خطبة عن (اتقان العمل: صوره وثماره)
سبتمبر 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الجهاد ذروة سنام الإسلام)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]. وَفي الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟… رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ» [أخرجه الترمذي وصححه].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لقاؤنا اليَوْمَ – إن شاء الله تعالى- مَعَ عِبَادَةٍ هِيَ سِيَاجُ المِلَّةِ، وَحِصْنُ الأُمَّةِ، إنها (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ).
(الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ): هَذِهِ الكَلِمَةُ العَظِيمَةُ، الَّتِي أُسِيءَ فَهْمُهَا فِي زَمَانِنَا، فَبَيْنَ غَالٍ جَفَا عَنْ ضَوَابِطِهَا، وَبَيْنَ مُفَرِّطٍ أَرَادَ مَحْوَهَا.
لَقَدْ شَرَعَ اللهُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ: لَا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَا لِلتَّسَلُّطِ عَلَى العِبَادِ، بَلْ لِإِزَاحَةِ الظُّلْمِ، وَتَأْمِينِ حُرِّيَّةِ الدَّعْوَةِ، وَحِمَايَةِ المُسْتَضْعَفِينَ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ.
ولِلْجِهَادِ مَرَاتِب وَأَنْوَاع؛ فَأَوَّلُهَا: “جِهَادُ النَّفْسِ” بِطَاعَةِ اللهِ، وَ “جِهَادُ الشَّيْطَانِ” بِدَفْعِ شُبُهَاتِهِ وَشَهَوَاتِهِ، وَأَمَّا جِهَادُ الأَعْدَاءِ بِالسِّلَاحِ، فَهِيَ الفَرِيضَةُ الَّتِي تُحْمَى بِهَا الحُرُمَاتُ، وَتُصَانُ بِهَا المَقَدَّسَاتُ.
أما عن أجر المجاهدين: فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ مَنْزِلَةً لَا تَعْدِلُهَا مَنْزِلَةٌ؛ فَلَهُمْ مِائَةُ دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ. قَالَ «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ»،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ «وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »،
لقد نَالُوا هذه الدرجات: لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا أَغْلَى مَا يَمْلِكُونَ -نُفُوسَهُمْ- رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ خَالِقِهِمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي أَخْلَاقِ الجِهَادِ فِي الإِسْلَامِ؛ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي جُيُوشَهُ: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً، وَلَا طِفْلًا صَغِيراً، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً».
إِنَّهُ جِهَادٌ رَحِيمٌ، يَسْعَى لِتَحْرِيرِ الإِنْسَانِ، لَا لِإِذْلَالِهِ،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الجِهَادِ فِي زَمَانِنَا هذا هُوَ: “جِهَادُ البَيَانِ وَالكَلِمَةِ“؛ وذلك بِدَفْعِ الشُّبُهَاتِ عَنِ الدِّينِ، وَنَشْرِ الحَقِّ بَيْنَ العَالَمِينَ، فَكُلُّ مَنْ سَعَى لِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ: بنفسه أو بِمَالِهِ، أَوْ بقَلَمِهِ، أَوْ بلِسَانِهِ، فَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ أَجْرِ المُرَابِطِينَ، المجاهدين في سبيل الله.
واعلموا أنَّ أُمَّةً تَتْرُكُ الجِهَادَ، وَتَرْضَى بِالدَّنِيَّةِ، يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهَا ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى دِينِهَا، ففي سنن أبي داود وغيره: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ».
وَلَيْسَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ الفَوْضَى، بَلِ الِاسْتِعْدَادُ وَالقُوَّةُ؛ قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال:60.
فَالْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، فَكُونُوا مِمَّنْ يَحْمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ، وَيَسْعَى لِعِزَّتِهَا بنفسه، وبِيَدِهِ، وَمَالِهِ، وَدُعَائِهِ، فَمَنْ لَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ. ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200].
فمِنَ الجِهَادِ في سبيل الله: “الرِّبَاطُ“: وَهُوَ لُزُومُ الثُّغُورِ، لِحِمَايَةِ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، قَالَ ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [أخرجه البخاري].
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَحْرُسُ أَمْنَ المُسْلِمِينَ، وَيَذُبُّ عَنْ أَوْطَانِهِمْ، وَيَسْهَرُ لِيَنَامَ النَّاسُ فِي طُمَأْنِينَةٍ، فَهَؤُلَاءِ عَيْنُهُمْ لَا تَمَسُّهَا النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِأَنَّهَا بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، أَوْ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللهِ. ففي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
ولِنُدْرِكَ جميعا أَنَّ الجِهَادَ الحَقَّ يَبْدَأُ مِنْ “جِهَادِ الهَوَى“؛ فَمَنْ لَمْ يَنْتَصِرْ عَلَى نَفْسِهِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، وَلَمْ يَنْتَصِرْ عَلَى شُحِّهِ فِي الزَّكَاةِ، كَيْفَ يَنْتَصِرُ فِي مَيَادِينِ النِّزَالِ؟!، ففي الصيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِىَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ وَلاَ آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا وَلاَ آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلاَدَهَا).
