خطبة عن (كيف نربي أبناءنا؟)
سبتمبر 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «بَرَكَاتُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَيْسِيرُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ – أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ – انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) (43) النساء، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6) المائدة.
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ المَطْهرَةَ: شَّرِيعَةَ سَّمْحَةَ، مَبْنِيَّةَ عَلَى اليُسْرِ، وَرَفْعِ الحَرَجِ، وَجَعَلَ لِأَوْلِيَائِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ أَبْوَاباً مِنَ البَرَكَاتِ وَالخَيْرَاتِ، يَتَّسِعُ بَرِيقُهَا لِلأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَشَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ، الَّتِي تَشْهَدُ بِفَضْلِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ (عَائِشَةَ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ، تِلْكَ الحَادِثَةَ العَظِيمَةَ، التي حدثت فِي بَعْضِ الأَسْفَارِ النَّبَوِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- سَبَباً فِي نُزُولِ رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ جَلِيلَةٍ، خَفَّفَ اللَّهُ بِهَا عَنِ الأُمَّةِ كُلِّهَا، وَأَظْهَرَتْ مَكَانَتَهَا العَالِيَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَدَبَهَا الرفِيعَ مَعَهُ، وَكَمَالَ حِرْصِهَا عَلَى رَاحَتِهِ، كَمَا كَشَفَتْ عَنْ شَفَقَةِ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَحِرْصِهِ عَلَى أَمْرِ الدِّينِ وَالجَمَاعَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ففي الحديث المتقدم: تَرْوِي أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- خَبَرَ انْقِطَاعِ عِقْدِهَا فِي المَفَازَةِ، فِي أَرْضٍ لاَ مَاءَ فِيهَا، فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ الكِرَامُ مَعَهُ، يَبْحَثُونَ عَنْهُ، كَرَماً مِنْهُ ﷺ، وَرِعَايَةً لِخَاطِرِهَا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ ، فَفَزِعُوا إِلَى الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَشْفِقِينَ،
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى بَيْتِهَا، وَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَامَ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ عَلَى فَخِذِهَا، فَجَعَلَ الصِّدِّيقُ يَلُومُ ابْنَتَهُ، وَيَعْتُبُ عَلَيْهَا عَتَاباً شَدِيداً، لِحَبْسِهَا النَّبِيَّ ﷺ وَالْجَيْشَ، وَيَطعنهَا بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهَا، فَمَا كَانَ مِنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- إِلاَّ أَنْ ثَبَتَتْ، وَاحْتَمَلَتِ الأَلَمَ الشَّدِيدَ، دُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ شِبْراً وَاحِداً، حِرْصاً مِنْهَا عَلَى أَلاَّ تُوقِظَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَوْمِهِ،
فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ، وَاحْتَاجُوا لِلطَّهَارَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى رُخْصَةَ (التَّيَمُّمِ)، وهي شَرِيعَةً عَامَّةً بَاقِيَةً لِلأُمَّةِ، فَتَهَلَّلَتْ وُجُوهُ الصَّحَابَةِ فَرَحاً وَبِشْراً،
وَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عِبَارَتَهُ الخَالِدَةَ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ)!، ثُمَّ لَمَّا حَرَّكُوا البَعِيرَ وَجَدُوا العِقْدَ تَحْتَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ خَيْراً وَبَرَكَةً، وَتَيْسِيراً صَارَ شَرِيعَةً تُتْلَى وَيُعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) فِيهِ المَنْقَبَةُ العَظِيمَةُ لِعَائِشَةَ وَلِأَبِيهَا وَلِآلِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ المَرْءَ قَدْ يِكْرَهُ الشَّيْءَ وَيَكُونُ فِيهِ الخَيْرُ العَظِيمُ لِلْعَامَّةِ، وَفِيهِ أَدَبُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فِي الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الطَّعْنِ فِي خَاصِرَتِهَا لِئَلاَّ يَنْتَبِهَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَوْمِهِ، وَفِيهِ إِكْرَامُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِهِ وَإِجَابَتُهُ لِحَاجَاتِهِمْ وَرِعَايَةُ خَوَاطِرِهِمْ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ وَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ جَوَازُ نَوْمِ الرَّجُلِ فِي حِضْنِ زَوْجَتِهِ، وَفِيهِ تَأْدِيبُ الآبَاءِ لِلْبَنَاتِ وَإِنْ كُنَّ مُتَزَوِّجَاتٍ وَكَبِيراتٍ، وَفِيهِ فَضْلُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَمَكَانَتُهَا العَالِيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الجَلِيلَ، يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ، وَأَخْلاَقِيَّةٍ، سَامِيَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى اليُسْرِ، وَمَرَاعَاةِ أَعْذَارِ المَكَلَّفِينَ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، أَوْ العَجْزِ عَنْ استخدامه. ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» (رواه البخاري).
