خطبة عن (صَدَقَةُ الْفِطْرِ)
مارس 16, 2026خطبة عن (ثَبَاتُ المُؤْمِنِ بَعْدَ رَمَضَانَ)
مارس 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عيد الفطر: (فَلْيَفْرَحُوا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (58) يونس، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» [صحيح البخاري].
إخوة الإسلام
هَنِيئاً لَكُمْ أيها المسلمون، هَنِيئاً لَكُمْ أيها الصائمون، هَنِيئاً لَكُمْ هَذَا الْيَوْمُ الْأَغَرُّ، وَهَنِيئاً لَكُمْ هَذِهِ الْفَرْحَةُ الَّتِي تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَالْأَرْجَاءَ، إِنَّ عِيدَنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَادَةٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ لَهْوٍ، بَلْ هُوَ شُكْرٌ، فنحن نَفْرَحُ الْيَوْمَ لِأَنَّ اللَّهَ أَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَأَعَانَنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَبَلَّغَنَا يَوْمَ الْجَائِزَةِ،
ففَرْحَة الْمُؤْمِنِ بِعِيدِهِ هِيَ فَرْحَةٌ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ؛ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)، وفي صحيح البخاري: كان صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلاَ صُمْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا).
فهَنِيئاً لَكُمْ هَذَا الصَّبَاحُ المَشْرِقُ بِبَسَمَاتِ الرِّضَا، وهَنِيئاً لَكُمْ هَذَا الجَمْعُ الَّذِي يُغِيظُ الشَّيْطَانَ، وَيَسُرُّ الرَّحْمَنَ،
فاليَوْمَ نَقُولُ لِلْعَالَمِ أَجْمَعِ: نَحْنُ نَفْرَحُ بِمَا آتَانَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، نَفْرَحُ لِأَنَّنَا أَدَّيْنَا الأَمَانَةَ، وَجَاهَدْنَا النَّفْسَ شَهْراً كَامِلاً، فإِنَّ فَرْحَتَنَا اليَوْمَ لَيْسَتْ فَرْحَةَ مَنْ تَحَرَّرَ مِنْ عِبَادَةٍ، بَلْ هِيَ فَرْحَةُ طاعة، فرحة مَنْ “فَازَ” بالعِبَادَة،
فَالنَّاسُ يَفْرَحُونَ بِالمَالِ، وَيَفْرَحُونَ بِالجَاهِ، وَيَفْرَحُونَ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ أَرْقَى مِنْ ذَلِكَ؛ إِنَّهُ يَفْرَحُ بِأَنَّ لَهُ رَبّاً غَفُوراً، وَشَهْراً مَغْفُوراً، وَعَمَلاً مَقْبُولاً بِإِذْنِ اللهِ، وهَذَا هُوَ الفَرَحُ الحَقِيقِيُّ، الَّذِي لَا يَعْقِبُهُ نَدَمٌ، وَلَا يُخَالِطُهُ كَدَرٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ولِلْفَرَحِ فِي دِينِنَا “صُور” رَاقِيَةً تَلِيقُ بِمَقَامِ العُبُودِيَّةِ: الصُّورَةُ الأُولَى: فَرَحُ “الطَّاعَةِ”: فحِينَ يَسْجُدُ العَبْدُ سَجْدَةَ الشُّكْرِ لِأَنَّهُ أَتَمَّ الصِّيَامَ، وأطاع الرحمن، وفي مسند أحمد: قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ».
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: فَرَحُ “البَهْجَةِ المَشْرُوعَةِ”: فلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ يَوْمَ العِيدِ، وَيَقُولُ: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً»، فالإِسْلَامُ يُرِيدُكَ أَنْ تَلْبَسَ الجَدِيدَ، وَتَتَطَيَّبَ، وَتُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الدِّينِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: فَرَحُ “المُوَاسَاةِ”: أَنْ تَفْرَحَ حِينَ تَرَى اليَتِيمَ قَدْ لَبِسَ كَمَا لَبِسَ أَبْنَاؤُكَ، وَالفَقِيرَ قَدْ طَعِمَ كَمَا طَعِمْتَ، فهَذَا هُوَ الفَرَحُ الَّذِي يَمْتَدُّ إِلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ.
إِنَّ الْفَرَحَ بِالطَّاعَةِ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاةِ الْقَلْبِ، وَصِدْقِ الْإِيمَانِ، فَالَّذِي ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ فِي السَّحَرِ، وَلَذَّةَ الصَّبْرِ عَنِ الشَّهَوَاتِ فِي الْهَجِيرِ، هُوَ الْأَحَقُّ بِالْفَرَحِ الْيَوْمَ،
فَلْيَفْرَحِ الصَّائِمُونَ بِأَنَّ بَابَ “الرَّيَّانِ” يَنْتَظِرُهُمْ، وَلْيَفْرَحِ الْقَائِمُونَ بِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ –بِإِذْنِ اللَّهِ– قَدْ غُفِرَتْ، وَلْيَفْرَحِ الْمُتَصَدِّقُونَ بِأَنَّ صَدَقَاتِهِمْ قَدْ زَكَّتْ نُفُوسَهُمْ، هَذَا هُوَ الْفَرَحُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَبْلَى، وَالنَّعِيمُ الَّذِي لَا يَنْفَدُ.
وفرحنا فَرَحٌ مَقْرُونٌ بِالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَفَرَحٌ يَتَجَلَّى فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَتَقْدِيمِ الْهَدَايَا، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، فالْعِيدَ فُرْصَةٌ لِغَسْلِ الْقُلُوبِ مِنَ الضَّغَائِنِ، وَتَجْدِيدِ أَوَاصِرِ الْمَحَبَّةِ،
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَرَى اللَّهُ مِنَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ تَرَاحُماً وَتَعَاطُفاً، يَشْمَلُ الْيَتِيمَ وَالْأَرْمَلَةَ وَالْمُحْتَاجَ، لِيَكُونَ الْفَرَحُ عَامّاً فِي بَيْتِ كُلِّ مُسْلِمٍ.
ومِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ بَلَّغَنَا هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمُبَارَكَةَ فِي أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، فَلْنَحْذَرِ الْأَشَرَ وَالْبَطَرَ، وَلْنَحْذَرِ الْمَعَاصِيَ الَّتِي تَمْحَقُ بَرَكَةَ الطَّاعَةِ، فإِنَّ الَّذِي تَعَبَّدْنَا لَهُ فِي رَمَضَانَ بِتَرْكِ الْحَلَالِ، يَنْهَانَا فِي الْعِيدِ وَبَعْدَهُ عَنْ مُقَارَفَةِ الْحَرَامِ، فَلْيَكُنْ فَرَحُنَا مُنْضَبِطاً بِشَرْعِ اللَّهِ، مُعَبِّراً عَنْ سَمَاحَةِ هَذَا الدِّينِ وَرِقَّةِ أَخْلَاقِ أَهْلِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185]. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ» [سنن أبي داود].
واعْلَمُوا أَنَّ مِنْ عَلَامَةِ قَبُولِ الطَّاعَةِ فِي رَمَضَانَ اتِّبَاعَهَا بِالطَّاعَةِ بَعْدَهُ، فَلَا تَهْجُرُوا الْمَسَاجِدَ الَّتِي عَمَرْتُمُوهَا، وَلَا تَهْجُرُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي تَلَوْتُمُوهَا، وَمِنْ سُنَنِ الْفَرَحِ وَالشُّكْرِ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، كَمَا قَالَ ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [صحيح مسلم].
فانْشُرُوا الْبَهْجَةَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَتَبَادَلُوا التَّهَانِيَ، وَقُولُوا كَمَا كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: «تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ»، واجْعَلُوا هَذَا الْعِيدَ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، مِلْؤُهَا التَّسَامُحُ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْجِيرَانِ، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ نِعْمَةَ الْفَرَحِ بِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَيَّامَنَا كُلَّهَا أَعْيَاداً بِرِضَاهُ، تَقَبَّلَ اللَّهُ طَاعَاتِكُمْ، وَبَارَكَ لَكُمْ فِي أَعْمَارِكُمْ وَأَرْزَاقِكُمْ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِالْخَيْرِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَاتِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عيد الفطر: (فَلْيَفْرَحُوا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وكَمَالَ الفَرَحِ فِي العِيدِ لَا يَكُونُ إِلَّا بـ “صِلَةِ الأَرْحَامِ”، فلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَفْرَحَ بِالعِيدِ وَقَلْبُهُ يَحْمِلُ ضَغِينَةً عَلَى أَخِيهِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَحِمِهِ قَطِيعَةٌ، فالعِيدُ فُرْصَةٌ لِـ “غَسْلِ القُلُوبِ”، فاتَّصِلْ أيها المسلم بِمَنْ قَطَعَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَكُنْ أَنْتَ البَادِئَ بِالسَّلَامِ، فَـ “خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”.
كَمَا لَا نَنْسَى فِي عِيدِنَا هَذَا أَنْ نَفْرَحَ بِيَقِينِ “النَّصْرِ لِلأُمَّةِ”؛ فَمَهْمَا بَلَغَتِ الجِرَاحُ، وَمَهْمَا اشْتَدَّ الكَرْبُ عَلَى إِخْوَانِنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَإِنَّ عِيدَنَا هُوَ إِعْلَانٌ بِأَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أُمَّةٌ حَيَّةٌ، تَصُومُ لِلهِ، وَتُفْطِرُ لِلهِ، وَتَنْتَظِرُ الفَرَجَ مِنَ اللهِ.
واعْلَمُوا أَنَّ الْعِيدَ لَيْسَ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ، إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ خَافَ يَوْمَ الْوَعِيدِ، وَزَادَتْ طَاعَاتُهُ لِلْمَلِكِ الْمَجِيدِ، فاسْتَمِرُّوا عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالقُرْآنِ، وَلَا تَهْدِمُوا مَا بَنَيْتُمْ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ عِيدَنَا هَذَا عِيدَ بَرَكَةٍ وَرَحْمَةٍ، وتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَأَعِدْهُ عَلَيْنَا أَعْوَاماً عَدِيدَةً، وانْصُرِ الإِسْلَامَ وَأَعِزَّ المُسْلِمِينَ، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (180): (182) الصافات،
(وكل عام وأنتم بخير)
