خطبة عن (شَهْرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ)
يونيو 15, 2026الخطبة الأولى (العِبْرَةُ مِنْ مُرُورِ السِّنِينَ وَتَتَابُعِ الأَيَّامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) الفرقان: 62
إخوة الإسلام
نَحْنُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ نَقِفُ عَلَىٰ أَعْتَابِ حَادِثَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَتَكَرَّرُ، وَمِيقَاتٍ زَمَنِيٍّ يَتَجَدَّدُ؛ حَيْثُ نُوَدِّعُ عَامًا مَاضِيًا شَهِيدًا، وَنَسْتَقْبِلُ عَامًا مُقْبِلًا جَدِيدًا، وَإِنَّ سَاعَاتِ الرَّحِيلِ وَالِاسْتِقْبَالِ هَذِهِ، لَمْ تَجْعَلْهَا الشَّرِيعَةُ لِلْمَظَاهِرِ الجَوْفَاءِ، بَلْ جَعَلَتْهَا مَحَطَّةً لِلتَّفَكُّرِ، وَمَيْدَانًا لِلِاعْتِبَارِ.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقْرَعَ جُدْرَانَ القُلُوبِ اليَوْمَ: فَمَا هِيَ العِبْرَةُ الَّتِي نَأْخُذُهَا مِنْ مُرُورِ السِّنِينَ، وَتَتَابُعِ الأَيَّامِ؟، وكَيْفَ نَقْرَأُ حَرَكَةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ؟.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّاظِرَ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، يَعْلَمُ أَنَّ تَعَاقُبَ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ عَلَى العَبْدِ، لَيْسَ أَمْراً عَابِراً، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ، لَهَا مَقْصَدٌ جَلِيلٌ؛ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:62]. فَاللَّيْلُ يَخْلُفُ النَّهَارَ، وَالنَّهَارُ يَطْوِي اللَّيْلَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ فُرْصَةً لِلْمُتَذَكِّرِ، كَيْ يَتُوبَ مِمَّا جَنَاهُ، وَلِلشَّاكِرِ، كَيْ يَزْدَادَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّعَاقُبِ، فَإِنَّ مُرُورَ السَّنَوَاتِ قَدْ يَكُونُ نِعْمَةً عُظْمَى لِلْعَبْدِ، أَوْ نِقْمَةً كُبْرَى عَلَيْهِ؛ فَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ ﷺ: «مَنْ طَال عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» [سنن الترمذي].
فَالطُّولُ فِي العُمُرِ، مَعَ صَلَاحِ العَمَلِ، رَفْعٌ لِلدَّرَجَاتِ، وَلَكِنَّ الطُّولَ فِي العُمُرِ، مَعَ الغَفْلَةِ وَالإِصْرَارِ عَلَى المَعَاصِي، هُوَ اسْتِدْرَاجٌ وَوَبَالٌ.
واِسْمَعُوا لِلنِّدَاءِ الإِلَهِيِّ، الَّذِي يُوَبِّخُ أَهْلَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ يَقُولُ لَهُمْ رَبُّ العِزَّةِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:37]. لَقَدْ مَنَحَكُمُ اللَّهُ الوَقْتَ، وَأَعْطَاكُمُ السِّنِينَ، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، فما تذكرتم؟، فَمَاذَا صَنَعْتُمْ بِالأعمار والسنين؟
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ: أَنْ يَأْخُذَ العِبْرَةَ التَّامَّةَ مِنْ مُرُورِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وَيَطْوِيَانِ الأَعْمَارَ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وَيُشَيِّبَانِ الصِّغَارَ بِتَقَادُمِ السِّنِّ، وَيُفْنِيَانِ الكِبَارَ بِدُنُوِّ الأَجَلِ.
وَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ بِالإِنْسَانِ، فِإِنَّهُ عَمَلِيًّا يُبْعِدُهُ مِيلًا عَنِ الدُّنْيَا، وَيُقَرِّبُهُ مِيلًا مِنَ الآخِرَةِ!، ونَحْنُ نَفْرَحُ بِالأَيَّامِ نَقْطَعُهَا، وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى هُوَ جُزْءٌ مِنَّا قَدْ رَحَلَ.
وتَأَمَّلُوا – يَرعَاكُمُ اللَّهُ – هَذَا الأَثَرَ العَظِيمَ، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ (أَبُو نُعَيْمٍ): (عَنِ (الحَسَنِ البَصْرِيِّ) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يَنْشَقُّ فَجْرُهُ، إِلَّا نَادَى مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ: يَا بْنَ آدَمَ! أَنَا خَلْقٌ جَدِيدٌ، وَعَلَى عَمَلِكَ شَهِيدٌ، فَتَزَوَّدْ فِيَّ بِعَمَلٍ صَالِحٍ؛ فَإِنِّي لَا أَعُودُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [حلية الأولياء].
إِنَّهُ نِدَاءٌ صَارِمٌ، يُعْلِنُ الِانْقِطَاعَ الحَتْمِيَّ لِلْوَقْتِ؛ فَالنَّفَسُ الَّذِي يَخْرُجُ لَا يَعُودُ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي تَمْضِي، قُيِّدَتْ فِي دِيوَانِ الحِسَابِ، فَإِمَّا لَكَ، وَإِمَّا عَلَيْكَ.
فعَلَيْنَا حِينَ نَقِفُ بَيْنَ عَامَيْنِ: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ السَّعِيدَ السَّعِيدَ – وَاللَّهِ – مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ، وَتَفَكَّرَ فِي انْقِضَاءِ عُمُرِهِ، وَاسْتَفَادَ مِنْ وَقْتِهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
أَمَّا مَنْ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَرَكَ الأَيَّامَ تَقُودُهُ بِلَا زَادٍ، فَقَدْ تَصَرَّمَتْ أَوْقَاتُهُ، وَعَظُمَ فَوَاتُهُ، وَاشْتَدَّتْ حَسَرَاتُهُ يَوْمَ المَوْقِفِ العَظِيمِ؛ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ الكَرِيمِ مِنَ التَّفْرِيطِ وَالتَّسْوِيفِ.
إِنَّ دُسْتُورَ المُؤْمِنِ فِي كُلِّ مَنْعَطَفٍ زَمَنِيٍّ، هُوَ الأَمْرُ الإِلَهِيُّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:18].
وَمِنْ هُنَا انْطَلَقَتْ مَقُولَةُ الفَارُوقِ (عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِينَ قَالَ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ» [الزهد للإمام أحمد].
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (العِبْرَةُ مِنْ مُرُورِ السِّنِينَ وَتَتَابُعِ الأَيَّامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الحِسَابَ غَدًا دَقِيقٌ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً؛ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:92-93].
وَقَدْ شَرَحَ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ (الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هَذِهِ المَسْأَلَةَ، (حِينَ قَالَ لِرَجُلٍ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكَ؟، قَالَ: سِتُّونَ سَنَةً، قَالَ الفُضَيْلُ: فَأَنْتَ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً تَسِيرُ إِلَى رَبِّكَ، تُوشِكُ أَنْ تَبْلُغَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَالَ الفُضَيْلُ: «مَنْ عَلَمَ أَنَّهُ لِلَّهِ عَبْدٌ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ، فَلْيَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ عَلَمَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَلْيَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَسْئُولٌ، وَمَنْ عَلَمَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ، فَلْيُعِدَّ لِلْسُّؤَالِ جَوَابًا» [حلية الأولياء].
فَمَا هُوَ الجَوَابُ الَّذِي أَعْدَدْنَاهُ؟، فإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَدَّدَ لَنَا مَحَاوِرَ الِاخْتِبَارِ الإِلَهِيِّ، الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» [سنن الترمذي].
فاِنْظُرُوا كَيْفَ يُسْأَلُ الإِنْسَانُ عَنِ العُمُرِ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عَنِ السِّنِينَ كُلِّهَا عُمُومًا، وَمَرَّةً عَنْ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ خُصُوصًا، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ القُوَّةِ وَالعَطَاءِ.
وَلِكَيْ نَنْجُوَ فِي هَذَا الِامْتِحَانِ، وَضَعَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطَّةَ الِاغْتِنَامِ الخَمْسِيَّةَ، الَّتِي تَحْمِي أَوْقَاتَنَا؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» [أخرجه الحاكم فِي المستدرك، وصححه الألباني فِي صحيح الجامع].
فَعَلَيْنَا – أَيُّهَا المُسْلِمُونَ – وَنَحْنُ نَسْتَقْبِلُ هَذَا العَامَ الهِجْرِيَّ الجَدِيدَ، أَنْ نَفْتَحَ صَفْحَةً صَادِقَةً مَعَ اللَّهِ؛ نُحَاسِبُ فِيهَا أَنْفُسَنَا عَلَىٰ مَا مَضَى، وَنَعْزِمُ فِيهَا عَلَىٰ صَلَاحِ مَا بَقِيَ، نَقْطَعُ دَابِرَ التَّسْوِيفِ، وَنَعْمُرُ أَوْقَاتَنَا بِالطَّاعَاتِ، لِنَكُونَ مِنَ الخَيْرَةِ الَّذِينَ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ، وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ.
الدُّعَاءُ
