خطبة عن (رِضَا الرَّحْمَنِ سَبِيلُ الأَمَانِ)
أغسطس 4, 2026الخطبة الأولى (التَّفَاهَةُ وَالتَّافِهونَ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:1-3]. وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع موضوع: (التَّفَاهَةِ وَالتَّافِهِينَ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ)، فتناول هذا الموضوع فِي زَمَنِنَا هَذَا، هُوَ عَيْنُ الجِهَادِ الفِكْرِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ؛ إِذْ نُوَاجِهُ في هذا الزمان طُوفَانًا غَيَّرَ مَعَايِيرَ القُدْوَةِ، وَتَسَيَّدَ فِيهِ السَّفَهَاءُ المَجَالِسَ وَالشَّاشَاتِ.
فالحديث اليَوْمَ لَيْسَ عَنْ قَضِيَّةٍ هَامِشِيَّةٍ، بَلْ عَنْ مَرَضٍ عُضَالٍ، افْتَرَسَ عُقُولَ الأُمَّةِ، وَأَفْسَدَ ذَوْقَهَا العَامَّ، وَهَدَّدَ قِيَمَ أَجْيَالِهَا؛ إِنَّهُ “التَّفَاهَةِ وَالتَّافِهِينَ”،
فقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ العَظِيمُ، لِيَبْنِيَ إِنْسَانًا عَالِيَ الهِمَّةِ، رَبَّانِيَّ الهَدَفِ، يَجْعَلُ نَفَسَهُ وَوَقْتَهُ وَعَقْلَهُ مَوْقُوفًا لِعِمَارَةِ الأَرْضِ، وَالفَوْزِ بِالآخِرَةِ.
وَلَكِنَّنَا للأسف، نَعِيشُ اليَوْمَ زَمَنًا انْقَلَبَتْ فِيهِ المـَوَازِينُ؛ فَصَارَ الخَامِلُ مَشْهُورًا، وَالسَّفِيهُ قُدْوَةً، وَتَصَدَّرَ مَجَالِسَ النَّاسِ وَشَاشَاتِهِمْ، مَنْ لَا يَجْرِي فِي عُرُوقِهِ نَفْحَةٌ مِنْ عِلْمٍ، أَوْ مُرُوءَةٍ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الِانْحِرَافِ، الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا،
فتَدَبَّرُوا هَذَا الوَصْفَ النَّبَوِيَّ المـُعْجِزَ، والذي جاء في الحديث، حين قال صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ﴾، (وَالرُّوَيْبِضَةُ) فِى اللُّغَةِ: هُوَ تَصْغِيرٌ لِلرَّابِضَةِ، وَهُوَ الرَّجُلُ الحَقِيرُ، الَّذِي يَرْبِضُ فِي مَسْكَنِهِ، لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا عَمَلَ، فَلَمَّا فَسَدَ عَقْلُ المـُجْتَمَعِ، نَطَقَ هَذَا ﴿الرَّجُلُ التَّافِهُ﴾ وَتَصَدَّرَ لِيُوَجِّهَ عُقُولَ العَامَّةِ!.
ومعلوم أنَّ هَذِهِ التَّفَاهَةَ تَتَصَادَمُ تَمَامًا مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، الَّتِي جَعَلَتْ أَعْظَمَ خِصَالِ المُؤْمِنِ الشَّكُورِ هِيَ: التَّرَفُّعَ عَنِ المـَلَاهِي؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ ﴿سَفَاسِفَ الأُمُورِ﴾ هِيَ رَدِيئُهَا، وَحَقِيرُهَا، وَمَا لَا نَفْعَ فِيهِ لِدِينٍ وَلَا لِدُنْيَا، وَالإِسْلَام قَدْ نَعَتَ أَهْلَ الفَلَاحِ بِأَنَّهُمْ سَادَةُ الهِمَمِ، الَّذِينَ يَصُونُونَ أَوْقَاتَهُمْ عَنِ العَبَثِ؛ فَقَالَ تَعَالَىٰ فِى أَوَّلِ صِفَاتِ الأَبْرَارِ فِي سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:3].
وَاللَّغْوُ هُوَ: كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ سَاقِطٍ لَا ثَمَرَةَ مِنْهُ، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَىٰ التَّرَفُّعَ عَنْ مَجَالِسِ التَّافِهِينَ عُنْوَانًا لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:72].
فَمَا بَالُ الكَثِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ قَدْ هَجَرُوا المـَعَالِيَ، وَارْتَمَوْا فِي مُسْتَنْقَعِ السَّفَاسِفِ؟.
