ أَمْنًا، وَلَا سَكِينَةً، وَلَا عِزًّا، وَلَا رِفْعَةً، إِلَّا فِي ظِلَالِ (الْقُرْبِ مِنَ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ).
فالْقُرْب مِنَ الرَّحْمَنِ: هُوَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، الَّتِي تَشْرَئِبُّ إِلَيْهَا أَعْنَاقُ الْمُوَحِّدِينَ، وَتَخْشَعُ لَهَا قُلُوبُ الْعَارِفِينَ، وَهُوَ مَدَارُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ، الَّتِي مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ نَالَهَا فَقَدْ حَازَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ بِأَسْرِهِمَا.
وإِنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ، وَأَعْظَمُ الْأُمْنِيَاتِ؛ فَإِذَا اقْتَرَبَ الْعَبْدُ مِنْ مَوْلَاهُ، انْقَشَعَتْ عَنْ بَصِيرَتِهِ ظُلُمَاتُ الْحَيْرَةِ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَى قَلْبِهِ سَكِينَةُ السَّمَاءِ.
وَالْقُرْبُ من الله لَيْسَ مَسَافَةً جُغْرَافِيَّةً، تُقْطَعُ بِالْأَقْدَامِ، وَتُقَاسُ بِالْأَمْتَارِ، بَلْ هُوَ مَقَامٌ رُوحِيٌّ بَاذِخٌ، وَحَالَةٌ قَلْبِيَّةٌ شَرِيفَةٌ، تَنْعَكِسُ آثَارُهَا عَلَى الْجَوَارِحِ: خُضُوعًا وَطَاعَةً، وَعَلَى النَّفْسِ: طُمَأْنِينَةً وَرِضًا، حَيْثُ يَتَحَرَّرُ الْعَبْدُ مِنْ رِقِّ الْمَخْلُوقِينَ، لِيَلِجَ رِحَابَ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وإِنَّ التَّحليل الْعِلْمِيَّ لِلسُّلُوكِ الْبَشَرِيِّ، يَكْشِفُ أَنَّ الْبُعْدَ عَنِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ: هُوَ مَنْبَعُ الشَّقَاوَةِ، وَأَصْلُ الْقَلَقِ النَّفْسِيِّ، وَمَبْدَأُ التِّيهِ، الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ عَبْدًا لِهَوَاهُ، أَوْ أَسِيرًا لِخَوْفِهِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ؛ فَتَرَاهُ يَرْكُضُ فِي جَهَاتِ الْأَرْضِ، يَسْتَجْدِي الْأَمْنَ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَيَطْلُبُ الْعِزَّةَ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا.
أَمَّا إِذَا اسْتَبَانَتْ للعبد أَنْوَارُ الْـهُدَى، وَعَرَفَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْفِضُ يَدَيْهِ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ ،وَيَتَّجِهُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مُمْتَثِلًا الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ الصَّارِمَ، الَّذِي جَاءَ فِي خِتَامِ سُورَةِ الْعَلَقِ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. وَهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ، تَخْتَصِرُ لَنَا مَعَالِمَ الطَّرِيقِ؛ فَالطَّرِيقُ إِلَى اللهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِانْكِسَارِ، لَا عَلَى الِاسْتِكْبَارِ، وَعَلَى التَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَالِقِ، لَا عَلَى التَّطَاوُلِ عَلَى الْخَلْقِ، وَكُلَّمَا خَفَضَ الْعَبْدُ جَبْهَتَهُ فِي رِحَابِ السُّجُودِ، رَفَعَ اللهُ مَقَامَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَدْنَاهُ مِنْ جَنَابِهِ الْعَظِيمِ، مَسَافَاتٍ لَا تَعْلَمُ مَدَاهَا إِلَّا بَصِيرَةُ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَنِيرَةُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ بَيَّنَتْ لَنَا الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ: أَنَّ الْقُرْبَ وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ شَأْنُهُ يَسِيرُ عَبْرَ مَسَارَيْنِ عَمَلِيَّيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ: الْمَسَارُ الْأَوَّلُ: هُوَ أَدَاءُ مَا افْتَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَالْفَرَائِضُ هِيَ رَأْسُ الْمَالِ، وَهِيَ الْأَسَاسُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ دُونَهُ بِنَاءٌ، ثُمَّ يَتْرَقَّى الْعَبْدُ فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ، حَتَّى تَتَفَجَّرَ فِي قَلْبِهِ يَنَابِيعُ الْمَحَبَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي تُغَيِّرُ كِيَانَهُ كُلَّهُ وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». فَالْفَرَائِضُ هِيَ الْـمَحْبُوبُ الْأَوَّلُ، وَالنَّوَافِلُ هِيَ الْـجَالِبُ الْأَعْظَمُ لِلْقُرْبِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الْعَبْدُ مُسَدَّدًا فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ.
