خطبة عن (الفَرْقُ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ)
أغسطس 4, 2026الخطبة الأولى (رِضَا الرَّحْمَنِ سَبِيلُ الأَمَانِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) الفتح:29. وقال تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (22) المجادلة.
إخوة الإسلام
إِنَّ أَعْظَمَ مَطْلَبٍ يَبْتَغِيهِ المَرْءُ فِي حَيَاتِهِ، وَأَسْمَى غَايَةٍ يَرْكُضُ خَلْفَهَا المُؤْمِنُ فِي دُنْيَاهُ، هِيَ الفَوْزُ بِرِضَا اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَإِنَّ رِضَا الرَّبِّ هُوَ النَّعِيمُ الأَكْبَرُ، الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ نَعِيمٍ، وَهُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ، الَّذِي يَعْصِمُ الإِنْسَانَ مِنْ مَتَاهَاتِ القَلَقِ، وَأَوْدِيَةِ الحَيْرَةِ، فِي زَمَنٍ تَقَاذَفَتْ فِيهِ الفِتَنُ، وَتَزَاحَمَتْ فِيهِ المَادِّيَّاتُ.
وَإِنَّ العَيْشَ فِي رِضَا اللهِ لَيْسَ أُمْنِيَةً تُسْطَرُ، وَلَا كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ هُوَ حَالٌ يَعْمُرُ القَلْبَ، وَسُلُوكٌ يَتَجَسَّدُ فِي الوَاقِعِ، وَحَرَكَةٌ دَائِبَةٌ، نَحْوَ مَرْضَاةِ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَأَقْطَارِ الأَرْضِ.
وَإِنَّ تَعْطِيشَ النَّفْسِ إِلَى مَعَالِي الرِّضَا، هُوَ الَّذِي يَنْقُلُ العَبْدَ مِنْ مَقَامِ العِبَادَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الرَّتِيبَةِ، إِلَى مَقَامِ العِبَادَةِ الشَّوْقِيَّةِ النَّابِضَةِ، حَيْثُ يَتَحَرَّكُ القَلْبُ قَبْلَ الجَوَارِحِ، وَتَتَسَابَقُ الأَرْوَاحُ قَبْلَ الأَبْدَانِ، فَتَهُونُ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ المَشَاقُّ، وَتَزُولُ العَقَبَاتُ، وَيَرَى المَرْءُ فِي كُلِّ بَلَاءٍ نِعْمَةً، وَفِي كُلِّ مَنْعٍ عَطَاءً، طَالَمَا أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ نَيْلُ وُدِّ المَوْلَى وَرِضْوَانِهِ.
وَإِنَّ أَوَّلَ المَعَالِمِ الشَّاخِصَةِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْيَا فِي كَنَفِ الرِّضَا، هُوَ طَرِيقُ المُسَارَعَةِ إِلَى الخَيْرَاتِ، وَالِاسْتِبَاقِ إِلَى المَكْرُمَاتِ، وَالعَجَلَةِ المَحْمُودَةِ فِي ارْتِقَاءِ سُلَّمِ الطَّاعَاتِ، دُونَ تَوَانٍ أَوْ تَكَاسُلٍ أَوْ تَرَدُّدٍ.
فالنَّفْس البَشَرِيَّة إِذَا لَمْ تُشْغَلْ بِالطَّاعَةِ، وَالمُبَادَرَةِ، شُغِلَتْ بِالمَعْصِيَةِ، وَالتَّسْوِيفِ، وَإِذَا لَمْ تُرْحَلْ إِلَى مَرَاقِي العُبُودِيَّةِ العَالِيَةِ، هَبَطَتْ فِي دَرَكَاتِ الغَفْلَةِ وَالخُمُولِ.