فاجْعَلُوا نُصْرَةَ الدِّينِ غَايَتَكُمْ، وَالدِّفَاعَ عَنْ مَقَدَّسَاتِكُمْ مَنْهَجَكُمْ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الجهاد ذروة سنام الإسلام)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169]. وَفي الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [متفق عليه].
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ، أَنَّ الحَقَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ تَحْمِيهِ، وَأَنَّ العِزَّةَ لَا تُنَالُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِالبَذْلِ وَالتَّضْحِيَةِ.
وتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الكَرَامَةِ؛ فَالمجاهد في سبيل الله، والْمُرَابِطُ، إِذَا مَاتَ لَا يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ كَسَائِرِ البَشَرِ، بَلْ يُجْرَى عَلَيْهِ أَجْرُ رِبَاطِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، إِنَّهُ “الِاسْتِثْمَارُ الخَالِدُ” مَعَ اللهِ. ففي سن الترمذي: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِى مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ».
وَالرِّبَاطُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ فِي مَيَادِينِ القِتَالِ فَحَسْبُ، بَلْ كُلُّ مَنْ سَدَّ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ المُسْلِمِينَ، فَمَنَعَ عَنْهُمْ شَرًّا، أَوْ حَمَى أَمْنَهُمْ، أَوْ ذَبَّ عَنْ عُقُولِ شَبَابِهِمْ مِنْ ضَلَالَاتِ المُنْحَرِفِينَ، فَهُوَ مُرَابِطٌ فِي سَبِيلِ اللهِ.
ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى “مَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ”؛ أُولَئِكَ الذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلهِ، فَاشْتَرَى اللهُ مِنْهُمُ النَّفْسَ بِالجَنَّةِ. فالشَّهِيدُ لَا يَجِدُ مَسَّ القَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسَّ القَرْصَةِ، وَيُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ. ففي سنن ابن ماجه: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِى أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِى سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ».
ولَقَدْ تَمَنَّى النَّبِيُّ ﷺ الشَّهَادَةَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ لِعِظَمِ مَا يَرَى مِنْ فَضْلِهَا، وفي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ».
وَلَيْسَ الشَّهِيدُ مَنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ بَشَّرَنَا ﷺ بِأَنَّ “المَبْطُونَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقَ شَهِيدٌ، وَصَاحِبَ الهَدْمِ شَهِيدٌ”، كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْ اللهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ لِيُنِيلَهُمْ أَعْلَى المَرَاتِبِ. ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ «إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ». قَالُوا فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ». قَالَ ابْنُ مِقْسَمٍ أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ».
واعلموا أنَّ مَقْصِدَ الجِهَادِ وَالرِّبَاطِ هُوَ أَنْ نَحْيَا أَعِزَّاءَ، وَأَنْ نَعْبُدَ اللهَ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَوْطَانِكُمْ، وَاحْرِصُوا عَلَى تَوْحِيدِ صُفُوفِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ لَا يَأْتِي لِأُمَّةٍ مُمَزَّقَةٍ، أَوْ غَارِقَةٍ فِي المَعَاصِي، فَالْمُجَاهِدُ الحَقُّ هُوَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ، لِتَسْتَقِيمَ عَلَى شَرْعِ اللهِ، ثُمَّ بَذَلَ مَا مَلَكَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52].
وفِي زَمَانِنَا هَذَا، اتَّسَعَتْ مَيَادِينُ الجِهَادِ؛ فَالقَلَمُ سِلَاحٌ، وَالكَلِمَةُ قَذِيفَةٌ، وَالحُجَّةُ بَيَانٌ، و”الجِهَادُ الكَبِيرُ” هُوَ جِهَادُ القُرْآنِ وَالعِلْمِ؛ بِأَنْ نَنْشُرَ قِيَمَ الإِسْلَامِ، وَنَدْحَضَ زَيْفَ المُبْطِلِينَ، كَمَا أَنَّ نُصْرَةَ المَظْلُومِينَ فِي كُلِّ بِقَاعِ الأَرْضِ بِالدُّعَاءِ وَالمَالِ وَالمَوْقِفِ، هِيَ مِنْ صَمِيمِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فلَا تَكُونُوا عِبْئًا عَلَى أُمَّتِكُمْ، بَلْ كُونُوا سَنَدًا لَهَا، ولِنُعَاهِدِ اللهَ أَنْ نَكُونَ حُرَّاسًا لِهَذَا الدِّينِ، كُلٌّ مِنْ مَوْقِعِهِ، الطَّبِيبُ فِي مَشْفَاهُ، وَالمُعَلِّمُ فِي مَدْرَسَتِهِ، وَالجُنْدِيُّ فِي مَيْدَانِهِ، فمَنْ أَحْسَنَ نِيَّتَهُ فِي خِدْمَةِ المُسْلِمِينَ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ المُرَابِطِ، فاجْعَلُوا العِزَّةَ شِعَارَكُمْ، وَالتَّقْوَى دِثَارَكُمْ، وَثِقُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ.
( الدعاء )
