خطبة عن (الْعَفْوُ مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ)
يوليو 14, 2026الخطبة الأولى (الدَّفْعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (34)، (35) فصلت، وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (96) المؤمنون، وقال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الانعام:152. وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل:125. وقال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الاسراء:53.
إخوة الإسلام
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَأْتِ فَقَطْ لِتَنْظِيمِ رَوَابِطِ الْعِبَادَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، بَلْ جَاءَتْ لِتَبْنِيَ أُمَّةً تَتَرَابَطُ أَوْصَالُهَا عَلَى أَسَاسٍ مِنَ السُّمُوِّ الْأَخْلَاقِيِّ، وَالنَّقَاءِ النَّفْسِيِّ.
وَفِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْـمُشَاحَنَاتُ، وَتَسَارَعَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى الْمُقَابَلَةِ بِالْمِثْلِ -بَلْ وَبِالْأَزْيَدِ مِنَ الْإِسَاءَةِ- يَأْتِي التَّوْجِيهُ الْقُرْآنِيُّ، لِيَرْسَمَ مَنْهَجًا رَبَّانِيًّا فَرِيدًا، وهُوَ مَنْهَجُ ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): هَذَا الْمَبْدَأُ الْعَظِيمُ، لَيْسَ ضَعْفًا وَلَا خَوَرًا، بَلْ هُوَ قِمَّةُ الْقُوَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَانْتِصَارٌ لِلْعَقْلِ وَالْإِيمَانِ، عَلَى نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْأَوْحَدُ، لِتَحْوِيلِ الْعَدَاوَاتِ إِلَى صَدَاقَاتٍ، وَالْـجَفَاءِ إِلَى صَفَاءٍ.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): فإِنَّ الدَّفْعَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ شُؤُونِ الْـحَيَاةِ؛ فَقَدْ جَاءَ الْأَمْرُ بِهِ فِي مُقَابَلَةِ إِسَاءَةِ الْـخَلْقِ، حَيْثُ يَقُولُ الرَّحْمَنُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾،
فَالْـمُؤْمِنُ لَا يَرُدُّ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ، وَيُقَابِلُ الْـجَفْوَةَ بِالْبِشْرِ، وَالْقَطِيعَةَ بِالصِّلَةِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ قَهَرَ شَيْطَانَهُ، وَأَحْرَجَ خَصْمَهُ بِكَرَمِ أَخْلَاقِهِ.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): وَلَمْ يَقْتَصِرْ هَذَا الْمَبْدَأُ عَلَى رَدِّ الْإِسَاءَةِ فَحَسْبُ، بَلْ جَعَلَهُ اللهُ مِعْيَارًا لِلْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَحِمَايَةِ الضُّعَفَاءِ؛ فَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْيَتَامَى، فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
أَيْ لَا تَتَصَرَّفُوا فِي أَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِـمَا فِيهِ النَّفْعُ الْـمُـحَقَّقُ لَهُمْ، وَالتَّنْمِيَةُ لِأَمْوَالِهِمْ، مَعَ غَايَةِ الْوَرَعِ وَالْأَمَانَةِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
إِنَّ مَنْهَجَ ” (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): ” هُوَ أَيْضًا عِمَادُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَأَسَاسُ الْـحِوَارِ مَعَ الْآخَرِينَ؛ فَالْقُلُوبُ لَا تُفْتَحُ بِالْغِلْظَةِ، وَلا بالْعُنْفِ، وَإِنَّمَا تُفْتَحُ بِالرِّفْقِ، وَالْـحِكْمَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فَحَتَّى فِي مَقَامِ الْـمُـجَادَلَةِ وَالْـخِصَامِ الْفِكْرِيِّ، أَمَرَ اللهُ: أَنْ تَنْتَقِيَ النَّفْسُ أَطْيَبَ الْكَلِمَاتِ، وَأَلْيَنَ الْأَسَالِيبِ، لِإِقَامَةِ الْـحُجَّةِ بِرِفْقٍ.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): وَلِأَنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ رَسُولُ الْقَلْبِ، وَمِفْتَاحُ السِّلْمِ أَوِ الْـحَرْبِ، فَقَدْ جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِضَبْطِ اللِّسَانِ فِي الْـخِطَابِ الْيَوْمِيِّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
فَالشَّيْطَانُ يَتَرَبَّصُ بِالْكَلِمَةِ الْـمُـحْتَمِلَةِ لِلسُّوءِ لِيَزْرَعَ بِهَا الْبَغْضَاءَ، فَمَا لَمْ يَنْتَقِ الْـمُؤْمِنُ لَفْظَهُ، فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِخْوَانِهِ أَبْوَابَ الشَّقَاقِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الدَّفْعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وبَعْدَ أَنْ طَوَّفْنَا فِي رِيَاضِ هَذِهِ الآيَاتِ الْـمُـحْكَمَاتِ، نَجِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ رَتَّبَ عَلَى الدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثَمَرَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ انْقِلَابُ الْعَدُوِّ الْمُبْغِضِ إِلَى صَدِيقٍ مُـحِبٍّ مُنَاصِرٍ:
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْـمَنْزِلَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ الشَّامِخَةَ لَيْسَتْ سَهْلَةَ الْمَنَالِ؛ إِذْ تَحْتَاجُ إِلَى كَبْحِ جِمَاحِ النَّفْسِ، وَكَسْرِ كِبْرِيَائِهَا، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ اللهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّفْحِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَالْإِحْسَانِ مَعَ وُجُودِ الْإِسَاءَةِ، إِلَّا أَهْلُ الصَّبْرِ الْـمُصَابِرُونَ، وَأَصْحَابُ الْـحُظُوظِ الْوَافِرَةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَتَوْفِيقِ الرَّحْمَنِ.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): فإِنَّ تَطْبِيقَ هَذَا الْمَنْهَجِ فِي حَيَاتِنَا، يَعُودُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَعْظَمِ النَّتَائِجِ ؛حَيْثُ تَقِلُّ الْـخُصُومَاتُ فِي الْبُيُوتِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ، وَتَزُولُ الْإِحَنُ بَيْنَ الْـجِيرَانِ، وَتُحْفَظُ الروَّابِطُ فِي مَوَاقِعِ الْعَمَلِ.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): فَإِنَّ سُبُلَ الِاكْتِسَابِ الْعَمَلِيِّ لِـهَذَا الْــخُلُقِ الصَّعْبِ تَبْدَأُ أَوَّلًا: بِـكَظْمِ الْغَيْظِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَتَذَكُّرِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
ثُمَّ تَكُونُ بِـتَعْوِيدِ اللِّسَانِ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ، وَالتَّدَرُّبِ عَلَى التَّغَافُلِ؛ فَإِنَّ التَّغَافُلَ هُوَ نِصْفُ الْأَخْلَاقِ، وَبِهِ تُدْفَعُ كِبَارُ السَّيِّئَاتِ.
وَكَذَلِكَ بِـالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ عِنْدَ الْغَضَبِ، حَتَّى لَا يَدْفَعَ الْعَبْدَ إِلَى الِانْتِقَامِ لِنَفْسِهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَلْيِنُوا جَوَانِبَكُمْ، وَاجْعَلُوا ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” شِعَارًا لَكُمْ فِي أَقْوَالِكُمْ، وَأَفْعَالِكُمْ، وَمُـجَادَلَاتِكُمْ؛ لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْـحَظِّ الْعَظِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
الدُّعَاءُ
