خطبة عن (إِخْلَاصُ الصَّائِمِ)
فبراير 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:123]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح:1]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» [صحيح مسلم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ لَيْسَ شَهْرَ خُمُولٍ، وَلَا مَوْسِمَ كَسَلٍ، بَلْ هُوَ فِي تَارِيخِ أُمَّتِنَا عُنْوَانٌ لِلْعِزَّةِ، وَمَيْدَانٌ لِلْبُطُولَةِ، إِنَّهُ “شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ” الْكُبْرَى، الَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ، ففِيهِ كَانَ “يَوْمُ الْفُرْقَانِ”، فِي بَدْرٍ، حَيْثُ نَصَرَ اللَّهُ الْقِلَّةَ الْمُؤْمِنَةَ، عَلَى الْكَثْرَةِ الْكافِرَةِ، لِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِالْعُدَدِ وَالْعُدَدِ، وَلَكِنْ بِيَقِينِ الْقُلُوبِ وَالثِّقَةِ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ، ورَمَضَان يُعَلِّمُنَا أَنَّ الصِّيَامَ قُوَّةٌ لَا ضَعْفٌ، وَأَنَّ الِانْتِصَارَ عَلَى الْعَدُوِّ يَبْدَأُ مِنَ الِانْتِصَارِ عَلَى النَّفْسِ.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): وَمِنْ أَعْظَمِ جِهَادِ هَذَا الشَّهْرِ وانتصاراته: أَنَّهُ شَهْدَ “الْفَتْحَ الْأَعْظَمَ”، فَتْحَ مَكَّةَ، فِي الْعَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ، فدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مُتَوَاضِعاً لِلَّهِ، مُحَطِّماً لِلْأَصْنَامِ، لِيُرْسِيَ قَوَاعِدَ التَّوْحِيدِ، وَتَتَالَتِ الِانْتِصَارَاتُ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَبْرَ الْقُرُونِ؛ مِنْ فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى مَعْرَكَةِ عَيْنِ جَالُوتَ، الَّتِي أَوْقَفَتْ زَحْفَ التَّتَارِ، وكُلُّ هَذِهِ الْمَلَاحِمِ سُطِّرَتْ بِدِمَاءِ الصَّائِمِينَ، وَتَكْبِيرَاتِ الْقَانِتِينَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الْحَرَكَةِ، وَالْبِنَاءِ، وَالْعَمَلِ، لَا شَهْرَ النَّوْمِ، وَتَضْيِيعِ الْأَوْقَاتِ خَلْفَ الشَّاشَاتِ.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): وإِنَّنَا الْيَوْمَ –أمة الاسلام- نَحْتَاجُ إِلَى اسْتِلْهَامِ فِقْهِ الِانْتِصَارِ مِنْ مَدْرَسَةِ الصِّيَامِ، فَالِانْتِصَارُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ انْتِصَارُ الْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي سُلُوكِنَا؛ انْتِصَارُ الْأَمَانَةِ عَلَى الْخِيَانَةِ، وَانْتِصَارُ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ، وَانْتِصَارُ الْعَدْلِ عَلَى الظُّلْمِ، ومَنْ يَنْتَصِرُ عَلَى شَهْوَةِ بَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَلِسَانِهِ فِي رَمَضَانَ، فهُوَ الْأَقْدَرُ عَلَى الِانْتِصَارِ عَلَى صِعَابِ الْحَيَاةِ، وَتَحَدِّيَاتِ الْعَصْرِ، فلَا نَصْرَ لِأُمَّةٍ لَا تَمْلِكُ زِمَامَ نَفْسِهَا، وَلَا عِزَّةَ لِقَوْمٍ ضَيَّعُوا فَرِيضَةَ رَبِّهِمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فالْتَمِسُوا أَسْبَابَ النَّصْرِ فِي لَيَالِي هَذَا الشَّهْرِ؛ فَالنَّصْرُ يُسْتَنْزَلُ بِالدُّعَاءِ فِي الْأَسْحَارِ، وَبِالْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ لِلْمُحْتَاجِينَ، فإِنَّ تَفَقُّدَكَ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ، وَإِعَانَتَكَ لِلْمَكْرُوبِ، هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَنْظُومَةِ الِانْتِصَارِ التَّكَافُلِيِّ، الَّذِي جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ، ولَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ السَّخَاءَ انْتِصَارٌ عَلَى الشُّحِّ وَالْأَنَانِيَّةِ، فَلْنُرِ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْراً، وَلْنَجْعَلْ مِنْ شَهْرِنَا هَذَا مَحَطَّةً لِفُتُوحَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ، تَبْدَأُ مِنَ الْقُلُوبِ، لِتُضِيءَ الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:7].