وَالْمَسَارُ الثَّانِي: هُوَ تَرْكُ الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ، الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ؛ إِذْ كَيْفَ يَدَّعِي الْقُرْبَ مَنْ يُبَارِزُ مَوْلَاهُ بِالْآثَامِ فِي الْـخَلَوَاتِ، وَيَنْتَهِكُ حُرُمَاتِهِ إِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ؟!، فإِنَّ كَفَّ النَّفْسِ عَنِ الْـهَوَى، وَمُجَاهَدَةَ الشَّهَوَاتِ إِجْلَالًا لِلَّهِ، هُوَ جَوْهَرُ التَّقَرُّبِ. وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً». فَالْمَنْعُ لِأَجْلِ اللهِ، وَالتَّرْكُ خَشْيَةً مِنْهُ، هُوَ ارْتِقَاءٌ فِي مَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، الَّذِينَ طَهَّرُوا بَوَاطِنَهُمْ قَبْلَ ظَوَاهِرِهِمْ.
وَمِنْ وَسَائِلِ الْقُرْبِ الْـمَشْهُودَةِ، الَّتِي تَفُكُّ عُقَدَ الشُّحِّ النَّفْسِيِّ، وَتَرْبِطُ الْعَبْدَ بِعَالَمِ الطَّهَارَةِ الرُّوحِيَّةِ: الْكَرَمُ وَالسَّخَاءُ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْمَجْبُولَ عَلَى الْبَذْلِ، يَكُونُ هَيِّنًا لَيِّنًا سَهْلًا، مُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْجُودِ، الَّذِينَ يَثِقُونَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ أَعْظَمَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ. وَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ». فَالْجُودُ يَجْذِبُ الرَّحْمَةَ، وَيُدْنِي مِنَ الْـجَنَّةِ.
وَيَنْضَمُّ إِلَى هَذِهِ الْوَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ، لُزُومُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَدَبُّرًا وَعَمَلًا، وَكذا كَثْرَةُ الذِّكْرِ، الَّذِي يَجْعَلُ الْقَلْبَ حَيًّا نَابِضًا بِمَحَبَّةِ الْـخَالِقِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الدُّعَاءِ، الَّذِي هُوَ مُخُّ الْعِبَادَةِ.
وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْـمَرْءُ حَالًا وَمَقَامًا مِنْ مَوْلَاهُ، هُوَ حِينَمَا يَكُونُ بَادِيَ الِانْكِسَارِ فِي أَعْظَمِ هَيْئَاتِ الْعُبُودِيَّةِ وَأَشْرَفِهَا؛ وهو (السجود)، وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثَرُوا الدُّعَاءَ».
