خطبة عن (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وفَضَائِلِهُا)
أغسطس 6, 2026الخطبة الأولى (اللهُ الكَرِيمُ يُنَادِي: ﴿يَا عِبَادِي﴾)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (56) العنكبوت، وقال تعالى: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (53): (55) الزمر، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ». وفي سنن ابن ماجه: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلاَّ مَنْ عَافَيْتُ فَسَلُونِي الْمَغْفِرَةَ فَأَغْفِرَ لَكُمْ وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّى ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ)، وفي مسند البزار: (يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عِبَادِي مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ حَسَنَةً جَزَيْتُ بِهَا عَشْرًا أَوْ أَزْيَدَ، وَمَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سَيِّئَةً جَزَيْتُهُ بِهَا سَيِّئَةً أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ لَقِيَنِي لاَ يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِقُرَابِ الأَرْضِ مَغْفِرَةً).
إخوة الإسلام
(يَا عِبَادِي)، تَأَمَّلُوا فِي هَذَا النِّدَاءِ العَذْبِ الجَلِيلِ، الَّذِي يَتَنَزَّلُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ!، نِدَاءٌ لَيْسَ كَنِدَاءِ المُلُوكِ لِلرَّعَايَا، وَلاَ كَنِدَاءِ السَّادَةِ لِلْعَبِيدِ، بَلْ هُوَ نِدَاءُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الخَالِقِ الكَرِيمِ، الَّذِي مَلَأَ الكَوْنَ بِعَطَائِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى الخَلْقِ مِنْ حِلْمِهِ وَجُودِهِ!،
﴿يَا عِبَادِي﴾: إنه نِدَاءٌ حِينَ تَسْمَعُهُ الأَرْوَاحُ المُؤْمِنَةُ تَشْتَاقُ، وَحِينَ تَتَلَقَّاهُ القُلُوبُ المُنْكَسِرَةُ تَطْمَئِنُّ وَتُرَاقُ.
﴿يَا عِبَادِي﴾: فيَا لَهُ مِنْ شَرَفٍ عظَيمٍ، أَنْ يُضِيفَنَا اللهُ إِلَى نَفْسِهِ، الإِضَافَةَ التَّكْرِيمِيَّةَ!، فيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مُوَجِّهًا عِبَادَهُ لِأَعْظَمِ غَايَةٍ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت:56].
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ يُبَيِّنُ اللهُ لَنَا: أَنَّ العِبَادَةَ وَالإِخْلَاصَ هُمَا أَسَاسُ الوُجُودِ؛ فَإِنْ ضَاقَ عَلَيْكَ مَكَانٌ فِي إِقَامَةِ دِينِكَ، أَوْ تَعَسَّرَ رِزْقُكَ، فَاذْكُرْ أَنَّ أَرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ، فَهَاجِرْ بِقَلْبِكَ وَبَدَنِكَ إِلَى رَبِّكَ، وَلاَ تُقَدِّمْ عَلَى طَاعَتِهِ شَيْئًا!، وَلَا تَبِعْ دِينَكَ لِأَجْلِ دُنْيَا زَائِلَةٍ، وَلاَ تُدَاهِنْ فِي مَبَادِئِكَ، بَلِ اهْرُبْ بِدِينِكَ إِلَى اللهِ، وَاعْبُدْهُ حَيْثُمَا كُنْتَ، فَالـمَعْبُودُ وَاحِدٌ، وَالـرِّزْقُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ!.
ثُمَّ تَعَالَوْا بِنَا لِنَقِفَ وقفة الإِجْلَال الكَامِل، أَمَامَ أَعْظَمِ هَذِهِ النِّدَاءَاتِ؛ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا حَدَّثَ بِهِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَعْظِيمًا وَهَيْبَةً!.
فَقِفُوا المَوْقِفَ المُنْصِتَ، لِنِدَاءَاتِ الرَّبِّ العَلِيِّ – نِدَاءً نِدَاءً-: فالنِّدَاءُ الأَوَّلُ:
﴿يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَنَاظَمُوا﴾!،
فيَبْدَأُ الجَلِيلُ جَلَّ جَلَالُهُ بِإِعْلَانِ عَدْلِهِ الـمُطْلَقِ؛ فُهُوَ الـقَادِرُ الـقَاهِرُ، وَلَكِنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، صِيَانَةً لِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَنَهَانَا نَهْيًا قَاطِعًا عَنِ الظُّلْمِ فِيمَا بَيْنَنَا!: ظُلْمِ الدِّمَاءِ، وَالأَمْوَالِ، وَالأَعْرَاضِ، وَحُقُوقِ الـعِبَادِ!، فَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ!.
النِّدَاءُ الثَّانِي: ﴿يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ﴾: وفيه إِعْلَانٌ لِلْفَقْرِ الإِيمَانِيِّ الـمُطْلَقِ لِلْخَلْقِ!، فلاَ هِدَايَةَ بِنَفْسِكَ، وَلاَ عَقْلَ يُنْقِذُكَ مِنَ الضَّلاَلِ، إِلاَّ أَنْ يَهْدِيَكَ اللهُ!، فَاطْلُبُوا الهِدَايَةَ مِنْهُ وَحْدَهُ، فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ، يَسْلُكْ بِكُمْ طَرِيقَ النَّجَاةِ!.
النِّدَاءُ الثَّالِثُ: ﴿يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ﴾!: وفيه إِعْلَانٌ لِلْفَقْرِ الـمَادِّيِّ الـبَشَرِيِّ!، فالأَرْزَاقُ كُلُّهَا بِيَدِ اللهِ، فَالْأَرْضُ أَرْضُهُ، وَالـخَيْرُ خَيْرُهُ؛ فَلَا تَطْلُبُوا الـرِّزْقَ مِنْ غَيْرِهِ، وَاسْتَطْعِمُوهُ يَرْزُقْكُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ تَحْتَسِبُونَ!.
النِّدَاءُ الرَّابِعُ: ﴿يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ﴾!: حَتَّى الـسِّتْرُ العَاجِلُ عَلَى الأَبْدَانِ، فُهُوَ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ!، فَمَنْ كَسَاهُ اللهُ الثِّيَابَ، وَسَتَرَ عَوْرَاتِهِ، فَلْيَشْكُرِ الكَسَاءَ الظَّاهِرَ، وَلْيَطْلُبْ كِسَاءَ التَّقْوَى البَاطِنَ!.
النِّدَاءُ الخَامِسُ: ﴿يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ﴾!: فيَا لَهُ مِنْ نِدَاءٍ يَسْكُبُ الأَمَلَ!، فيَعْلَمُ اللهُ ضَعْفَنَا، وَأَنَّنَا نُخْطِئُ فِعْلًا فِي الـلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكِنَّهُ يُفَتِّحُ لَنَا بَابَ المَغْفِرَةِ الوَاسِعَةِ؛ شَرْطَ أَنْ نُنِيبَ وَنَسْتَغْفِرَ استغفار الصَّادِقِينَ!.
وهكذا يُعْلِنُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَدْلَهُ الـمُطْلَقَ؛ فَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، ثُمَّ يُبَيِّنُ لَنَا فَقْرَنَا الـتَّامَّ إِلَيْهِ فِي كُلِّ شَأْنِنَا: فِي الهِدَايَةِ، وَالطَّعَامِ، وَالـكِسْوَةِ، وَالـمَغْفِرَةِ!، فنَحْنُ الفُقَرَاءُ الصِّغَارُ، وَهُوَ الـغَنِيُّ الـكَبِيرُ، الَّذِي يَسْتَجْدِيهِ العِبَادُ فَيُعْطِيهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُونَهُ فَيَغْفِرُ لَهُمْ!.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَقِفُوا عِنْدَ هَذِهِ النِّدَاءَاتِ العَظِيمَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (اللهُ الكَرِيمُ يُنَادِي: ﴿يَا عِبَادِي﴾)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ونَسْتَكْمِلُ هَذَا الـحَدِيثَ الـقُدْسِيَّ العَظِيمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، حَيْثُ تَتَوَالَى الـنِّدَاءَاتُ الإِلَهِيَّةُ الَّتِي تُبَيِّنُ غِنَى اللهِ الـمُطْلَقِ عَنِ العَالَمِينَ: النِّدَاءُ السَّادِسُ: ﴿يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي﴾!، وَالنِّدَاءُ السَّابِعُ وَالثَّامِنُ: ﴿يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا!، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا!﴾.