وَفي الحديث: (عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ» [مسند أحمد]. فإِنَّ وَصْفَ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ “جُنَّةٌ” -أَيْ وِقَايَةٌ وَسِتْرٌ- هُوَ جَوْهَرُ الِانْتِصَارِ الدِّفَاعِيِّ لِلْمُؤْمِنِ؛ فَهُوَ يَقِيكَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَيَقِيكَ مِنْ سَخَطِ الرَّحْمَنِ، وَيَقِيكَ مِنْ سَقْطَاتِ الْأَخْلَاقِ،
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): والِانْتِصَار فِي رَمَضَانَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ السَّهَرِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، بَلْ بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَالْمُنْتَصِرُ الْحَقُّ: هو مَنْ خَرَجَ مِنَ الشَّهْرِ بِذَنْبٍ مَغْفُورٍ، وعمل مقبول، وَقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَعَهْدٍ وَثِيقٍ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): فاجْعَلُوا مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فُرْصَةً لِلِانْتِصَارِ عَلَى الْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاءِ؛ فَأَعْظَمُ فَتْحٍ هُوَ فَتْحُ الْقُلُوبِ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّسَامُحِ، وصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَحْسِنُوا إِلَى جِيرَانِكُمْ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً. وَتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): ولِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا جُنْدِيّاً فِي مَعْرَكَةِ الْإِصْلَاحِ؛ التي تَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فَيُزَكِّيهَا، وَبِأَهْلِهِ فَيُعَلِّمُهُمْ، فاللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْفَائِزِينَ بِمَغْفِرَتِكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ عَامَنَا هَذَا عَامَ فَتْحٍ وَنَصْرٍ وَبَرَكَةٍ. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:4-5].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
مازال حديثنا موصولا عن: (رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): فإِنَّ شهر رَمَضَانَ فِي وِجْدَانِ الأُمَّةِ لَيْسَ شَهْرَ خُمُولٍ وَلَا اسْتِرْخَاءٍ، بَلْ هُوَ مِيعَادٌ مَعَ النَّصْرِ، فمعْظَم المَلَاحِمِ الَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى الزَّمَانِ، لَمْ تَقَعْ إِلَّا وَالسِّيَافُ تَلْمَعُ فِي أَيْدِي الصَّائِمِينَ، وَالقُلُوبُ تَرْجُفُ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّ العَالَمِينَ.ونَحْنُ اليَوْمَ نَعِيشُ شهر رَمَضَانَ، ولَكِنْ أَيْنَ نَحْنُ مِنْ “نَصْرِ رَمَضَانَ”؟،
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): إِنَّ الِانْتِصَارَ الَّذِي نَنْشُدُهُ اليَوْمَ هُوَ: انْتِصَارٌ عَلَى الفُرْقَةِ وَالشَّتَاتِ: أَنْ تَجْتَمِعَ قُلُوبُ المُسْلِمِينَ كَمَا تَجْتَمِعُ أَبْدَانُهُمْ عِنْدَ الإِفْطَارِ.
وانْتِصَارٌ عَلَى الجَهْلِ وَالتَّخَلُّفِ: أَنْ نَكُونَ أُمَّةً تَقْرَأُ كَمَا بَدَأَ نُزُولُ “اقْرَأْ” فِي رَمَضَانَ. وانْتِصَارٌ لِلمُسْتَضْعَفِينَ: فلَا نَنْسَى إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يُضَامُ فِيهِ مُسْلِمٌ، ونَصْرُهُمْ يَبْدَأُ مِنْ تَوْبَتِنَا، وَدُعَائِنَا، وَصِدْقِ صِيَامِنَا.
(رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ): فيا عِبَادَ اللهِ.. مَنْ انْتَصَرَ عَلَى سِيجَارَتِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَى هَوَاهُ طِيلَةَ العَامِ، وَمَنْ انْتَصَرَ عَلَى نَوْمِهِ، لِيَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَجْدَ أُمَّتِهِ، فرَمَضَانُ لَيْسَ لِلْبُكَاءِ عَلَى الأَطْلَالِ، بَلْ لِصِنَاعَةِ الرِّجَالِ.
فاللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَاذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ كَمَا نَصَرْتَ أَهْلَ بَدْرٍ وَهُمْ صِيَامٌ، انْصُرْ أُمَّتَنَا عَلَى أَعْدَائِهَا، وَانْصُرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَشَهَوَاتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا شَهْرَ فَتْحٍ وَبَرَكَةٍ وَعِزٍّ لِلمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
الدعاء