وَمَا أَجْمَلَ الْقَاعِدَةَ السَّانِيَةَ الَّتِي صَاغَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (رَحِمَهُ اللهُ) حِينَمَا غَاصَ فِي أَعْمَاقِ التَّرْبِيَةِ السُّلُوكِيَّةِ فَقَالَ: “وَالْعَبْدُ كُلَّمَا كَانَ أَذَلَّ لِلَّهِ وَأَعْظَمَ افْتِقَارًا إِلَيْهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ وَأَعَزَّ”. فَالْعِزَّةُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تُنَالُ بِالتَّعَالِي، بَلْ بِالْمُمَارَسَةِ الْعَمَلِيَّةِ لِلِافْتِقَارِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَنِيِّ سُبْحَانَهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ سَارَ فِي هَذَا الْمِضْمَارِ الْأَفْسَحِ خِيَارُ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا طَاعَاتِهِمْ قَرَابِينَ دَائِمَةً؛ فَبَلَغُوا أَعْلَى مَنَازِلِ الْقُرْبِ، حَتَّى اتَّخَذَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُحَمَّدًا، وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلَيْنِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:125]. وَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ».
ثُمَّ كَانَ مُوسَى الْكَلِيمُ الَّذِي نَادَاهُ رَبُّهُ فَقَرَّبَهُ نَجِيًّا لِيَسْمَعَ آيَاتِهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52].
ثُمَّ تَبِعَهُمْ عِيسَى وَنُوحٌ وَسَائِرُ الْمُرْسَلِينَ، ثُمَّ سَادَاتُ الْأُمَّةِ الْأَبْرَارِ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ الْفَارُوقُ، وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ، وَعَلِيٌّ الْمُرْتَضَى، ثُمَّ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، كُلٌّ بِحَسَبِ سَبْقِهِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَهِجْرَتِهِ، وَجِهَادِهِ، وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، ثُمَّ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أِئِمَّةِ الْـهُدَى وَعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّذِينَ أَوْفَوْا بِالْعُهُودِ فَرَفَعَ اللهُ مَنَارَهُمْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (وَسَائِلُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ كُلَّ مَنِ اقْتَرَبَ مِنَ اللهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ مِنَ الْعُمْرِ، قَرَّبَهُ اللهُ وَأَدْنَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ، وَأَحَاطَهُ بِرِعَايَتِهِ وَحِفْظِهِ الَّذِي لَا يَغْفَلُ. وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ الْعُظْمَى وَالْجَائِزَةُ الْكُبْرَى لِهَذَا الْقُرْبِ حِينَمَا تَنْزِلُ بِالْعَبْدِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ، وَتَنْقَطِعُ عَنْهُ صِلَاتُ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ فَيُبَشَّرُ هَذَا الْمُقَرَّبُ عِنْدَ احْتِضَارِهِ بِأَعْظَمِ مَطْلُوبٍ، وَيُسْتَقْبَلُ رُوحُهُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89].
فَالرَّوْحُ هُوَ الْأَمْنُ الَّذِي يَطْرُدُ كُلَّ خَوْفٍ، وَالرَّيْحَانُ هُوَ طِيبُ الْمَقَامِ وَالْمَآلِ، وَالْجَنَّةُ هِيَ مَسْكَنُ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي دُنْيَاهُمْ يَتَلَهَّفُونَ عَلَى رِضَا مَوْلَاهُمْ.
وَإِنَّ سُبُلَ الْعِلَاجِ لِمَنْ أَصَابَهُ الرَّانُ، أَوْ بَعَّدَتْهُ عَنِ اللهِ حُجُبُ الْغَفْلَةِ وَالْهَوَى،
تَبْدَأُ أَوَّلًا: بِالِاسْتِغْفَارِ النَّادِمِ، وَالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، الَّتِي تَغْسِلُ حَوْبَةَ الْقَلْبِ، ثُمَّ بِالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّةِ الرُّوحِ عَلَى مَحَارِيبِ الطَّاعَةِ،
وَالْيَقِينِ التَّامِّ بِأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ أَوْلِيَائِهِ، بَلْ هُوَ قَرِيبٌ يُجِيبُ السَّائِلِينَ، وَيُعْطِي الْمُسْتَغْفِرِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].
ألا فَحَقِّقُوا الِاسْتِجَابَةَ لِلَّهِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا، لِيَفْتَحَ اللهُ لَكُمْ أَبْوَابَ الْقُرْبِ، وَيَجْعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ خَاصَّتِهِ الْمُقَرَّبِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاءُ