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَنْظُرَ الإِنْسَانُ فِي سِيَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، لِيَرَى كَيْفَ كَانَ لَهَفُهُمْ وَشَوْقُهُمْ إِلَى رِضَا مَوْلَاهُمْ، وَكَيْفَ كَانَتْ أَنْفَاسُهُمْ تَتَقَطَّعُ حِرْصًا عَلَى تَعْجِيلِ المَسَرَّاتِ لِخَالِقِهِمْ!،
فهَذَا نَبِيُّ اللهِ (مُوسَى) (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، يَتَقَدَّمُ عَنْ قَوْمِهِ بِخُطُوَاتٍ حَثِيثَةٍ، وَيَعْجَلُ فِي سَيْرِهِ إِلَى المِيقَاتِ المُقَدَّسِ، شَوْقًا وَمَحَبَّةً وَإِجْلَالًا، فَيُسَجِّلُ القُرْآنُ الكَرِيمُ مَقُولَتَهُ الخَالِدَةَ المُنِيرَةَ، فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: «وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى» (83)، (84) طه.
فَهَذِهِ العَجَلَةُ المَمْدُوحَةُ هِيَ عَجَلَةُ الطَّاعَةِ، وَشَوْقُ نَحْوِ المَعْرُوفِ، وَطَيُّ المَسَافَاتِ تَقَرُّبًا إِلَى مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، إِنَّهَا رِسَالَةٌ بَلِيغَةٌ لِكُلِّ قَلْبٍ يَبْحَثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ العَيْشِ فِي ظِلَالِ الرِّضَا الرَّبَّانِيِّ، أَنْ لَا يَنْتَظِرَ الغَدَ، وَلَا يُسَوِّفَ التَّوْبَةَ، وَلَا يَتَلَكَّأَ عَنْ صَفِّ الصَّلَاةِ، وَلَا يَشُّحَ بِالمَعْرُوفِ، بَلْ يَفِرَّ إِلَى رَبِّهِ فِرَارَ المُلْهُوفِ، فَتَرَاهُ مُبَادِرًا لِلْخَيْرَاتِ، مُسْتَبِقًا لِلْقُرُبَاتِ، مُكْثِرًا مِنَ الطَّاعَاتِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، إِذْ كُلَّمَا زَادَتْ نَفَقَاتُ التَّقَرُّبِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَاتُ القَبُولِ وَدَنَتْ مَنَازِلُ الرِّضْوَانِ،
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
فَتَأَمَّلُوا يَرعَاكُمُ اللهُ كَيْفَ يَنْتَقِلُ العَبْدُ مِنْ مَقَامِ الفَرْضِ إِلَى مَقَامِ النَّفْلِ فِي حَرَكَةٍ دَائِبَةٍ لَا تَعْرِفُ الفُتُورَ، فَيُصْبِحُ كُلُّ سُلُوكِهِ مَحْفُوفًا بِتَوْفِيقِ اللهِ، وَمُسَدَّدًا بِرِعَايَتِهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ العَيْشِ فِي رِضَاهُ، أَنْ تَنْقَادَ الجَوَارِحُ تَبَعًا لِمَا يُحِبُّهُ المَوْلَى، فَتَكُونَ العَيْنُ لَا تَنْظُرُ إِلَّا لِمَا يُرْضِيهِ، وَالأُذُنُ لَا تَسْتَمِعُ إِلَّا لِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ، وَالقَدَمُ لَا تَسْعَى إِلَّا إِلَى مَسَاجِدِهِ وَمَوَاطِنِ مَعْرُوفِهِ،
وَهَذَا الِاسْتِغْرَاقُ التَّامُّ فِي الطَّاعَةِ وَالمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا هُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ الَّذِي يَحْمِي بِنْيَةَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالتَّشَظِّي وَالعَيْشِ فِي هَامِشِ الحَيَاةِ الضَّائِعَةِ، فَالنَّفْسُ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ تَسْقِهَا مِنْ مَعِينِ العَجَلَةِ إِلَى الرِّضْوَانِ جَفَّتْ عُرُوقُهَا، وَقَسَا شَغَافُهَا، وَبَاتَتْ تَتَخَبَّطُ فِي تِيهِ المَادِّيَّاتِ الرَّخِيصَةِ، فَالْمُسَارَعَةُ هِيَ مِحْوَرُ الِارْتِقَاءِ، وَالإِكْثَارُ مِنَ الطَّاعَاتِ هُوَ مَدَدُ البَقَاءِ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ بِلَا اعْوِجَاجٍ وَلَا التِفَاتٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذِهِ الكَلِمَاتِ النَّدِيَّةَ، وَالعِبَارَاتِ العَمِيقَةَ، الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا النُّفُوسُ؛ فَهِيَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ بَدَنِيَّةٍ طَارِئَةٍ، بَلْ كَانَتْ وَثْبَةً رُوحِيَّةً جَارِفَةً، وَانْطِلَاقَةً قَلْبِيَّةً صَادِقَةً، يَبْتَغِي بِهَا تَعْجِيلَ المَرْضَاةِ، وَتَقْدِيمَ القُرْبَانِ، وَإِظْهَارَ شِدَّةِ الفَاقَةِ وَالِافْتِقَارِ وَالشَّوْقِ إِلَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ.
واعلموا أنَّ العَجَلَةَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا الفَانِي مَذْمُومَةً مَعْيُوبَةً، وَلَكِنَّهَا فِي أُمُورِ الآخِرَةِ ، وَابْتِغَاءِ الرِّضَا المَقْدُوسِ، هِيَ عَيْنُ المَحْمَدَةِ، وَأَسَاسُ الرِّفْعَةِ، وَشِعَارُ الصَّالِحِينَ.
وَفِي هَذَا المَسَاقِ العَظِيمِ المُمْتَدِّ، يَأْتِي الهَدْيُ النَّبَوِيُّ الكَرِيمُ، لِيَحُثَّنَا عَلَى اغْتِنَامِ الأَوْقَاتِ، وَمُبَادَرَةِ الأَعْمَارِ الخَاطِفَةِ، قَبْلَ هُجُومِ العَوَائِقِ، وَقَوَاطِعِ الطَّرِيقِ، فَفِي صَحِيَحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ».
فإِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ الهَادِرَ، يَقْطَعُ دَابِرَ التَّسْوِيفِ فِي نُفُوسِنَا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ أَوْهَامِ التَّرَاخِي، وَيَدْفَعُنَا إِلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنْ كُلِّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِنَا طَاعَةً، وَمِنْ كُلِّ لَحْظَةٍ قُرْبَةً.
ومن المعلوم أن الإِكْثَار مِنَ النَّوَافِلِ، وَالمُحَافَظَة الدَّقِيقَة عَلَى الفَرَائِضِ، وَعِمَارَة الأَوْقَاتِ بِالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، كُلّهَا رَوَافِدُ مَعِينَةٌ، تَصُبُّ فِي نَهْرِ الرِّضَا العَظِيمِ.
والإِنْسَانُ الَّذِي يَعِيشُ فِي رِضَا اللهِ يَكُونُ هَمُّهُ الأَوَّلُ وَالأَخِيرُ: كَيْفَ أَصْنَعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ؟، فَإِذَا أَصْبَحَ فَتَقَرَّبَ، وَإِذَا أَمْسَى فَقَدْ جَاهَدَ، لَا يَرْتَضِي بِالدُّونِ، وَلَا يَقْنَعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الزَّادِ، بَلْ يُسَابِقُ فِي مَيَادِينِ البِرِّ كُلِّهَا؛ فَيَكُونُ فِي الصَّلَاةِ خَاشِعًا مُتَبَتِّلًا، وَفِي النَّفَقَةِ جَوَادًا سَخِيًّا، وَفِي صِلَةِ الرَّحِمِ بَارًّا وَاصِلًا، وَفِي إِغَاثَةِ المَلْهُوفِ، وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ، مُسْرِعًا مِقْدَامًا.
هَذَا هُوَ التَّحليل الحَقِيقِيُّ لِلسُّلُوكِ البَشَرِيِّ، المُنْقَادِ لِأَمْرِ اللهِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الطَّاعَةُ عِنْدَهُ إِلَى طَبِيعَةٍ سَجِيَّةٍ، وَتُصْبَحُ المَسَارَعَةُ نَمَطَ حَيَاةٍ رَاتِبًا، فَلَا يَرَى فُرْصَةً لِلْخَيْرِ إِلَّا وَانْتَهَزَهَا، وَلَا بَابًا لِلْمَرْضَاةِ إِلَّا وَلَجَهُ، يَقِينًا مِنْهُ، أَنَّ رِضَا اللهِ لَا يُنَالُ بِالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي، بَلْ بِالمُجَاهَدَةِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَبَذْلِ المُهَجِ وَالنَّفَائِسِ.
وَيَتَّسِعُ هَذَا السُّلُوكُ الرَّاشِدُ، لِيَشْمَلَ عُنْصُرًا جَلِيلًا مِنْ عَنَاصِرِ حِيَازَةِ الرِّضَا، وَهُوَ طَهَارَةُ النِّيَّةِ، وَإِخْلَاصُ القَصْدِ لِلَّهِ المَلِكِ الحَقِّ؛ فَإِنَّ العَمَلَ رُوحُهُ الإِخْلَاصُ، وَإِذَا خَلَا العَمَلُ مِنْ صِدْقِ
التَّوَجُّهِ، هَوَى صَاحِبُهُ فِي ظُلُمَاتِ الرِّيَاءِ، وَحُبِّ السُّمْعَةِ، فَيَحْرِمُ نَفْسَهُ ثَمَرَةَ مَجْهُودِهِ.
وإِنَّ المُرَاقَبَةَ الصَّارِمَةَ لِخَوَاطِرِ القَلْبِ، هِيَ السَّبِيلُ لِصِيَانَةِ الطَّاعَاتِ، حَيْثُ يَنْظُرُ العَبْدُ فِي دَافِعِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ، وَفِي قَصْدِهِ أَثْنَاءَ العَمَلِ، وَفِي حَالِهِ بَعْدَ الفَرَاغِ، فَلَا يَطْلُبُ مَدْحًا مِنْ مَخْلُوقٍ، وَلَا يَخْشَى مَذَمَّةً مِنْ بَشَرٍ، بَلْ يَكُونُ حَالُهُ، كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الأَبْرَارَ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» الانسان: (9).
فَإِذَا بَلَغَ العَبْدُ هَذِهِ المَرْحَلَةَ الشَّرِيفَةَ، مِنَ التَّجَرُّدِ النَّقِيِّ، صَارَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ كُلُّهَا مُهْدَاةً إِلَى الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَأَثْمَرَتْ لَهُ عَمَلًا مَقْبُولًا عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَفِي هَذَا المَقَامِ الغَالِي، يُبَيِّنُ لَنَا النَّبِيُّ الكَرِيمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ طِيبَ الكَسْبِ وَالمَأْكَلِ شَرْطٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْ قَبُولِ الطَّاعَةِ، وَنَيْلِ الرِّضْوَانِ،
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ».
وإِنَّ هَذَا المَعْنَى العَمِيقَ، يُفَكِّكُ لَنَا الصِّلَةَ الوَثِيقَةَ بَيْنَ لُقْمَةِ الحَلَالِ، وَبَيْنَ نَمَاءِ الأَعْمَالِ وَصُعُودِهَا إِلَى السَّمَاءِ؛ فَالْمُسَارِعُ فِي الخَيْرَاتِ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ سَيْرٌ إِذَا كَانَ غِذَاؤُهُ أَوْ كَسْبُهُ مَشُوبًا بِحَرَامٍ، بَلْ إِنَّ طَهَارَةَ المَالِ هِيَ الوَقُودُ الَّذِي يَمُدُّ الجَوَارِحَ بِالقُوَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيَجْعَلُ لِلْعَمَلِ القَلِيلِ وَزْنًا عِظِيمًا، كَالجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، فِي مِيزَانِ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَيَعِيشُ العَبْدُ مُطَهَّرَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، يَتَقَلَّبُ فِي مَرَاضِي رَبِّهِ، وَيَسِيرُ بِخُطًى ثَابِتَةٍ، نَحْوَ دَارِ الكَرَامَةِ وَالسَّلَامِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (رِضَا الرَّحْمَنِ سَبِيلُ الأَمَانِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَإِنَّ طَرِيقَ الرِّضَا لَيْسَ مَفْرُوشًا بِالوُرُودِ دَائِمًا، بَلْ تَعْتَرِضُهُ المَشَاقُّ، وَتَكْتَنِفُهُ الِابْتِلَاءَاتُ، وَتُحِيطُ بِهِ صُرُوفُ الأَيَّامِ، وَتَقَلُّبَاتُ الفِتَنِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّبْرُ هُوَ الرَّكِيزَةَ الثَّانِيَةَ، وَالعُنْصُرَ الأَسَاسَ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا المَقَامَ الأَسْمَى.
الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ فَلَا تَنْقَطِعُ، وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلَا تَقَعُ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ، فَلَا يَسْخَطُ العَقْلُ، وَلَا يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِمَا يُغْضِبُ الدَّيَّانَ.
فَالدُّنْيَا دَارُ ابْتِلَاءٍ وَمَشَقَّةٍ، وَالنَّاسُ فِيهَا بَيْنَ مُؤْذٍ بِلِسَانِهِ، وَمُعَادٍ بِأَفْعَالِهِ، وَمُثَبِّطٍ عَنِ المَعَالِي، فَإِذَا لَمْ يَتَدَثَّرِ العَبْدُ بِدِثَارِ الصَّبْرِ، وَيَلْتَحِفْ بِلِحَافِ الِاحْتِسَابِ، تَمَزَّقَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَتَسَرَّبَ السُّخْطُ إِلَى فُؤَادِهِ، فَيَخْسَرُ رِضَا رَبِّهِ،
وَلِذَلِكَ رَبَطَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ التَّحَمُّلِ وَالتَّسْبِيحِ وَبَيْنَ بُلُوغِ غَايَةِ الرِّضَا النَّفْسِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، حَيْثُ جَاءَ التَّوْجِيهُ الرَّبَّانِيُّ الخَالِدُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى قَائِلًا: «فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى» طه (130).
فَيَا لَهُ مِنْ رَبْطٍ بَدِيعٍ يَهزُّ القُلُوبَ هَزًّا، حَيْثُ جُعِلَ الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِتَعْظِيمِ الخَالِقِ وَتَقْدِيسِهِ فِي كُلِّ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، سَبَبًا مُفْضِيًا إِلَى حُصُولِ الرِّضَا الَّذِي تَقَرُّ بِهِ العَيْنُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ الثَّائِرَةُ.
فَالصَّبْرُ المَقْرُونُ بِالذِّكْرِ، وَالدَّاوَمِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالخَالِقِ، هُوَ المِفْتَاحُ لِتِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ الرَّاسِخَةِ ، الَّتِي تَجْعَلُ العَبْدَ رَاضِيًا عَنْ رَبِّهِ فِي كُلِّ حَالٍ، مُتَقَبِّلًا لِأَحْكَامِهِ بِصَدْرٍ رَحِيبٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ.
واعلموا أنَّ جِمَاعَ هَذِهِ المَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ، وَالسِّيَاجَ المَتِينَ، الَّذِي يَحْفَظُ عَلَى العَبْدِ سُلُوكَهُ وَتَقَلُّبَهُ فِي طَرِيقِ مَرْضَاةِ اللهِ، هُوَ (مَقَامُ الخَشْيَةِ) الخَالِصَةِ، فَالخَشْيَةُ: هِيَ سَوْطُ اللهِ الَّذِي يَسُوقُ بِهِ القُلُوبَ إِلَى مَوَاطِنِ القَبُولِ، وَتُرْسُ الأَمَانِ الَّذِي يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنْ مُوَاقَعَةِ الآثَامِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى المَحَارِمِ،
فَلَا يُمْكِنُ لِعَبْدٍ أَنْ يَعِيشَ فِي رِضَا اللهِ وَهُوَ مُنْهَمِكٌ فِي مَعَاصِيهِ، مُسْتَهِينٌ بِنَظَرِهِ إِلَيْهِ، بَلْ إِنَّ الصَّالِحِينَ المُرْضِيِّينَ، هُمُ الَّذِينَ امْتَلَأَتْ جَوَانِحُهُمْ بِتَعْظِيمِ الجَلِيلِ، فَخَافُوا مَقَامَهُ، وَأَشْفَقُوا مِنْ حِسَابِهِ، فَأَثْمَرَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ فِي نُفُوسِهِمْ عَمَلًا صَالِحًا، وَوَرَعًا صَادِقًا، وَتَبَتُّلًا خَاشِعًا، فَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ أَعْظَمَ جَزَاءٍ، سَجَّلَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ، حَيْثُ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» البينة: (8).
فَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الخِتَامِ العَظِيمِ، كَيْفَ جَعَلَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذَا الرِّضَا المُتَبَادَلَ؛ رِضَا اللهِ عَنِ العَبْدِ بِالتَّوْفِيقِ وَالقَبُولِ وَالجَنَّةِ، وَرِضَا العَبْدِ عَنِ اللهِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الكَرَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، مَحْصُورًا وَمَشْرُوطًا وَمَقْصُورًا عَلَى مَنْ مَلَكَ صِفَةَ الخَشْيَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: «ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» البينة: (8).
إِنَّهَا الغَايَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَضَافَرَ فِيهَا جُهُودُ السَّالِكِينَ، وَأَنْ تَتَحَقَّقَ فِي نُفُوسِنَا عَمَلِيًّا، مِنْ خِلَالِ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، فَنُسَارِعُ فِي الخَيْرَاتِ، لَا نَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَنَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الدُّنْيَا وَمَشَاقِّهَا، مُسَبِّحِينَ مُقَدِّسِينَ، وَنَخْشَى الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ، فَنَقِفُ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَبِذَلِكَ نُقِيمُ رَكَائِزَ الرِّضَا فِي دُنْيَانَا قَبْلَ أُخْرَانَا، وَنَفُوزُ بِعَيْشٍ طَيِّبٍ، تَحْتَ كَنَفِ الرَّحْمَنِ وَرِعَايَتِهِ، وَتَصْفُو لَنَا مَشَارِبُ الحَيَاةِ، وَنَلْقَى رَبَّنَا وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا غَيْرَ غَضْبَانَ.
وَمِنْ تَمَامِ عَيْشِ المَرْءِ فِي رِضَا اللهِ، أَنْ يَتَخَلَّقَ بِعُنْصُرِ الرِّضَا عَنِ اللهِ، فِي أَقْدَارِهِ، وَعَطَائِهِ، وَتَقْسِيمِهِ لِلأَرْزَاقِ؛ فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، تَمَزَّقَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَاشْتَعَلَ قَلْبُهُ حَسَدًا وَكَمَدًا.
فإِنَّ الرِّضَا بِالمَقْسُومِ هُوَ غِنَى النَّفْسِ الحَقِيقِيُّ، وَهُوَ العَلَامَةُ الفَارِقَةُ لِلإِيمَانِ الصَّادِقِ، فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ».
فَمَنْ طَعِمَ هَذَا الإِيمَانَ، هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، وَلَمْ يَعُدْ يَرَى فِي الوُجُودِ مُدَبِّرًا إِلَّا اللهَ، فَيَسْكُنُ جَأْشُهُ، وَيَطِيبُ عَيْشُهُ.
فَاعْمُرُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ قُلُوبَكُمْ بِالخَشْيَةِ الخَالِصَةِ، وَأَبْدَانَكُمْ بِالطَّاعَةِ المَوْصُولَةِ، وَنُفُوسَكُمْ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، وَأَحْوَالَكُمْ بِالرِّضَا النَّقِيِّ، لِتَعِيشُوا فِي رِضَا اللهِ الأَبَدِيِّ، وَتَفُوزُوا بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدُّعَاءُ
