خطبة عن (الأمانةُ مسئوليةٌ وفريضةٌ)
نوفمبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «أَهْوَالُ المَوْقِفِ وَظِلُّ العَرْشِ المَمْدُودُ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ وَيُزَادُ فِي حَرِّهَا كَذَا وَكَذَا يَغْلِي مِنْهَا الْهَوَامُّ كَمَا يَغْلِى الْقُدُورُ يَعْرَقُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ خَطَايَاهُمْ مِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى وَسَطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:6].
وقال تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (6): (10) القيامة.
وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (33): (42) عبس.
فَإِنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَوْمٌ عَظِيمٌ هَوْلُهُ، شَدِيدٌ كَرْبُهُ، عَصِيبٌ مَوْقِفُهُ، تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، وَتَزُولُ فِيهِ الأَحْسَابُ، وَتَتَقَطَّعُ فِيهِ الأَسْبَابُ، وَيَقِفُ فِيهِ الخَلاَئِقُ جَمِيعًا، مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العَالَمِينَ،
فالناس يُحْشَرُونَ فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النقِيٍّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ، وَلاَ مَلْجَأَ فِيهَا مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ وَأَشَدِّ أَهْوَالِ ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ، الَّذِي تَمِيدُ فِيهِ الأَرْضُ، وَتَنْتَثِرُ فِيهِ الكَوَاكِبُ، وَتُسَجَّرُ فِيهِ البِحَارُ: (دُنُوَّ الشَّمْسِ مِنْ رُؤُوسِ العِبَادِ)، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ بِمِقْدَارِ مِيلٍ، مَعَ مُضَاعَفَةِ حَرِّهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ فِي كَرْبٍ وَغَمٍّ، لاَ يَعْلَمُ مَدَاهُ، وَلاَ يُقَدِرُ طَاقَتَهُ إِلاَّ اللَّهُ، فَيَلْجَمُهُمُ العَرَقُ المُتَدَفِّقُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ، عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، الَّتِي كَسَبُوهَا فِي دَارِ الغُرُورِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذَا الموقف المَهِيبَ، ومَشْهَد المَوْقِفِ الأَعْظَمِ، الَّذِي يَرْوِيهِ لَنَا الصَّحِيحُ فِي بَيَانِ صِفَةِ ذَلِكِ اليَوْمِ العَصِيبِ؛ حِينَمَا تُدْنَى الشَّمْسُ مِنَ الخَلاَئِقِ، دُنُوًّا مُرْعِبًا، فَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمَاجِمِهِمْ إِلاَّ مِقْدَارُ مِيلٍ، وَهُوَ زَمَنٌ مَمْدُودٌ، يَقُومُ فِيهِ النَّاسُ أَلْفَ سَنَةٍ، أَوْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، شَاخِصَةً أَعْيُنُهُمْ، وَتَصِلُ فِيهِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ كَاظِمِينَ.
فيقول صلى الله عليه وسلم: «تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ، وَيُزَادُ فِي حَرِّهَا كَذَا وَكذا، يَغْلِي مِنْهَا الـهَوَامُّ كَمَا تَغْلِي القُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ خَطَايَاهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا!».
فتَفَكَّرُوا فِي هَذَا المَشْهَدِ الرَّهِيبِ، الَّذِي تُهَاطِعُ فِيهِ الأَعْنَاقُ، وَتَطِيشُ فِيهِ العُقُولُ، فالشَّمْسُ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا فِي الدُّنْيَا مَلاَيِينُ الأَمْيَالِ الفَلَكِيَّةِ، إِذَا اقْتَرَبَتْ في فصل الصيف شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ مَالَتْ فِي الظَهِيرَةِ، شَكَوْنَا حَرَّهَا، وَلُذْنَا بِالظِّلاَلِ وَالمَاءِ البَارِدِ؛ فكَيْفَ بِهَا إِذَا أُدْنِيَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مِقْدَارِ مِيلٍ وَاحِدٍ -سَوَاءٌ كَانَ مِيلَ المَسَافَةِ أَوْ مِيلَ المُكْحُلَةِ- مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَضُوعِفَتْ حَرَارَتُهَا وَتَوَقُّدُهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لاَ يَكْتَنِهُهَا العَقْلُ، حَتَّى تَغْلِيَ الجَمَاجِمُ وَالأَفْئِدَةُ وَالهَوَامُّ كَمَا تَغْلِي القُدُورُ المَشْعُولَةُ عَلَى الأَثَافِيِّ فِي شِدَّةِ النِّيرَانِ؟،
ثُمَّ يَنْبَعِثُ العَرَقُ الغَزِيرُ مِنَ الأَبْدَانِ، فَيَفُوضُ فِي الأَرْضِ، بَلْ يَبْلُغُ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي العُمْقِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ لِيُغَرِّقَ أَجْسَادَ الخَاطِئِينَ؛ وَيَكُونُ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ فِي العَرَقِ بِحَسَبِ الأَوْزَارِ وَالآثَامِ، الَّتِي ارْتَكَبَهَا العَبْدُ، لَيْسَ بِحَسَبِ أَبْدَانِهِمْ وَلاَ أَنْسَابِهِمْ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ عَرَقُهُ المُشْتَعِلُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصِلُ عَرَقُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ فَيَعُوقُ حَرَكَتَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْتَفِعُ عَرَقُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ، فَيَشَلُّ مُنْتَصَفَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ العَرَقُ فَمَهُ وَأُنُوفَهُ، فَيُلْجِمُهُ إِلْجَامًا كَمَا يُلْجَمُ الدَّابَّةُ، فَيَغْرَقُ فِي آثَامِهِ وَبَغْيِهِ، وَيَتَمَنَّى لَوْ يُقْضَى عَلَيْهِ وَلَوْ إِلَى النَّارِ لِشِدَّةِ مَا يَلْقَاهُ فِي المَوْقِفِ.
إِنَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ لَدَلاَلاَتٍ قَاطِعَةً، تُرْشِدُ الأُمَّةَ إِلَى الحَذَرِ الشَّدِيدِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَظَالِمِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الفَانِيَةِ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ نُطِقَ بِهَا اللِّسَانُ، أَوْ اقْتَرَفَتْهَا الجَوَارِحُ، أَوْ أُخْفِيَتْ فِي الصُدُورِ، عَرَقًا وَحَرًّا وَسَمُومًا، يَزِيدُ فِي كَرْبِ المَوْقِفِ.
كَمَا تُبَيِّنُ هَذِهِ النُّصُوصُ: أَنَّ النَّجَاةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، لاَ تَكُونُ بِالأَمْوَالِ المَكْنُوزَةِ، وَلاَ بِالمَنَاصِبِ الرَّفِيعَةِ، وَلاَ بِالأَنْسَابِ الشَّرِيفَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالتَّقْوَى الخَالِصَةِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، الَّذِي يَسْتَجْلِبُ ظِلَّ العَرْشِ الرَّحْمَنِيِّ السَّابِغِ، حِينَمَا تُعْدَمُ الظِّلاَلُ فِي الأَرْضِ، وَلاَ يَبْقَى إِلاَّ رَحْمَةُ الجَبَّارِ جَلَّ جَلاَلُهُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «أَهْوَالُ المَوْقِفِ وَظِلُّ العَرْشِ المَمْدُودُ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فِي وَسَطِ ذَلِكِ الهَوْلِ العَظِيمِ المَاحِقِ، وَالحَرِّ الشَّدِيدِ، الَّذِي تَنْتَخِبُ مِنْهُ الأَفْئِدَةُ، وَحِينَمَا لاَ يَكُونُ عَلَى أَرْضِ المَحْشَرِ جَبَلٌ يُمَدُّ ظِلُّهُ، وَلاَ شَجَرٌ تُطْرَحُ أَوْرَاقُهُ، وَلاَ بِنَاءٌ يُسْتَظَلُّ بِهِ، يُكْرِمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَصْنَافًا مُبَارَكَةً مَخْصُوصَةً مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ؛ فَيَظُّلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، مَعْزُولِينَ عَنْ هَوْلِ المَوْقِفِ، نَاعِمِينَ بِالسَّكِينَةِ وَالأَمْنِ وَالرَّاحَةِ.
وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي حَدِيثِهِ سَبْعَةَ أَصْنَافٍ، اسْتَحَقُّوا هَذِهِ المَزِيَّةَ العُظْمَى، وَهَذَا التَّكْرِيمَ الإِلَهِيَّ الفَرِيدَ؛ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا أَهْوَاءَ نُفُوسِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَآثَرُوا مَرْضَاةَ اللَّهِ عَلَى الشَّهَوَاتِ المُدَلَّكَةِ.
يقول صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
فتَفَكَّرُوا فِي هَؤُلاَءِ السَّبْعَةِ، وَاسْتَجْلُوا الأَسْبَابَ الإِيمَانِيَّةَ، الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا هَذِهِ المَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، وهم:
“الإِمَامُ العَادِلُ“: وقُدِّمَ فِي الذِّكْرِ لِعُمُومِ نَفْعِهِ؛ حَيْثُ أَقَامَ عَدْلَ اللَّهِ فِي الرَّعِيَّةِ، وَقَهَرَ شَهْوَةَ الظُّلْمِ وَالاِسْتِكْبَارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَأَمَّنَ العِبَادَ فِي الدُّنْيَا، فُأَمَّنَهُ اللَّهُ فِي الآخِرَةِ.
و “شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ”: فاسْتَحَقَّ الظِّلَّ، لأَنَّهُ قَهَرَ فَوْرَةَ الشَّبَابِ الجَامِحَةَ، وَدَحَرَ الشَّهَوَاتِ المُشْتَعِلَةَ، فِي عُمْرٍ تُقْبِلُ فِيهِ النَّفْسُ عَلَى اللَّذَّاتِ، فَصَرَفَ قُوَّتَهُ وَعُنْفُوَانَهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ.
و “رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ“: فاسْتَحَقَّ الظِّلَّ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِ رُوحِهِ بِبُيُوتِ اللَّهِ، وَأَمَاكِنِ المُنَاجَاةِ؛ فَكَانَ كَالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ، الَّذِي إِذَا خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ كَانَ بَدَنُهُ فِي الأَسْوَاقِ، وَقَلْبُهُ يَفُوضُ شَوْقًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ.
و “رَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ”: اسْتَحَقَّا الظِّلَّ لأَنَّهُمَا نَقَّيَا أُخُوَّتَهُمَا مِنْ أَدْرَانِ المَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفَانِيَةِ، فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَقْوَى اللَّهِ، وَافْتِرَاقُهُمَا عَلَى طَاعَتِهِ، لاَ تُغَيِّرُهُمَا الأَيَّامُ.
و “رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ”: فاسْتَحَقَّ الظِّلَّ، لأَنَّهُ قَدَّمَ خَشْيَةَ الجَبَّارِ عَلَى أَعْظَمِ الفِتَنِ، وَأَشَدِّ الدَّوَاعِي، الَّتِي تَتَسَاقَطُ أَمَامَهَا العَزَائِمُ، حَيْثُ اجْتَمَعَ في المرأة الجَمَالُ وَالمَنْصِبُ وَالدَّعْوَةُ، مَعَ أَمْنِ الرَّقِيبِ البَشَرِيِّ، فَصَرَخَ قَلْبُهُ: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ».
و “رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا“: فاسْتَحَقَّ الظِّلَّ لِكَمَالِ إِخْلاَصِهِ، حَيْثُ فَرَّ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَإِعْجَابِ الخَلْقِ، وَاحْتَاطَ لِسِرِّهِ، حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ شِمَالَهُ تَعْقِلُ لَمَا عَلِمَتْ بِمَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ.
و “رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ“: فاسْتَحَقَّ الظِّلَّ لأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فِي ظُلُمَاتِ الخَلَوَاتِ، حَيْثُ لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، فاسْتَحْضَرَ هَيْبَةَ الجَبَّارِ وَجَلاَلَهُ، فَرَقَّ قَلْبُهُ، وَانْفَجَرَتْ دُمُوعُهُ خَشْيَةً وَاشْتِيَاقًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما أثَر العَمَلِ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ الجَلِيلَيْنِ في حَيَاةِ الفَرْدِ، وَصَلاَحِ المُجْتَمَعِ:
فإِذَا اسْتَحْضَرَ العَبْدُ المُؤْمِنُ هَوْلَ المَوْقِفِ، وَدُنُوَّ الشَّمْسِ، وَشدة العَرَقِ، سَارَعَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ إِلَى غَرْسِ خِصَالِ هَؤُلاَءِ السَّبْعَةِ فِي نَفْسِهِ، فَحَفِظَ عُهُودَ الشَّبَابِ، وَعَلَّقَ قَلْبَهُ بِالمَسَاجِدِ، وَنَقَّى حُبَّهُ لِلإِخْوَانِ، وَعَفَّ عَنِ الحَرَامِ فِي الخَلَوَاتِ، وَأَخْفَى صَدَقَاتِهِ، وَبَكَى مَسْتُورًا فِي مِحْرَابِهِ، فَيَعِيشُ سَلِيمَ الصَّدْرِ، طَاهِرَ اليَدِ، مُطْمَئِنَّ الرُّوحِ.
وَإِذَا سَادَتْ هَذِهِ الخِصَالُ الإِيمَانِيَّةُ فِي جَسَدِ المُجْتَمَعِ: انْتَشَرَ العَدْلُ فِي الحُكَّامِ، وَالعَفَافُ فِي الشَّبَابِ، وَالتَّرَاحُمُ بَيْنَ الإِخْوَةِ، وَالأَمَانَةُ فِي المُعَامَلاَتِ، وَعَمَّ النُّورُ وَالبَرَكَةُ فِي الأَرْضِ، وَصَارَ المُجْتَمَعُ كُلُّهُ سَالِكًا سَبِيلَ النَّجَاةِ، لِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّ الـرَّحْمَنِ، يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَخَافُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، وَاحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الخِصَالِ السَّبْعِ المُبَارَكَةِ، لِتَنَالُوا الأَمْنَ وَالظِّلَّ المَمْدُودَ، وَلِتَفُوزُوا بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاء
