خطبة عن (التَّفَاهَةُ وَالتَّافِهونَ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ)
أغسطس 5, 2026الخطبة الأولى (خُلُقُ العِفَّةِ وَالتَّعَفُّفِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) البقرة:273. وقال سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النور:33]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:6]. وفي صحيح البخاري: (قَالَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم- «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلاَ اللُّقْمَةُ وَلاَ اللُّقْمَتَانِ. إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ يَعْنِى قَوْلَهُ (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ».
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ خُلِقَتْ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ، جَمُوحًا، تَشْتَهِي المَالَ، وَالجَاهَ، وَاللَّذَّةَ، وإِنْ أُرْخِيَ لَهَا العِنَانُ تَرَدَّتْ فِي مَهَاوِي الشَّهَوَاتِ الدَّنِيئَةِ، وَتَلَوَّثَتْ بِأَوْضَارِ الخَطَايَا، وَإِنْ أُطِرَتْ عَلَى الحَقِّ أُطْرًا، وَلُجِمَتْ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، سَمَتْ وَارْتَقَتْ، حَتَّى تُجَاوِزَ فِي طُهْرِهَا مَقَامَاتِ المَلَائِكَةِ الأَبْرَارِ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعًا فِي رِحَابِ خُلُقٍ هُوَ دِثَارُ الأَنْبِيَاءِ، وَشِعَارُ الأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ؛ هُوَ خُلُقٌ حِصْنٌ للأَغْنِيَاءِ مِنَ البَغْيِ وَالطُّغْيَانِ، وَزِينَةٌ الفُقَرَاءِ مِنَ الذِّلَّةِ وَالعَوَزِ؛ خُلُقٌ إِذَا تَحَلَّى بِهِ الفَرْدُ صَارَ شَامَةً بَيْنَ النَّاسِ، وَإِذَا صِيغَ بِهِ المُجْتَمَعُ أَصْبَحَ مَعْقِلًا مَنِيعًا، لَا تَجِدُ الرَّذِيلَةُ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ إِنَّهُ خُلُقُ “العِفَّةِ وَالتَّعَفُّفِ“.
فتَعَالَوْا بِنَا نَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّرِيفَةِ لِنَفْهَمَ سِرَّهَا: فالمُتَأَمِّلُ فِي لُغَةِ العَرَبِ يَجِدُ أَنَّ “العِفَّةَ“: هِيَ الكَفُّ عَمَّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَجْمُلُ، وَالِامْتِنَاعُ الِاخْتِيَارِيُّ عَنِ الدَّنَايَا، وَمُحَقَّرَاتِ الأُمُورِ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ، الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لَنَا فمعناها: ضَبْطُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ الطَّاغِيَةِ، وَتَقْيِيدُ الجَوَارِحِ عَنِ المُشْتَهَيَاتِ، الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ، حَتَّى تَعْلُوَ نَفْسُ المُسْلِمِ، وَتَسْمُوَ رُوحُهُ فَوْقَ حَضِيْضِ الطِّينِ، وَمُسْتَنْقَعَاتِ الآثَامِ.
وَأَمَّا “التَّعَفُّفُ” -بِزِيَادَةِ المَبْنَى الَّتِي تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ المَعْنَى- فَهُوَ ذَلِكَ التَّكَلُّفُ المَحْمُودُ، وَالسَّعْيُ الحَثِيثُ، وَالمُجَاهَدَةُ الأَبِيَّةُ، الَّتِي يَخُوضُهَا العَبْدُ ضِدَّ هَوَاهُ، لِيُنْجِبَ هَذِهِ المَكْرُمَةَ فِي نَفْسِهِ، حَتَّى تَصِيرَ لَهُ طَبْعًا رَاسِخًا، وَسَجِيَّةً ثَابِتَةً.
وَلِتَعْلَمُوا -أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِلُ- أَنَّ العِفَّةَ لَيْسَتْ مَقَامًا وَاحِدًا جَافًّا، بَلْ هِيَ طَبَقَاتٌ وَأَنْوَاعٌ، تَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ عَبْقَرِيَّيْنِ فِي التَّشْرِيعِ الإِسْلَامِيِّ:
أَمَّا النَّوْعُ الأَوَّلُ: فَهُوَ العِفَّةُ عَنِ المُحَرَّمَاتِ؛ وَهِيَ الفَرِيضَةُ الَّتِي لَا عُذْرَ لأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا؛ كَكَفِّ البَصَرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ، وَصَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، الَّتِي تَقْطَعُ أَوَاصِرَ المُجْتَمَعِ، وَتَحْرِيمِ اليَدِ عَنْ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَالظُّلْمِ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهِيَ الذِّرْوَةُ الشَّامِخَةُ، وَالمَقَامُ الأَعْلَى، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ النَّفْسِ، وَتَعَلُّقِهَا بِالمَلإِ الأَعْلَى، وَهُوَ: “العِفَّةُ عَنِ المُبَاحَاتِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهَا“؛ كَالتَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ، وَطَلَبِ مَعُونَةِ الخَلْقِ، مَعَ شِدَّةِ الفَاقَةِ وَالجُوعِ، وَكَتَعَفُّفِ نِسَاءِ المُسْلِمِينَ مِنْ كِبَارِ السِّنِّ -القَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ- عَنِ التَّخَفُّفِ مِنَ الحِجَابِ وَالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ، مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ الحَكِيمَ قَدْ رَخَّصَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُنَّ يَسْتَعْفِفْنَ رَغْبَةً فِي كَمَالِ السِّتْرِ، وَطَلَبًا لِأَعْلَى مَنَازِلِ الحَيَاءِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واسْمَعُوا يَرعَاكُمُ اللهُ إِلَى القُرْآنِ الكَرِيمِ، كَيْفَ يَرْسُمُ لَنَا لَوْحَةً تَقْشَعِرُّ مِنْ جَلَالِهَا الجُلُودُ، وَتَبْكِي مِنْ رَوْعَتِهَا العُيُونُ، فِي وَصْفِ رِجَالٍ تَرَبَّوْا فِي مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ، فُقَرَاءُ المِلَّةِ، وَأَهْلُ الصُّفَّةِ، يَقُولُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة:273].
يَا للهِ! أَيُّ صُورَةٍ هَذِهِ؟، فَقْرٌ يَعْتَصِرُ الأَمْعَاءَ، وَعَوَزٌ يَكَادُ يَهُدُّ البِنَاءَ، وَلَكِنَّ كِبْرِيَاءَ الإِيمَانِ، وَشَرَفَ النَّفْسِ المَمْلُوءَةِ بِإِعْزَازِ اللهِ، كَسَاهُمْ بَهَاءً المُلُوكِ، وَمَهَابَةَ السَّلَاطِينِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الجَاهِلَ بِحَالِهِمْ، إِذَا رَآهُمْ ظَنَّهُمْ مِنْ أَرْبَابِ المَلَايِينِ وَالثَّرَوَاتِ!، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، فلَا يَقِفُونَ عَلَى الأَبْوَابِ مُتَذَلِّلِينَ، وَلَا يَطْلُبُونَ العَطَايَا مُلِحِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ العِزَّةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
وَعِنْدَمَا تَثُورُ شَهْوَةُ الشَّبَابِ فِي نَفْسِ المَرْءِ، وَيَجِدُ العَقَبَاتِ المَادِّيَّةَ كَأَمْثَالِ الجِبَالِ، تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَلَالِ، فَمَا هُوَ المَخْرَجُ فِي قَامُوسِ الإِسْلَامِ؟، هَلْ هُوَ الِانْحِلَالُ؟ هَلْ هُوَ الِارْتِمَاءُ فِي سُوقِ الرَّذِيلَةِ؟، وَالعَلَاقَاتِ المُحَرَّمَةِ؟، لَا وَاللهِ! بَلْ هُوَ الطُّهْرُ المُرُّ، الَّذِي يَعْقِبُهُ شَهْدُ الرِّضَا؛ اسْمَعُوا إِلَى رَبِّكُمْ العَلِيمِ بِأَحْوَالِكُمْ، وَهُوَ يَقُولُ فِي سُورَةِ النُّورِ: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]. إِنَّهُ أَمْرٌ إِلَهِيٌّ، بِالصَّبْرِ وَالِاسْتِعْفَافِ، وَوَعْدٌ رَبَّانيٌّ، بِأَنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الغِنَى قَادِمٌ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَمِنَّتِهِ.
بَلْ حَتَّى أَوْلِيَاءُ اليَتَامَى، القَائِمُونَ عَلَى كَفَالَتِهِمْ، وَإِدَارَةِ شُؤُونِهِمْ، جَعَلَ اللهُ خُلُقَ العِفَّةِ لَهُمْ دَوَاءً، وَحِمَايَةً مِنَ الطَّمَعِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:6]. فَمَنْ كَانَ فِيهِ غِنًى، فَلْيَتَرَفَّعْ عَنْ مَالِ هَذَا الضَّعِيفِ ،وَلْيَحْفَظْ يَدَهُ، فَإِنَّ العِفَّةَ هُنَا هِيَ صِمَامُ أَمَانِ العَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
وتَأَمَّلُوا هَذِهِ المَدْرَسَةَ النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ، الَّتِي سَطَّرَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ جَاؤُوا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَمَا رَدَّهُمْ خَائِبِينَ، بَلْ أَعْطَاهُمْ، ثُمَّ عَادُوا فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ كُلُّ مَا عِنْدَهُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ، التَفَتَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَوَجَّهَهُمْ إِلَى كَنْزٍ لَا يَنْفَدُ، فَقَالَ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» [متفق عليه].
يَا لَهُ مِنْ قَانُونٍ رَبَّانِيٍّ أَبَدِيٍّ!، خُذِ الخُطْوَةَ الأُولَى نَحْوَ الصَّوْنِ، اغْلِقْ أَبْوَابَ المَخْلُوقِينَ، وَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، سَتَجِدُ مَدَدَ اللهِ الخَفِيَّ، يُحِيطُ بِكَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَيَغْرِسُ الغِنَى الحَقِيقِيَّ فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِكَ، فَتَعِيشُ مَلِكًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ شَرْوَى نَقِيرٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخطبة الثانية (خُلُقُ العِفَّةِ وَالتَّعَفُّفِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ خُلُقَ العِفَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ نُطْبِقُ عَلَيْهِ الشِّفَاهَ، فِي خُطَبٍ مَحْبُورَةٍ، بَلْ هُوَ شَرِيِعَةُ حَيَاةٍ، وَمَجَالَاتٌ عَمَلِيَّةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ، تَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الجَوَارِحِ وَالسُّلُوكِ، لِتَظْهَرَ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ مِنْ نَبَضَاتِ المُجْتَمَعِ.
فتَعَالَوْا لِنَسِيرَ فِي مَيَادِينِ العِفَّةِ وَنَرَى صُوَرَهَا: أَوَّلُ هَذِهِ المَيَادِينِ وَرَأْسُ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا: “عِفَّةُ الفَرْجِ“؛ بِأَنْ يَحْفَظَ المَرْءُ نَفْسَهُ، وَعِرْضَهُ، عَنِ الزِّنَا، وَالفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا؛ فَلَا يَقْرَبُ الفَاحِشَةَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، مُسْتَحْضِرًا أَنَّ الفَرَجَ أَمَانَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا.
وَيَلِيهَا مُبَاشَرَةً “عِفَّةُ اللِّسَانِ“؛ هَذَا العُضْوُ الصَّغِيرُ حَجْمُهُ، العَظِيمُ جُرْمُهُ؛ فَالمُعَفَّفُ لَا يَنْطِقُ بِفُحْشٍ، وَلَا يَسُبُّ، وَلَا يَشْتِمُ، بَلْ يُطَهِّرُ فَمَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَعَنْ لَغْوِ الكَلَامِ، فَلَا يَكُونُ
هَمَّازًا، وَلَا لَمَّازًا، وَلَا مَشَّاءً بِنَمِيمٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ شَرَفِ النَّفْسِ: “العِفَّةُ عَنِ المَسْأَلَةِ“؛ فَلَا يُذِلُّ المُؤْمِنُ جَبِينَهُ الَّذِي سَجَدَ بِهِ للهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَقِفَ بِهِ بَيْنَ يَدَيِ المَخْلُوقِينَ، طَالِبًا المَالَ تَمَلُّقًا أَوْ تَكَثُّرًا.
وَيَتَّصِلُ بِذَلِكَ “التَّعَفُّفُ عَنِ المَأْكَلِ وَالمَشْرَبِ الحَرَامِ“؛ بِتَحَرِّي اللُّقْمَةِ الحَلَالِ الصَّافِيَةِ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ المَالِ المَشْبُوهِ؛ لِأَنَّ الجَسَدَ الَّذِي يَنْبُتُ مِنَ السُّحْتِ وَالرِّبَا وَالحَرَامِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَلُقْمَةٌ حَلَالٌ مَعَ الجُوعِ، خَيْرٌ مِنْ مَوَائِدَ حَرَامٍ تَقُودُ إِلَى سَقَرَ.
ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الحِصْنِ الأَوَّلِ لِلْعِفَّةِ: “التَّعَفُّفُ عَنْ إِرْسَالِ البَصَرِ“؛ بِغَضِّ الطَّرْفِ دَوْمًا عَمَّا حَرَّمَ اللهُ، فَلَا تَمْتَدُّ العَيْنُ خَائِنَةً إِلَى مَا تَبُثُّهُ الشَّاشَاتُ، أَوْ تَعْرِضُهُ الطُّرُقَاتُ مِنَ المَفَاتِنِ.
وَيَتَوَّجُ ذَلِكَ بِأَنْ “يَعَفَّ المَرْءُ يَدَهُ عَنِ الِامْتِدَادِ لِمَا يَمْلِكُهُ الغَيْرُ”؛ فَلَا يَسْرِقُ، وَلَا يَخْتَلِسُ، وَلَا يَأْخُذُ رِشْوَةً تَحْتَ أَيِّ مُسَمًّى خَادِعٍ.
وَلَا نَنْسَى “عِفَّةَ السَّمْعِ“؛ بِأَنْ يَصُونَ المُسْلِمُ أُذُنَهُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِلْغِيْبَةِ، وَالغِنَاءِ، وَالمَعَازِفِ المُحَرَّمَةِ، وَقَوْلِ الزُّورِ.
وَمِسْكُ خِتَامِ هَذِهِ الجَوَارِحِ: “عِفَّةُ الجَسَدِ بِسِتْرِ عَوْرَاتِهِ“؛ بِتَمَسُّكِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِاللِّبَاسِ الشَّرْعِيِّ الحَشِيمِ الَّذِي يَصُونُ المُرُوءَةَ وَلَا يَخْدِشُ الحَيَاءَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
مَا أَقْبَحَ أَنْ يَعِيشَ الإِنْسَانُ تَابِعًا لِشَهَوَاتِهِ!، وَمَا أَعْظَمَ أَهَمِّيَّةَ العِفَّةِ لِلْفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ!، فَهِيَ الطَّاقَةُ الَّتِي تَحْفَظُ الأَنْسَابَ مِنَ الِاخْتِلَاطِ، وَتَصُونُ الكَرَامَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، وَتَقْطَعُ دَابِرَ الجَرَائِمِ وَالأَمْرَاضِ الفَتَّاكَةِ، وَتُحِيلُ المُجْتَمَعَ إِلَى وَاحَةٍ أَمْنِيَّةٍ نَفْسِيَّةٍ يَأْمَنُ فِيهَا كُلُّ ذِي عِرْضٍ عَلَى عِرْضِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الوَسَائِلِ المُعِينَةِ عَلَى تَحْصِيلِ هَذِهِ المَكْرُمَةِ: دَوَامُ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى اللهِ، وَاسْتِهْجَانُ الرَّذِيلَةِ، وَمُرَاقَبَةُ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ، وَصُحْبَةُ الأَخْيَارِ، الَّذِينَ إِذَا ذَكَرْتَ اللهَ أَعَانُوكَ، وَإِذَا نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ، وَتَذَكُّرُ الآخِرَةِ، وَالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الجَبَّارِ.
وَلَنَا فِي رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَهْلِ بَيْتِهِ الأُسْوَةُ الشَّامِخَةُ؛ لَقَدْ كَانَ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) قِمَّةً تَعْجِزُ عَنْ بُلُوغِهَا الكَلِمَاتُ فِي العِفَّةِ؛ فَقَدْ كَانَ يَجِدُ التَّمْرَةَ السَّاقِطَةَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَنَفْسُهُ تَتُوقُ لَهَا، فَلَا يَأْكُلُهَا، مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ!، وَهُوَ الَّذِي حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الصَّدَقَاتِ كُلَّهَا، رِفْعَةً لِمَقَامِهِمْ وَتَطْهِيرًا لِأَنْفُسِهِمْ.
أَمَّا ثَمَرَاتُ العِفَّةِ: فَمَا طَابَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ إِلَّا بِهَا: ففِي الدُّنْيَا: صَفَاءُ النَّفْسِ، وَرَاحَةُ البَالِ،
وَالنَّجَاةُ مِنَ الفَضَائِحِ، وَمَحَبَّةُ الخَلْقِ، وَالبَرَكَةُ النَّازِلَةُ فِي الرِّزْقِ، وَكِفَايَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْتَاجَ لِغَيْرِهِ.
وَفِي الآخِرَةِ: الفَوْزُ بِرِضْوَانِ الرَّحْمَنِ، الَّذِي لَا سَخَطَ بَعْدَهُ، وَدُخُولُ الجَنَّاتِ العُلَا، مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهَا، وَمُرَافَقَةُ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الأَوْفِيَاءُ، وَالْزَمُوا مَنْهَجَ العَفَافِ تَسْعَدُوا وَتُرْحَمُوا.
[الدُّعَاءُ]
