خطبة عن (اللَّهُ كَافٍ عَبْدَهُ)
يناير 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (حِزْبُ اللَّهِ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (56) المائدة، وقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (22) المجادلة، وقال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (19) المجادلة
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّاظِرَ فِي كِتَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- يَرَى تَقْسِيماً بَيِّناً لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لَيْسَ عَلَى أَسَاسِ الأَلْوَانِ أَوِ الأَعْرَاقِ، وَلَا عَلَى أَسَاسِ الأَنْسَابِ وَالأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا عَلَى أَسَاسِ “المَنْهَجِ وَالِانْتِمَاءِ”، فَهناك فَرِيقَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: “حِزْبُ اللهِ” المَنْصُورُ، وَ”حِزْبُ الشَّيْطَانِ” المَدْحُورُ، فقد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الإِيمَانِ: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة:19].
فحِزْبُ اللَّهِ: هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا اللهَ غَايَتَهُمْ، وَالقُرْآنَ مَنْهَجَهُمْ، وَالرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قُدْوَتَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ حُبّاً، وَلَا يُوَالُونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ،
وحِزْبُ اللهِ: هُمُ الذِينَ عَمَرُوا قُلُوبَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالذِّكْرِ، وَجَوَارِحَهُمْ بِالِامْتِثَالِ، وحِزْبُ اللهِ: يَتَمَيَّزُونَ بـ “التَّآخِي فِيمَا بَيْنَهُمْ”، وَ”التَّرَاحُمِ فِي صُفُوفِهِمْ”، وَ”القُوَّةِ فِي ثَبَاتِهِمْ”، ففي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وفي سنن البيهقي: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ حَدَّثَنِي أَبِى قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ :«أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ أَلاَ وَإِنَّهُ مَنْ يُتِمُّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ يَرَاهَا لِلَّهِ عَلَيْهِ حَقًّا وَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ».
أَمَّا “حِزْبُ الشَّيْطَانِ“: فَهُمُ الَّذِينَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ بِوَسَاوِسِهِ، وَأَغْرَاهُمْ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ، فلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُعْلِنُوا انْتِمَاءَهُمْ لِلشَّيْطَانِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ فِي الظُّلْمِ، وَأَكْلِ الحَرَامِ، وَإِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَقَطِيعَةِ الأَرْحَامِ،
فحِزْبُ الشَّيْطَانِ: هُمُ الذِينَ اسْتَحْوَذَ الغَيُّ عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَصَارُوا لِلشَّيْطَانِ جُنُوداً، وَلِلضَّلَالِ أَعْوَاناً. وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56].
فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي الِانْتِمَاءَاتِ الضَّيِّقَةِ، وَلَا فِي الشِّعَارَاتِ الـجَوْفَاءِ، بَلِ الشَّأْنُ فِي الوَلَاءِ لِلَّهِ تعالى، وَالبَرَاءِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وهَذَا التَّمَايُزَ هُوَ مِحْوَرُ الصِّرَاعِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي صَدْرِ مُؤْمِنٍ حُبُّ اللهِ وَحُبُّ مَنْ نَاصَبَ دِينَ اللهِ العَدَاءَ، قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (22) المجادلة،
كما حذر الله الناس من حزب الشيطان، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (5): (7) فاطر، وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (76) النساء.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي صِفَاتِ “حِزْبِ الشَّيْطَانِ”؛ فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ أَسْبَابَ خُسْرَانِهِمْ فِي سَبَبٍ وَاحِدٍ: {فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}، فَمَتَى نَسِيَ العَبْدُ رَبَّهُ، صَارَ لُقْمَةً سَائِغَةً لِلشَّيْطَانِ، يَقُودُهُ حَيْثُ شَاءَ، مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَفْعَالِ، وَسَيِّئِ الأَقْوَالِ، فحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمُ الذِينَ يُزَيِّنُونَ الفَاحِشَةَ، وَيُحَارِبُونَ الفَضِيلَةَ، وَيُسَمُّونَ الشَّرَّ بِغَيْرِ اسْمِهِ،
