خطبة حول حديث ( مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ)
فبراير 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِخْلَاصُ الصَّائِمِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:5]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» [صحيح البخاري]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الْإِخْلَاصَ هُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ، وَمِيزَانُ الْقَبُولِ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا مِنْ عِبَادَةٍ تَتَجَلَّى فِيهَا حَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ كَمَا تَتَجَلَّى فِي “الصِّيَامِ”؛ فَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ بَاطِنَةٌ، وَسِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ، وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَهُ، وَلَا بَشَرٌ فَيُرَائِيَ بِهِ، لِذَلِكَ اخْتَصَّهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّهُ لِي»؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ يَقْدِرُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ، حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، ولَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ إِجْلَالاً وَخَوْفاً وَمَحَبَّةً لِلَّهِ، وهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ الْحَقِيقِيُّ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ خَالِصاً لِوَجْهِ اللَّهِ.
(إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي): والْحِكْمَة مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، تَعُودُ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ حَقَّقَ مَقَامَ “الْإِحْسَانِ”؛ فَعَبَدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَلَمَّا انْفَرَدَ الصَّائِمُ بِتَرْكِ مَحْبُوبَاتِهِ لِأَجْلِ خَالِقِهِ، انْفَرَدَ اللَّهُ بِجَزَائِهِ جَزَاءً لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ، والْإِخْلَاص فِي الصِّيَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْكِ الْأَكْلِ، بَلْ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لَكَ عَلَى كُلِّ سَكْنَةٍ وَحَرَكَةٍ فِي يَوْمِكَ هُوَ قَوْلُكَ: «مِنْ أَجْلِي» كَمَا قَالَ رَبُّكَ، فَمَتَى صَحَّ الْبَاعِثُ، صَحَّ الْعَمَلُ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْمَوْعُودُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ.
(إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي): وإِنَّنَا فِي زَمَنٍ طَغَتْ فِيهِ “الْمَظَاهِرُ” وَكَثُرَتْ فِيهِ صُوَرُ “الرِّيَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ”، فنَحْتَاجُ إِلَى وَقْفَةٍ مَعَ أَنْفُسِنَا؛ هَلْ نَصُومُ لِأَنَّ النَّاسَ صَائِمُونَ؟، أَمْ نَصُومُ “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا”؟، فإِنَّ الْإِخْلَاصَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الصَّائِمَ بَشُوشاً بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ بَلَغَ مِنْهُ الْجُوعُ مَبْلَغَهُ، لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِلَّهِ لَا لِلثَّنَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ فِي خَلْوَتِهِ كَمَا فِي جَلْوَتِهِ، فَالْمُخْلِصُ لَا يَتَغَيَّرُ خُلُقُهُ بِتَغَيُّرِ الرَّقِيبِ مِنَ الْبَشَرِ، لِأَنَّ رَقِيبَهُ الْأَزَلِيَّ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَنَامُ.
واعْلَمُوا أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ صِيَامَنَا هُوَ “إِرَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ”؛ فَمَنْ صَامَ لِيُقَالَ “زَاهِدٌ”، أَوْ لِيُقَالَ “عَابِدٌ”، فَقَدْ حُرِمَ بَرَكَةَ «فَإِنَّهُ لِي»،
(إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي): فشهر رَمَضَانَ مَيْدَانٌ لِتَرْبِيَةِ الْقُلُوبِ عَلَى “الْإِخْبَاتِ”؛ فَلْتَكُنْ نِيَّاتُكُمْ خَالِصَةً كَالْمَاءِ الزَّلَالِ، واجْعَلُوا لَكُمْ خَبِيئَةً مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، فَمَا رُفِعَ عَبْدٌ إِلَى مَقَامَاتِ الْقُرْبِ إِلَّا بِجَنَاحِ الْإِخْلَاصِ، فَلْنُجَدِّدْ نِيَّاتِنَا، وَلْنُطَهِّرْ مَقَاصِدَنَا، لَعَلَّنَا نَكُونُ مِمَّنْ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ الْمُخْلِصُونَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل:19-21]. وَفي الحديث: (عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» [صحيح البخاري].
فاعلموا أن ثَمَرَةَ الْإِخْلَاصِ فِي الصِّيَامِ هِيَ “الرِّضَا”؛ فَالْمُخْلِصُ لَا يَسْتَوْحِشُ لِقِلَّةِ السَّائِرِينَ، وَلَا يَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ، فهَمُّهُ الْوَحِيدُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَدَعُ طَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي»، فهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِذَا قِيلَتْ فِي حَقِّكَ فِي السَّمَاءِ، كَانَتْ نُوراً لَكَ فِي قَبْرِكَ، وَأَمْناً لَكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَاحْذَرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِنْ إِحْبَاطِ أَعْمَالِكُمْ بِالتَّفَاخُرِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ أَوْ كَثْرَةِ الْخَتَمَاتِ أَمَامَ النَّاسِ؛ فَالْمُخْلِصُ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ السَّيِّئَاتِ.
(إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي): فاجْعَلُوا صِيَامَكُمْ تِجَارَةً مَعَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّاسَ لَنْ يَنْفَعُوكُمْ يَوْمَ تَبْلُغُ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، فإِنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ بَقِيَ وَاتَّصَلَ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِهِ انْقَطَعَ وَانْفَصَلَ.
وَنَحْنُ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الشَّهْرِ، لْنَسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا “صِدْقَ الْقَصْدِ”؛ فَرُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ لِفَقْدِ الْإِخْلَاصِ، وَرُبَّ قَلِيلٍ مِنَ الْعَمَلِ نَمَّاهُ الْإِخْلَاصُ حَتَّى صَارَ كَالْجِبَالِ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا خَالِصاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْخَلْقِ فِيهِ نَصِيباً. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتَنَا خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِنَا، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (إِخْلَاصُ الصَّائِمِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل حديثنا عن: (إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي): (إِخْلَاصُ الصَّائِمِ): ونأتي إلى هذا السؤال: مَاذَا يَصْنَعُ الإِخْلَاصُ فِي قَلْبِ الصَّائِمِ؟، والجواب: يُحَوِّلُ العَادَةَ إِلَى عِبَادَةٍ: فالصِّيَامُ بِلَا إِخْلَاصٍ هُوَ “إِضْرَابٌ عَنِ الطَّعَامِ” أَوْ “حِمْيَةٌ صِحِّيَّةٌ”، أَمَّا بِالإِخْلَاصِ فَهُوَ قُرْبَةٌ تَرْفَعُكَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ.
والصيام يُورِثُ مُرَاقَبَةَ اللهِ: فالصَّائِمُ يَتَرَبَّى ثَلَاثِينَ يَوْمًا عَلَى أَنَّ اللهَ مَعَهُ فِي سِرِّهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا المَعْنَى فِي قَلْبِهِ، صَارَ الإِخْلَاصُ لَهُ مَنْهَجَ حَيَاةٍ بَعْدَ رَمَضَانَ؛ فَلَا يَكْذِبُ وَلَا يَخُونُ لِأَنَّ الَّذِي رَاقَبَهُ فِي الصِّيَامِ يُرَاقِبُهُ فِي كُلِّ حِينٍ.
والصيام يُعَظِّمُ الأَجْرَ بِلَا حِسَابٍ: فعِنْدَمَا قَالَ اللهُ “وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا كَانَ الصِّيَامُ سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، سَأَجْعَلُ جَزَاءَهُ سِرًّا عَظِيمًا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وسؤال آخر: كَيْفَ نُحَقِّقُ الإِخْلَاصَ فِي صِيَامِنَا؟، والجواب: أَوَّلاً: بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ؛ فَإِذَا حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ بِمَدِيحِ النَّاسِ، فَذَكِّرْهَا بِقَوْلِ اللهِ “فَإِنَّهُ لِي”، فمَاذَا يَنْفَعُكَ ثَنَاءُ الخَلْقِ إِذَا كُنْتَ عِنْدَ الخَالِقِ مَرْدُودَ العَمَلِ؟،
ثَانِيًا: بِإِخْفَاءِ العِبَادَةِ مَا اسْتَطَعْتَ؛ فَلَا تَجْعَلْ عَلَامَةَ صَوْمِكَ تَقْطِيبَ الوَجْهِ أَوْ إِظْهَارَ التَّعَبِ لِيُقَالَ “مَا أَصْبَرَهُ!”، بَلْ كُنْ بَشُوشاً جَوَاداً، وَاجْعَلْ صَوْمَكَ خَبِيئَةً بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ.
ثَالِثًا: بِتَحْقِيقِ “الإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ”؛ كَمَا قَالَ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَالِاحْتِسَابُ هُوَ صَمِيمُ الإِخْلَاصِ.
عِبَادَ اللهِ.. فمَنْ أَخْلَصَ للهِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، أَخْلَصَ اللهُ لَهُ النَّعِيمَ فِي جَنَّاتٍ خَالِدَاتٍ. فَاجْعَلُوا صِيَامَكُمْ مَحْضاً لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، لِتَنَالُوا جَزَاءَ “وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَفِي السِّرِّ وَالعَلَنِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا خَالِصاً لِوَجْهِكَ، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ. اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ.
الدعاء
