خطبة عن (رَمَضَانُ وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ)
مارس 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس:9-10]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:40-41]. وَفي الحديث: (عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ» [مسند أحمد].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ مَفْهُومَ الِانْتِصَارِ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى غَلَبَةِ الْأَعْدَاءِ فِي مَيَادِينِ الْقِتَالِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارٍ يُحَقِّقُهُ الْمُسْلِمُ هُوَ انْتِصَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَمَا شَهْرُ رَمَضَانَ إِلَّا مَعْرَكَةٌ سَنَوِيَّةٌ كُبْرَى، يَخْرُجُ مِنْهَا الصَّائِمُونَ مُنْتَصِرِينَ، حِينَ يَقْهَرُونَ شَهَوَاتِهِمْ، وَيُلْجِمُونَ نَزَغَاتِهِمْ، فانْتِصَار الصَّائِمِ يَتَجَلَّى فِي قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ -مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ- طَاعَةً لِرَبِّهِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ لِأَجْلِ اللَّهِ، فَهُوَ عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ أَقْدَرُ، وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ الِانْتِصَارِ وَذُرْوَةُ الْفَلَاحِ.
(انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ): والصَّائِم يَنْتَصِرُ عَلَى “عَادَاتِهِ” الَّتِي اسْتَعْبَدَتْهُ طِيلَةَ الْعَامِ؛ فَيُغَيِّرُ نِظَامَ نَوْمِهِ، وَيَضْبِطُ أَوْقَاتَ طَعَامِهِ، وَيَكْبَحُ جِمَاحَ غَضَبِهِ، فَيَقُولُ لِمَنْ سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ: “إِنِّي صَائِمٌ”، فهَذَا الضَّبْطُ لِلْانْفِعَالَاتِ، هُوَ انْتِصَارٌ لِلْخُلُقِ الْقَوِيمِ، عَلَى الرَّعُونَةِ وَالطَّيْشِ،
(انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ): وَالصَّائِمُ يَنْتَصِرُ عَلَى “شَيْطَانِهِ” الَّذِي ضُيِّقَتْ مَجَارِيهِ بِالصَّوْمِ، وَصُفِّدَتْ مَرَدَتُهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَيَجِدُ الْمُؤْمِنُ رِقَّةً فِي قَلْبِهِ، وَنَشَاطاً فِي عِبَادَتِهِ، وَإِقْبَالاً عَلَى رَبِّهِ، وَهِيَ غَنَائِمُ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ الْمُحْتَسِبُونَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ولَقَدْ كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ عَبْرَ التَّارِيخِ شَهْرَ الِانْتِصَارَاتِ الْكُبْرَى؛ فَفِيهِ كَانَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ فِي بَدْرٍ، وَفِيهِ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ، وَمَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْتَصِرُوا فِي تِلْكَ الْمَيَادِينِ، لَوْلَا انْتِصَارُهُمْ أَوَّلاً فِي مَيَادِينِ الْقُلُوبِ وَالتَّزْكِيَةِ،
وَنَحْنُ الْيَوْمَ نَحْتَاجُ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِانْتِصَارِ؛ انْتِصَارِ الْقِيَمِ عَلَى الْمَادِّيَّاتِ، وَانْتِصَارِ الْوَحْيِ عَلَى الْهَوَى، فإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَنْتَصِرُ عَلَى شَهَوَاتِهَا فِي رَمَضَانَ، هِيَ أُمَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى صِنَاعَةِ الْمَجْدِ وَاسْتِعَادَةِ الرِّيَادَةِ، لِأَنَّ الِانْتِصَارَ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الْإِنْسَانِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ فِي وَاقِعِهِ.
(انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ): ومن عَلَامَةَ الِانْتِصَارِ فِي رَمَضَانَ: “الثَّبَاتُ”؛ فَلَيْسَ الْمُنْتَصِرُ مَنْ أَحْسَنَ الصِّيَامَ ثُمَّ عَادَ لِلْمَعَاصِي بَعْدَهُ، بَلِ الْمُنْتَصِرُ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَدْرَسَةِ الشَّهْرِ بِقَلْبٍ جَدِيدٍ، وَهِمَّةٍ عَالِيَةٍ،
(انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ): فالصَّائِمُ الْمُنْتَصِرُ هُوَ مَنْ تَهَذَّبَ لِسَانُهُ، فَلَا يَنْطِقُ بِزُورٍ، وَطَهُرَتْ عَيْنُهُ، فَلَا تَنْظُرُ لِحَرَامٍ، وَسَلِمَ صَدْرُهُ فَلَا يَحْمِلُ غِلًّا، فَلْنَحْرِصْ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَوْمُنَا رِحْلَةَ عُرُوجٍ نَحْوَ الْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ، لِنَسْتَحِقَّ مَدْحَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ» [مسند أحمد].
(انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ): إِنَّ انْتِصَارَ الصَّائِمِينَ يَتَجَلَّى فِي خِتَامِ الشَّهْرِ، حِينَ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ، وَيَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ، فهَذَا الِانْتِصَارُ يُعْطِي لِلْإِنْسَانِ “ثِقَةً” بِرَبِّهِ وَبِنَفْسِهِ؛ فَإِذَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَهْزِمَ شَهْوَةَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ لِمُدَّةِ شَهْرٍ كَامِلٍ، فَأَنْتَ قَادِرٌ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عَلَى مُوَاجَهَةِ صِعَابِ الْحَيَاةِ بِصَبْرٍ وَثَبَاتٍ، والصَّوْم يَزْرَعُ فِينَا رُوحَ التَّحَدِّي وَالْمُثَابَرَةِ، وَيُعَلِّمُنَا أَنَّ لَذَّةَ الِانْتِصَارِ عَلَى النَّفْسِ أَطْيَبُ وَأَبْقَى مِنْ لَذَّةِ الِانْسِيَاقِ وَرَاءَ الْهَوَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَذَكَّرُوا أَنَّ الِانْتِصَارَ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِنَيْلِ رِضَا اللَّهِ، وَسَكَنِ الْجِنَانِ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْعُجْبُ بِأَعْمَالِكُمْ، وَلَكِنِ اسْأَلُوا اللَّهَ الْقَبُولَ، وَاجْعَلُوا مِنْ هَذَا الِانْتِصَارِ انْطِلَاقَةً لِلْإِصْلَاحِ؛ إِصْلَاحِ الْبَيْتِ، وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ، وَإِصْلَاحِ الْمُجْتَمَعِ، فَالْمُنْتَصِرُ الْحَقُّ هُوَ مَنْ يَنْشُرُ الْخَيْرَ حَيْثُمَا حَلَّ، وَيَكُونُ مِفْتَاحاً لِلْبَرَكَةِ لِمَنْ حَوْلَهُ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ، والْمَقْبُولِينَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، والْفَائِزِينَ بِبَابِ الرَّيَّانِ. اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْ جِهَادَنَا فِيكَ مَقْرُوناً بِتَوْفِيقِكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل الحديث عن: (انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ)، فَكَيْفَ يَنْتَصِرُ الصَّائِمُونَ؟: بالِانْتِصَار عَلَى “النَّفْسِ”: فنَفْسُكَ الَّتِي تَتُوقُ لِلَّذَّاتِ، وَتَمِيلُ لِلرَّاحَةِ، وَتَأْمُرُ بِالسُّوءِ؛ وتَأْتِي أَنْتَ فِي رَمَضَانَ لِتَقُولَ لَهَا: “لَا”، لَا لِلطَّعَامِ المُلِذِّ، لَا لِلشَّرَابِ المُرْوِي، لَا لِلمَعَاصِي، فحِينَ تُمْسِكُ بِيَدِكَ عَنِ الحَلَالِ طَاعَةً لِلهِ، فَأَنْتَ تُعْلِنُ سِيَادَتَكَ عَلَى غَرِائِزِكَ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الِانْتِصَارِ.
يَنْتَصِرُ الصَّائِمُونَ: بالِانْتِصَار عَلَى “الشَّيْطَانِ”: فحِينَ تُصَفَّدُ الشَّيَاطِينُ، وَتَقِلُّ مَجَارِي السُّوءِ فِي العُرُوقِ بِالصَّوْمِ، يَضْعُفُ كَيْدُ العَدُوِّ، وَيَقْوَى سُلْطَانُ الرُّوحِ. الصَّائِمُ يَنْتَصِرُ عَلَى الوَسْوَسَةِ بِالتَّسْبِيحِ، وَعَلَى الغَفْلَةِ بِالقُرْآنِ.
يَنْتَصِرُ الصَّائِمُونَ: بالِانْتِصَار عَلَى “العَادَاتِ السَّيِّئَةِ”: فمَنْ كَانَ أَسِيراً لِلسِّيجَارَةِ، أَوْ لِكَثْرَةِ النَّوْمِ، أَوْ لِفُضُولِ الكَلَامِ؛ يَجِدُ نَفْسَهُ فِي رَمَضَانَ قَادِراً عَلَى كَسْرِ هَذِهِ الأَغْلَالِ. الصِّيَامُ يُعَلِّمُكَ أَنَّكَ “تَسْتَطِيعُ” أَنْ تَتَغَيَّرَ إِذَا اسْتَعَنْتَ بِاللهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ النَّصْرَ الحَقِيقِيَّ لِلصَّائِمِ لَيْسَ بِانْتِهَاءِ اليَوْمِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ، بَلْ هُوَ بِالخُرُوجِ مِنْ رَمَضَانَ بِقَلْبٍ غَيْرِ الَّذِي دَخَلْنَا بِهِ.
فإِذَا خَرَجْتَ وَقَدْ تَعَلَّقْتَ بِالمَسْجِدِ، فَقَدِ انْتَصَرْتَ.
وإِذَا خَرَجْتَ وَقَدْ طَهَّرْتَ لِسَانَكَ مِنَ الغِيبَةِ، فَقَدِ انْتَصَرْتَ.
وإِذَا عَرَفْتَ أَنَّكَ بِلَا إِرَادَةٍ لَا تُسَاوِي شَيْئاً، وَأَنَّ قُوَّتَكَ فِي تَقْوَاكَ، فَقَدِ انْتَصَرْتَ.
فيا عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ أُمَّتَنَا اليَوْمَ تَمُرُّ بِمِحَنٍ عِظَامٍ، وَهِيَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَى جِيلٍ يَنْتَصِرُ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَنْصُرَهُ اللهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، فَلَا تَجْعَلُوا صِيَامَكُمْ مَجَالاً لِلخُمُولِ، بَلْ لِلإِنْتَاجِ وَالقُوَّةِ وَالعَمَلِ.
اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَارْفَعْ بَيْنَنَا رَايَةَ الحَقِّ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ فَتْحاً عَلَيْنَا وَعَلَى المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا المُرَابِطِينَ فِي أَكْنَافِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَيِّدْهُمْ بِتَوْفِيقِكَ وَانْصُرْهُمْ بِنَصْرِكَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنَ المُنْتَصِرِينَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ بِالعَفْوِ وَالغُفْرَانِ وَالعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ.
الدعاء