واعلموا أن النَّجَاةُ فِي الحَذَرِ مِنْ خُطُوَاتِهِ، فَإِنَّ عَدَاءَهُ لَكَ قَدِيمٌ، وَهَدَفَهُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ فِي أَمْوَاجِ السَّعِيرِ، فانتبه أَيُّهَا الغَافِلُ!، أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ فِي حِزْبِ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى إِغْوَائِكَ؟، قال تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (82)، (83) ص
والسؤال: كَيْفَ يَسْتَحْوِذُ الشَّيْطَانُ عَلَى حِزْبِهِ؟، والجواب: إِنَّهُ لَا يَأْتِي مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ “خُطُوَاتٌ”، يَبْدَأُ بـ “تَزْيِينِ المَعْصِيَةِ”، ثُمَّ بـ “تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ”، ثُمَّ بـ “إِمَاتَةِ الغَيْرَةِ”، حَتَّى يَنْسَى العَبْدُ رَبَّهُ، فَيَنْسَاهُ اللهُ، فَالعَلَامَةُ الفَارِقَةُ لِحِزْبِ الشَّيْطَانِ هِيَ: {أَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}، فَإِذَا رَأَيْتَ قَلْباً لَا يَهْتَزُّ لِلْقُرْآنِ، وَلِسَاناً لَا يَلْهَجُ بِالذِّكْرِ، وَبَدَناً يَتَكَاسَلُ عَنِ الصَّلَاةِ، فَاحْذَرْ.. فَقَدْ بَدَأَ الِاسْتِحْوَاذُ!
وَعَلَى النَّقِيضِ من ذلك، فتَتَجَلَّى عَظَمَةُ “حِزْبِ اللهِ“: أنهُمْ أَهْلُ الفَلَاحِ المُطْلَقِ، فحِزْبُ اللهِ لَا يَعْرِفُونَ المُدَاهَنَةَ فِي الدِّينِ، وَلَا يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ الأَقْرَبِينَ، لأنَّ رَابِطَةَ العَقِيدَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَى مِنْ رَابِطَةِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ بِثَلَاثِ كَرَامَاتٍ: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَأَدْخَلَهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وفي مسند أحمد: (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ أَقْبَلَ إِلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا – يَعْنِى صِفْهُمْ لَنَا – فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسُؤَالِ الأَعْرَابِيِّ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ».
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
فَيَا مَنْ تَنْشُدُ العِزَّةَ!: فلَا عِزَّةَ إِلَّا بِالِانْتِمَاءِ لِهَذَا الحِزْبِ المُبَارَكِ، “حِزْبِ اللهِ” الذِي رَئِيسُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَدُسْتُورُهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَغَايَتُهُ رِضَى الرَّحْمَنِ، واعلم أن من صِفَاتِ حِزْبِ اللهِ الَّتِي ذَكَرَتْهَا سُورَةُ المَائِدَةِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (54): (56) المائدة. فالِانْتِمَاءَ لِحِزْبِ اللهِ لَيْسَ “ادِّعَاءً”، بَلْ هُوَ “عَمَلٌ وَتَضْحِيَةٌ وَأَخْلَاقٌ”.
واعلموا أنَّ مَيْدَانَ الصِّرَاعِ بَيْنَ الحِزْبَيْنِ (حِزْبُ اللَّهِ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ)، لَيْسَ فِي السَّاحَاتِ العَسْكَرِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فِي القُلُوبِ وَالعُقُولِ، فالشَّيْطَانُ يُجَنِّدُ حِزْبَهُ لِصَدِّ النَّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وهو صراع قَدِيمٌ بَقِدَمِ البَشَرِيَّةِ؛ بَدَأَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، وَسَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يُورِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَالعَاقِبَةُ دَائِماً لِلمُتَّقِينَ؛ فَمَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّةُ حِزْبِ الشَّيْطَانِ المَادِّيَّةُ، فَإِنَّهُمْ “خَاسِرُونَ” بِنَصِّ القُرْآنِ، وَمَهْمَا اسْتُضْعِفَ حِزْبُ اللهِ، فَإِنَّهُمْ “هُمُ الغَالِبُونَ”.
وَأَنْتَ أَيُّهَا المُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِالثَّبَاتِ وَالمُرَابَطَةِ، فكَيْفَ تَتَخَاذَلُ عَنْ نُصْرَةِ حِزْبِ اللهِ بِأَخْلَاقِكَ وَقِيَمِكَ؟، فإِنَّ الفَلَاحَ الذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ حِزْبَهُ هُوَ فَلَاحُ الدُّنْيَا بِالسَّكِينَةِ وَالنَّصْرِ، وَفَلَاحُ الآخِرَةِ بِالرِّضْوَانِ وَالخُلُودِ، فَانْظُرْ فِي أَيِّ الخَنْدَقَيْنِ تَقِفُ؟، وَبِأَيِّ الـمَنْهَجَيْنِ تَعْمَلُ؟، فَإِنَّ الخَاتِمَةَ قَرِيبَةٌ، وَالحِسَابَ عَسِيرٌ، وَلَنْ يَنْفَعَكَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا صِدْقُ انْتِمَائِكَ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (حِزْبُ اللَّهِ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56]. والِانْتِمَاء لِحِزْبِ اللهِ يَقْتَضِي “الوَفَاءَ بِالعَهْدِ”، فلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِنْ حِزْبِ اللهِ، ثُمَّ هُوَ يُنَافِحُ عَنِ البَاطِلِ، أَوْ يَخُونُ الأَمَانَةَ، أَوْ يَغُشُّ فِي المُعَامَلَةِ، فحِزْبُ اللهِ هُمْ “عُمَّالُ اللهِ فِي أَرْضِهِ”؛ يَنْشُرُونَ الخَيْرَ، وَيَكُفُّونَ الأَذَى، وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ونَحْنُ اليَوْمَ نَرَى كَيْفَ تَكَالَبَتْ سُبُلُ الضَّلَالِ، وَانْتَفَشَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، بِمَادِيَّتِهِ وَإِلْحَادِهِ وَفَسَادِهِ، لَكِنَّ اليَقِينَ القُرْآنِيَّ يُبَشِّرُنَا: “حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ”، فالغَلَبَةُ لَيْسَتْ دَائِماً بِالقُوَّةِ الـمَادِيَّةِ، بَلْ هِيَ غَلَبَةُ الحُجَّةِ، وَغَلَبَةُ الخُلُقِ، وَغَلَبَةُ الثَّبَاتِ عِنْدَ الـمِحَنِ، فالنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي أَنْ تَنْحَازَ لِصَفِّ الإِيمَانِ، وَأَنْ تَكُونَ جُنْدِيّاً لِلْحَقِّ فِي بَيْتِكَ، وَعَمَلِكَ، وَمُجْتَمَعِكَ.
والسؤال: كَيْفَ تَثْبُتُ فِي صَفِّ حِزْبِ اللهِ؟، والجواب: بِإِخْلَاصِ التَّوَجُّهِ: أَنْ يَكُونَ عَمَلُكَ كُلُّهُ لِلهِ تعالى. وبِالمُرَابَطَةِ عَلَى الذِّكْرِ: فَالذِّكْرُ هُوَ “الحِصْنُ الحَصِينُ” مِنَ الِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِيِّ، وبِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ: الَّذِينَ إِذَا نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ، وَإِذَا ذَكَرْتَ أَعَانُوكَ.
فَاتَّقُوا اللهَ، وَرَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ؛ فِي أَيِّ مِيزَانٍ تَزِنُونَ أَعْمَالَكُمْ؟، وَإِلَى أَيِّ طَرَفٍ تَمِيلُ قُلُوبُكُمْ؟، واعْلَمُوا أَنَّهُ لَا نَجَاةَ غَداً إِلَّا لِمَنْ كَانَ تَحْتَ لِوَاءِ الرَّحْمَنِ، واجْعَلُوا هَمَّكُمْ أَنْ يَكُونَ اللهُ رَاضِياً عَنْكُمْ، فَمَنْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَرْضَى عَنْهُ الخَلْقَ، وَجَعَلَهُ مِنْ صَفْوَةِ أَوْلِيَائِهِ،
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِكَ المَنْصُورِ، وَجَنِّبْنَا سُبُلَ الشَّيْطَانِ وَالطُّغْيَانِ والغرور، واجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِكَ المُفْلِحِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ الخَاسِرِينَ، وثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ. وانْصُرِ الإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الـمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلِ الكَفَرَةَ وَالـمُنَافِقِينَ، وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا عَلَى الحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الفَائِزِينَ المُفْلِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