فاللهُ أَكْبَرُ!، فاللهُ هُوَ الـغَنِيُّ الـحَمِيدُ!، طَاعَتُنَا لاَ تَنْفَعُهُ، وَمَعْصِيَتُنَا لاَ تَضُرُّهُ!، لَوْ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، وكَانُوا بِتَقْوَى نَبِيِّنَا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، مَا زَادُوا فِي مُلْكِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَوْ كَانُوا بِفُجُورِ (إِبْلِيسَ) مَا نَقَصُوا مِنْ مُلْكِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ!، فَالطَّاعَةُ لَنَا، وَالـنَّفْعُ يَعُودُ عَلَيْنَا!.
النِّدَاءُ التَّاسِعُ: ﴿يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الـمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الـبَحْرَ!﴾
فيَا لَهُ مِنْ جُودٍ لاَ حُدُودَ لَهُ!، فلَوْ سَأَلَهُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَاهُمْ، لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَزَائِنِهِ المَلِيئَةِ، إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الـمِخْيَطُ (وَهُوَ الإِبْرَةُ) إِذَا غُمِسَتْ فِي الـبَحْرِ العَرِيضِ!.
النِّدَاءُ العَاشِرُ وَالـخِتَامِيُّ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: ﴿يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ!﴾، فهَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ الحَاسِمَةُ!، مِيزَانٌ عَدْلٌ، يُحْصِي كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَيَكْتَمِلُ هَذَا النِّدَاءُ الرَّحْمَانِيُّ، بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ، الَّتِي تُمَثِّلُ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا
تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:53-55]. فنَادَاهُمْ رَبُّهُمْ بِـ ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ رَغْمَ إِسْرَافِهِمْ؛ لِيَقُولَ لَهُمْ: لاَ تَقْنَطُوا، فَمَغْفِرَتِي أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِكُمْ!.
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلاَّ مَنْ عَافَيْتُ، فَسَلُونِي الـمَغْفِرَةَ أَغْفِرْ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي قَادِرٌ عَلَى أَنْ أَغْفِرَ لَهُ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي»!
وَيَتَوَّجُ هَذَا الكَرَمُ بِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: «يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا عِبَادِي مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ حَسَنَةً جَزَيْتُ بِهَا عَشْرًا أَوْ أَزْيَدَ، وَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً جَزَيْتُهُ بِهَا وَاحِدَةً أَوْ أَعْفُو، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ، اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَادَ فِي مُلْكِي مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي مِثْقَالَ ذَرَّةٍ!»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
هَذَا هُوَ رَبُّكُمُ الَّذِي يَدْعُوكُمْ، هَذَا هُوَ الكَرِيمُ الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَيْكُمْ بِالنِّعَمِ، وَهُوَ الغَنِيُّ عَنْكُمْ!، فَأَجِيبُوا نِدَاءَهُ، وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ لِذُنُوبِكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ، قَبْلَ حُلُولِ الأَجَلِ!،
﴿يَا عِبَادِي﴾: فأَصْغُوا لِهَذَا النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ الـكَرِيمِ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ بِقُلُوبٍ وَجِلَةٍ، وَأَلْسِنَةٍ ذَاكِرَةٍ، وَأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ؛ لِتَكُونُوا مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ الفرقان:63.
واذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
