خطبة عن (السنن الكونية للنصر والتمكين)
سبتمبر 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (التَّفْسِير الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْقَارِعَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ) (1): (11) الْقَارِعَةُ.
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ التَّفْسِيرَ المَوْضُوعِيَّ لِقِصَارِ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، يَكْشِفُ عَنْ نَظْمٍ إِعْجَازِيٍّ فَرِيدٍ، يَرْبِطُ العَبْدَ بِدَلاَئِلِ التَّوْحِيدِ، وَعَظَمَةِ المَعَادِ،
وَإِنَّ سُورَةَ «الْقَارِعَةِ» هِيَ إِحْدَى السُّوَرِ المَكِّيَّةِ العَظِيمَةِ، الَّتِي تَرْتَكِزُ مَحَاوِرُهَا المَوْضُوعِيَّةُ عَلَى هَزِّ الوِجْدَانِ الإِنْسَانِيِّ، وَتَنْبِيهِ القُلُوبِ مِنَ الغَافلَةِ، وَتَرْسِيخِ حَقِيقَةِ اليَوْمِ الآخِرِ، وَمَا فِيهِ مِنْ أَهْوَالٍ، وَمَوَازِينَ دَقِيقَةٍ، وَمَصَائِرَ أَبَدِيَّةٍ.
وَيَتَجَلَّى المَحْوَرُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِهِ السُّورَةِ المَبَارَكَةِ فِي بَيَانِ «عَظَمَةِ القِيَامَةِ، وَانْقِسَامِ الخَلْقِ فِيهَا بِحَسَبِ ثِقَلِ المَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا»؛
حَيْثُ اسْتَفْتَحَتْ السُّورَة بِهَذَا الاِسْمِ المُرعِب «الْقَارِعَةِ»، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ القِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِهِ: لِأَنَّهَا تَقْرَعُ القُلُوبَ وَالأَسْمَاعَ بِأَهْوَالِهَا، وَتَقْرَعُ العَالَمَ بِإِزَالَتِهِ وَدَكِّهِ.
ثُمَّ جَاءَ الاِسْتِفْهَامُ للتَّهْوِيلِ وَالتَّعْظِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُنْهَهَا وَشِدَّتَهَا خَارِجَانِ عَنْ حُدُودِ التَّصَوُّرِ البَشَرِيِّ.
ثُمَّ انْتَقَلَتِ السُّورَةُ إِلَى كَشْفِ مَشَاهِدِ الانْقِلاَبِ الكَوْنِيِّ وَالنَّفْسِيِّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَمَشْهَدُ الخَلْقِ فِيهِ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ، المُتَطَايِرِ، المُنْتَشِرِ فِي كُلِّ وِجْهَةٍ، لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ وَالفَزَعِ، وَمَشْهَدُ الجِبَالِ العَالِيَةِ الصَّلْبَةِ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ؛ أَيْ كَالصُّوفِ المَنَفُوشِ، المَصْبُوغِ بِمُخْتَلِفِ الأَلْوَانِ، إِذَا تَطَايَرَتْ بِهِ الرِّيَاحُ، فَصَارَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً،
ثُمَّ تَجَلَّتِ الحَقِيقَةُ العُظْمَى فِي السُّورَةِ لِتُقَسِّمَ النَّاسَ إِلَى فَرِيقَيْنِ، لاَ ثَالِثَ لَهُمَا:
فَرِيقٌ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ: بِالتَّوْحِيدِ، وَالحَسَنَاتِ، وَالإِخْلاَصِ، فَجَزَاؤُهُ عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ فِي الجَنَّةِ،
وَفَرِيقٌ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ: بِالشِّرْكِ، وَالسَّيِّئَاتِ، وَالغَفْلَةِ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ؛ أَيْ مَأْوَاهُ وَمَسْكَنُهُ جَهَنَّمُ، تَهْوِي فِيهِ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ أَنَّ أُمَّ رَأْسِهِ هَاوِيَةٌ فِي النَّارِ.
ثُمَّ خُتِمَتْ السُّورَةُ بِبَيَانِ هَوِيَّتِهَا، بِأَنَّهَا نَارٌ حَامِيَةٌ، قَدْ بَلَغَتْ الغَايَةَ فِي الشِّدَّةِ وَالحَرَارَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ:
«الْقَارِعَةُ هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقْرَعُ الخَلْقَ بِالأَهْوَالِ، وَقَوْلُهُ: (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) أَيْ كَالْغَوْغَاءِ المَوَّاجِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ لِكِثْرَتِهِ وَحَيْرَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أَيْ فَمَأْوَاهُ وَأُمُّهُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا هِيَ الهَاوِيَةُ، وَسُمِّيَتْ أُمّاً لِأَنَّهُ لاَ مَأْوَى لَهُ غَيْرُهَا كَمَا يَأْوِي الطِّفْلُ إِلَى أُمِّهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «إِنَّ السُّورَةَ تُقَرِّرُ حَقِيقَةَ الوَزْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِالْقِسْطِ وَالعَدْلِ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي الجَنَّاتِ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ أَوْ خَلَتْ صَحِيفَتُهُ مِنَ الخَيْرِ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَهِيَ النَّارُ الحَامِيَةُ الَّتِي اسْتَعَاذَ مِنْهَا الأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذِهِ السُّورَةِ الدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّ الأَعْمَالَ تُوزَنُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمِيزَانٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ كِفَّتَانِ، وَأَنَّ المَدَارَ فِي النَّجَاةِ لَيْسَ عَلَى الأَمَانِيِّ بَلْ عَلَى ثِقَلِ الحَسَنَاتِ وَصِحَّةِ الإِيمَانِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي المَدَارِجِ: «تَضَمَّنَتْ سُورَةُ القَارِعَةِ زَجْراً بَالِغاً لِلنُّفُوسِ عَنْ الإِيثَارِ لِلدُّنْيَا؛ فَالْمِيزَانُ يَحْتَاجُ إِلَى ثِقَلِ الحَقِّ، وَلاَ يَثْقُلُ المِيزَانُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَحُسْنِ الخُلُقِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ لِسُورَةِ (القَارِعَةِ)، يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ سَامِيَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ آتٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ، وَأَنَّ أَهْوَالَهُ تُحَتِّمُ عَلَى العَبْدِ صِدْقَ الاِسْتِعْدَادِ.
ثَانِياً: أَنَّ عَدْلَ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمٌ فِي المَوَازِينِ، فَلاَ يُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَلاَ يُغَادَرُ صَغِيرَةٌ وَلاَ كَبِيرَةٌ.
ثَالِثاً: أَنَّ ثِقَلَ المِيزَانِ هُوَ المِعْيَارُ الحَقِيقِيُّ لِلْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ، مَهْمَا بَلَغَ جَاهُ المَرْءِ، أَوْ مَالُهُ فِي الدُّنْيَا.
رَابِعاً: شِدَّةُ عِقَابِ اللَّهِ فِي النَّارِ الحَامِيَةِ، لِمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، وَفَرَّطَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، وأرشدها إلى ما يثقل موازينها، ويرفع درجاتها في الجنة:
ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ».
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ» (رواه الترمذي وأبو داود).
وفي حديث البطاقة: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَرَجَحَتِ البطَاقَةُ وَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» (رواه الترمذي وابن ماجه).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ» .
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (التَّفْسِير الْمَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ الْقَارِعَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7-8).
وَإذا تَدَبَّرنا المَقَاصِدَ السَّلُوكِيَّةَ المُنْبَثِقَةَ مِنْ هَذَا (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لِسُورَةِ القَارِعَةِ):
فَإِنَّ الِإِيمَانَ بِقَارِعَةِ القِيَامَةِ، وَوِزْنِ الأَعْمَالِ، لَيْسَ ثَقَافَةً ذِهْنِيَّةً، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، يُعِيدُ صِيَاغَةَ سُلُوكِ الإِنْسَانِ وَسَرِيرَتِهِ.