وليكن معلوما: أنَّ زَمَنَ التَّفَاهَةِ هَذَا لَمْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ، بَلْ صَنَعَتْهُ أَيْدِي المـُتَابِعِينَ، الَّذِينَ هَجَرُوا عُلَمَاءَهُمْ، وَأَهْلَ الفِكْرِ وَالمُرُوءَةِ فِي أُمَّتِهِمْ، وَأَقْبَلُوا عَلَىٰ سَفَهَاءِ الشَّاشَاتِ، يَرْفَعُونَ أَرْقَامَهُمْ، وَيُثْرُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فَصَارَ المُجْتَمَعُ يَسْتَقِي قِيَمَهُ، وَأَخْلَاقَهُ، وَبِنَاءَ بُيُوتِهِ، مِنْ نِفَايَاتِ الأَفْكَارِ الَّتِي يَبُثُّهَا هؤلاء التَّافِهُونَ!. فَاعْلَمُوا أَنَّ العَقِيدَةَ الصَّادِقَةَ تَدْعُوكُمْ إِلَىٰ عِصْيَانِ طُوفَانِ الجَهْلِ، وَالِارْتِقَاءِ بِالعُقُولِ إِلَىٰ مَقَامَاتِ الجَلَالِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (التَّفَاهَةُ وَالتَّافِهونَ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:4]. وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَىٰ هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَٰلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَىٰ ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَٰلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ مِنْ هَذِهِ المـَعْرَكَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، يَقْتَضِي أَنْ نَفْهَمَ “آلِيَّةَ صِنَاعَةِ التَّفَاهَةِ رَقَمِيًّا”؛ فَنَحْنُ نَعِيشُ فِي عَصْرٍ يَقُومُ عَلَىٰ مَا يُسَمَّىٰ بـِ “اقْتِصَادِ المُتَابَعَةِ”، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ ضَغْطَةُ زِرٍّ مِنْكَ، أَوْ نَشْرُكَ لِمَقْطَعٍ تَافِهُ عَلَىٰ سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، إِلَىٰ رَأْسِ مَالٍ ضَخْمٍ، يُمَكِّنُ لِهَذَا السَّفِيهِ أَنْ يَتَسَيَّدَ المـَشْهَدَ!.
فإِنَّ المُسْلِمَ الَّذِي يُتَابِعُ هَؤُلَاءِ، فَيُشَاهِدُ يَوْمِيَّاتِهِمْ، وقنواتهم الفَارِغَةَ، وَتَبَذُّلَ نِسَائِهِمْ الكاسيات العاريات، وَتَفَاهَةَ عُقُولِهِمْ، وبرامجهم الساقطة، ويَظُنُّ المسلم أَنَّهُ يَتَسَلَّىٰ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ شَرِيكٌ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الضَّلَالَةِ، وَتَحْتَ طَائِلَةِ الوِزْرِ النَّبَوِيِّ :﴿كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ﴾.
والسؤال: كَيْفَ نُعَالِجُ هَذِهِ الأَزْمَةَ عَمَلِيًّا فِي مُجْتَمَعَاتِنَا؟، والجواب: إِنَّ العِلَاجَ يَبْدَأُ بـِ “الإِمَاتَةِ ، وبِالإِهْمَالِ”؛ فقْاطَعُوا مُتَابَعَةَ التَّافِهِينَ، وغَادِرُوا صَفْحَاتِهِمْ، وطَهِّرُوا هَوَاتِفَ أَبْنَائِكُمْ مِنْ نِفَايَاتِهِمْ؛ واغانيهم ورقصاتهم وحواراتهم، فَقَدْ قَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقُولَتَهُ الحَكِيمَةَ: «أَمِيتُوا الْبَاطِلَ بِالْكُفِّ عَنْ ذِكْرِهِ» [الزهد للإمام أحمد].
وَأَعِيدُوا الهَيْبَةَ وَالصَّدَارَةَ لِأَهْلِ العِلْمِ، وَالعَقْلِ، وَالمـُرُوءَةِ؛ فَالجِيلُ الَّذِي يَنْشَأُ وَقُدْوَتُهُ العَالِمُ وَالمـُخْتَرِعُ، وَالمـُجَاهِدُ البَادِلُ لِأُمَّتِهِ، هُوَ الجِيلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّمْكِينِ، أَمَّا جِيلٌ يَقُودُ عَقْلَهُ رَاقِصٌ أَوْ سَافِهٌ، فَقَدْ حَكَمَ عَلَىٰ نَفْسِهِ بِالذُّلِّ وَالهَوَانِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ مَسْؤُولِيَّةَ الوَالِدَيْنِ فِي هَذَا العَصْرِ الرَّقَمِيِّ، بَاتَتْ أَعْظَمَ مِنْ أَيِّ زَمَنٍ مَضَى؛ فَلَا تَجْعَلُوا هَوَاتِفَ أَبْنَائِكُمْ مَشَارِعَ مَفْتُوحَةً لِتَخْرِيبِ الفِطْرَةِ، وازْرَعُوا فِي نُفُوسِهِمْ عُلُوَّ الهِمَّةِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنَّ العُمُرَ أَنْفَاسٌ لَا تَعُودُ، وَأَنَّ المـَرْءَ يُحَاسَبُ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ.
واِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَحَاضِنَ لِلْمَعَالِي، تُرَبَّىٰ فِيهَا النُّفُوسُ عَلَىٰ القِيَمِ الإِسْلَامِيَّةِ الشَّامِخَةِ، لِنَكُونَ الأُمَّةَ الشَّاهِدَةَ عَلَى النَّاسِ، بِالعَدْلِ وَالعَقْلِ، لَا بِالتَّفَاهَةِ وَالضَّيَاعِ.
الدُّعَاءُ