ثَانِياً: عِظَمُ فَضْلِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ (عَائِشَةَ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَآلِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ بَرَكَتَهُمْ شَمِلَتِ الأُمَّةَ كُلَّهَا. وفي الصحيحين: (عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، قَالَ: «فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالاً». وفي الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (رواه الترمذي وابن ماجه).
ثَالِثاً: كَمَالُ الأَدَبِ النَّبَوِيِّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الزَّوْجَاتِ، وَكَمَالُ حِرْصِ الزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ عَلَى رَاحَةِ زَوْجِهَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «بَرَكَاتُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَيْسِيرُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَتَدَبَّرُوا هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ، وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ آثَارٍ جَلِيلَةٍ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ، وَسُلُوكِنَا الأُسَرِيِّ وَالإِيمَانِيِّ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ دُرُوساً شَامِخَةً: فِي حُسْنِ المِعَاشَرَةِ، وَالتَّلَطُّفِ مَعَ الأَهْلِ، وَعَدَمِ التَّضَيُّقِ بِالأَقْدَارِ الظَّاهِرَةِ، كَوْنِهَا قدْ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا أَعْظَمَ الرَّحَمَاتِ وَالبَرَكَاتِ.
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ أَنَّ ضَيَاعَ العِقْدِ -وَهُوَ أَمْرٌ بَسِيطٌ فِي ظَاهِرِهِ- جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِنُزُولِ التَّيَمُّمِ، الَّذِي رَفَعَ الحَرَجَ عَنِ المُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهَكَذَا هُوَ شَأْنُ المُؤْمِنِ فِي حَيَاتِهِ، قَدْ يَقَعُ لَهُ الأَمْرُ يَكْرَهُهُ، أَوْ يَرَاهُ تَعْطِيلاً وَتَأْخِيراً، فَإِذَا بِاللَّهِ تَعَالَى يَفْتَحُ لَهُ بِهِ أَبْوَاباً مِنَ الخَيْرِ وَاليُسْرِ، لَمْ تَكُنْ فِي حِسْبَانِهِ.
كَمَا يُعَلِّمُنَا هَذَا المَوْقِفُ: خُلُقَ الوفَاءِ، وَالمَحَبَّةِ، فِي البَيْتِ المُسْلِمِ، وكَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْعَى حَقَّ زَوْجِهِ، وَيَتَلَطَّفُ مَعَهَا، وَكَيْفَ كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- تُعَظِّمُ رَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَتُؤْثِرُ نَوْمَهُ عَلَى أَلَمِهَا الشَّخْصِيِّ!.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانُ رَفْعِ الحَرَجِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ المِرْءَ يُؤْجَرُ عَلَى الصَّبْرِ وَحُسْنِ الخُلُقِ فِي أَهْلِهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَفَضْلِ أَبِيهَا الصِّدِّيقِ الَّذِي كَانَ لاَ يُدَاهِنُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَلَوْ مَعَ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي زَادِ المَعَادِ: «وَفِي قِصَّةِ التَّيَمُّمِ وَضَيَاعِ العِقْدِ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ أَلْطَافَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَأْتِي فِي ظُرُوفِ المَشَاقِّ، وَأَنَّ حُسْنِ العِشْرَةِ مَعَ الأَهْلِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ البَرَكَةَ تُسْتَجْلَبُ بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالاِقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أُسُسٌ خَالِدَةٌ لِأَثَرِ السُّنَّةِ فِي حَيَاتِنَا، ومنها:
اليَقِينُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ: وَأَنَّ كُلَّ شِدَّةٍ تَعْقُبُهَا فَرَجٌ، وَكُلَّ عُسْرٍ مَعَهُ يُسْرٌ.
ومنها: الحِرْصُ عَلَى رَاحَةِ الزَّوْجِ وَاحْتِرَامِهِ: وَالتَّأَسِّي بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فِي أَدَبِهَا وَصَبْرِهَا.
ومنها: الحَزْمُ فِي التَّرْبِيَةِ مَعَ اللُّطْفِ: كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ حِينَ عاتَبَ ابْنَتَهُ حِرْصاً عَلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ.
ومنها: مَحَبَّةُ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ: وَاعْتِقَادُ فَضْلِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ.
ففي الصحيحين: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
وفي صحيح مسلم: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رواه الترمذي).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاخْتَطُّوا لأَنْفُسِكُمْ نَهْجَ التَّيْسِيرِ، وَرَقِّقُوا قُلُوبَكُمْ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَاقْتَدُوا بِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ.
فاللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ. واشْرَحْ صُدُورَنَا بِاليُسْرِ، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلاَمِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ المُنِيبِينَ الصَّابِرِينَ.
الدعاء