وإِنَّ اسْتِحْضَارَ المِيزَانِ، الَّذِي يَبْسُطُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَحْثُّ المُسْلِمَ عَلَى اسْتِغْلاَلِ كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ عُمْرِهِ، فِي إِثْقَالِ مِيزَانِهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَلاَ يَزْدَرِي مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ؛ مِنْ: صَدَقَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، أَوْ جَبْرٍ لِلْخَوَاطِرِ، أَوْ إِغَاثَةٍ لِلْمَلْهُوفِ.
وإِنَّ اسْتِحْضَارَ المِيزَانِ: يَبْعَثُ فِي النَّفْسِ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِنَ المَظَالِمِ، وَالذُّنُوبِ وَإِنْ صَغُرَتْ، لِأَنَّ الكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ تُوضَعُ فِي الكِفَّةِ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.
وَإِنَّ تَأَمُّلَ حَالِ النَّاسِ كَالْفَرَاشِ المَبْثُوثِ: يُزِيلُ مِنَ القَلْبِ الكِبْرَ، وَالافْتِخَارَ بِالدُّنْيَا، وَيَغْرِسُ التَّوَاضُعَ، وَالْخُشُوعَ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ.
وَإِنَّ الذِّكْرَ الحَاضِرَ لِلنَّارِ الحَامِيَةِ: يَحْجُزُ المَرْءَ عَنِ المَحَارِمِ، وَيَدْعُوهُ لِأَنْ يَكُونَ دَائِمَ التَّوْبَةِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، كَيْ لاَ يَكُونَ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَفَّتْ مَوَازِينُهُمْ، فَآلُوا إِلَى الهَاوِيَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي ذِكْرِ مَوَازِينِ القِيَامَةِ أَعْظَمُ المَوَاعِظِ لِلْمُؤْمِنِ كَيْ لاَ يَغْتَرَّ بِعَمَلِهِ، وَأَنْ يَسْعَى دَائِماً فِي إِصْلاَحِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ لِتَكُونَ حَسَنَاتُهُ رَاجِحَةً عِنْدَ اللَّهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الوَابِلِ الصَّيِّبِ: «كُلَّمَا كَانَ العَبْدُ أَعْظَمَ ذِكْراً لِلَّهِ وَأَحْسَنَ خُلُقاً وَأَشَدَّ إِخْلاَصاً، كَانَ مِيزَانُهُ أثْقَلَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ وَارْتَكَبَ المَنَاهِيَ خَفَّتْ كِفَّةُ خَيْرَاتِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها:
العَمَلُ الدَّائِمُ لِإِثْقَالِ المِيزَانِ: بِالتَّوْحِيدِ، وَالاِسْتِغْفَارِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ، وَطَاعَةِ الوالِدَيْنِ، وغيرها من الأعمال الصالحة.
ومنها: الحَذَرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَظَالِمِ: فَإِنَّ المَظَالِمَ تَأْكُلُ الحَسَنَاتِ، وَتُخَفِّفُ المِيزَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاَةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (رواه مسلم).
ومنها: الاِسْتِعَاذَةُ الدَّائِمَةُ مِنَ النَّارِ، وَسُؤَالُ اللَّهِ الجَنَّةَ، وَالعِيشَةَ الرَّاضِيَةَ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ.
وفي الصحيحين: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِباً» (رواه ابن ماجه والدارمي).
وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، فَيَقُومُونَ حَتَّى تَحْفَى أَقْدَامُهُمْ، وَيَفَزَعُونَ إِلَى الأَنْبِيَاءِ لِلشَّفَاعَةِ» .
ومنها: تَدَبُّرُ مَعَانِي القُرْآنِ: وَاعْتِبَارُ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ مَنَارَةً لِإِصْلاَحِ القُلُوبِ وَتَزْكِيَةِ الأَرْوَاحِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا مِنْ تَدَبُّرِ سُورَةِ القَارِعَةِ زَاداً لِقُلُوبِكُمْ، وَزِيدُوا فِي المَصَالِحِ وَالحَسَنَاتِ، وَاحْذَرُوا المَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ العَرْضِ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
فاللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَنَا بِالْحَسَنَاتِ، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِنَا وَالذَّلاَّتِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَكُونُ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي أَعْلَى الجِنَانِ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ النَّارِ الحَامِيَةِ.
الدعاء
