خطبة عن (انْتِصَارُ الصَّائِمِينَ)
مارس 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (تجليات ليلة القدر)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:1-3]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:4]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري].
إخوة الإسلام
(ليلة القدر) مِنْ أَعْظَمِ لَيَالِي الدُّنْيَا، وَأَجَلِّ مَوَاقِيتِ الزَّمَانِ؛ فهي لَيْلَة اخْتَصَّهَا اللَّهُ بِمَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهَا، وسُمِّيَتْ (بِلَيْلَةُ الْقَدْرِ) لِعَظِيمِ قَدْرِهَا وَشَرَفِهَا، ولِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي الْعَامِ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ، فلَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، الْعِبَادَةُ فِيهَا تَفُوقُ عِبَادَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وهَذَا هُوَ الْفَضْلُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي يَتَجَلَّى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، لِيُعَوِّضَهَا قِصَرَ أَعْمَارِهَا بِعَظِيمِ الْأُجُورِ.
فلَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الشَّرَفِ، وَلَيْلَةُ التَّقْدِيرِ، وَلَيْلَةُ الحُكْمِ الإِلَهِيِّ، والطَّاعَة فِيهَا لَهَا قَدْرٌ عَظِيمٌ، فعُمْرٌ كَامِلٌ يُعْطِيهِ اللهُ لَكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فهَلْ رَأَيْتُمْ كَرَماً يَنْحَنِي لَهُ الجَبِينُ مِثْلَ هَذَا الكَرَمِ؟، والعَبْد المُوَفَّقَ هُوَ مَنْ أَدْرَكَ أَنَّ سَاعَةً فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَعْدِلُ سَنَوَاتٍ مِنَ العِبَادَةِ، وَأَنَّ السَّجْدَةَ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ سُجُودِ عُمُرٍ مَدِيدٍ.
ومِنْ أَعْظَمِ تَجَلِّيَاتِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ: نُزُول الْمَلَائِكَةِ؛ فَالْأَرْضُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَكُونُ أَضْيَقَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِكَثْرَتِهِمْ، وهم يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ “الرُّوحُ”، الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ، يَنْزِلُ فِي كُلِّ عَامٍ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِيَشْهَدَ عِبَادَةَ الْمُسْلِمِينَ وَتَضَرُّعَهُمْ.
إِنَّهُ لِقَاءٌ بَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ فِي مِحْرَابِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، فتَصَوَّرُوا هَذَا المَشْهَدَ المَهِيبَ؛ ضَاقَتِ السَّمَاءُ بِالمَلَائِكَةِ فَهَبَطُوا إِلَى الأَرْضِ، يَسْتَعْرِضُونَ صُفُوفَ المُصَلِّينَ ،وَيَسْتَمِعُونَ لِأَنِينِ التَّائِبِينَ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ القَائِمِينَ، وجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ لِيَحُفَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَرَكَاتِ السَّمَاءِ.
وهَذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ لَيْلَةُ “السَّلَامِ”؛ ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: فَهِيَ سَلَامٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءاً أَوْ أَذًى، وَسَلَامٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ، وَسَلَامٌ لِلْقُلُوبِ الَّتِي أَقْبَلَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَمَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ، لِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا، وَيَطْرُقُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ بِالِاعْتِكَافِ وَالْقِيَامِ وَالدُّعَاءِ، {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}: فهِيَ سلام وفُرْصَةٌ للعَبْد لِيَتَصَالَحَ مَعَ نَفْسِهِ، وَمَعَ خَالِقِهِ، وَمَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ولَيْلَة الْقَدْرِ فُرْصَةٌ لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ؛ فَإِذَا كَانَتِ الْأَقْدَارُ تُكْتَبُ فِيهَا، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وأَلِحُّوا فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَتَحَرَّوْهَا فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [صحيح البخاري]. ولَا تَنْشَغِلُوا بِالْأَسْوَاقِ وَلَا بِالْفُضُولِ مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ أَقْبِلُوا عَلَى مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
والسؤال: مَاذَا نَفْعَلُ لِنَنَالَ رَحَمَاتِ لَيْلَةِ القَدْرِ؟، والجواب: الإِخْلَاصُ وَالِاحْتِسَابُ: كَمَا فِي الحَدِيثِ “إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً”؛ لَا قِيَامَ لِلْمَظَاهِرِ، وَلَا صَلَاةَ لِلمَدِيحِ، بَلْ قَصْداً لِوَجْهِ اللهِ وَحْدَهُ.
والدُّعَاءُ بِالعَفْوِ: حِينَ سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: “يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، مَا أَقُولُ؟”، قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». لَمْ يَقُلْ لَهَا اسْأَلِي المَالَ أَوِ الجَاهَ، بَلِ العَفْوَ؛ لِأَنَّ العَفْوَ إِذَا نَزَلَ، نَزَلَتْ مَعَهُ السَّعَادَةُ وَأُجِيبَتْ كُلُّ المَطَالِبِ.
وتَصْفِيَةُ القُلُوبِ: فاحْذَرُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- أَنْ تُحْرَمُوا بَرَكَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ “شَحْنَاءَ” مَعَ أَخٍ، أَوْ “قَطِيعَةِ رَحِمٍ”، لَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ لِيُخْبِرَ الصَّحَابَةَ بِمَوْعِدِهَا، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ (تَخَاصَمَا)، فَرُفِعَ العِلْمُ بِهَا!، فَكَمْ حُرِمْنَا مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِ خُصُومَاتِنَا؟.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولم
الخُطْبَةُ الثانية (تجليات ليلة القدر)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:3]. وَفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [سنن الترمذي].
فتَأَمَّلُوا فِي تَوْجِيهِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ؛ فَمَعَ كُلِّ هَذَا الْأَجْرِ الْعَظِيمِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، يَرْشُدُنَا إِلَى سُؤَالِ “الْعَفْوِ”. لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، نَالَ السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَزَالَتْ عَنْهُ حُجُبُ الْمَعَاصِي الَّتِي تَمْنَعُ الرِّزْقَ وَالْبَرَكَةَ، فالْعَفْوُ هُوَ مَحْوُ الذَّنْبِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي كِتَابِكَ، وَلَا يُحَاسِبُكَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
واعلموا أنَّ رَحَمَاتِ اللَّهِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ صَفَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَلِمَتْ صُدُورُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ. فَلَا تَدْخُلُوا هَذِهِ اللَّيَالِي وَفِي قُلُوبِكُمْ شَحْنَاءُ أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ؛ فَإِنَّ الشَّحْنَاءَ تَمْنَعُ نُزُولَ الْخَيْرِ، فطَهِّرُوا بَوَاطِنَكُمْ لِيَتَجَلَّى اللَّهُ عَلَيْهَا بِنُورِ قُبُولِهِ، واجْعَلُوا لَيْلَكُمْ قِيَاماً، وَنَهَارَكُمْ صِيَاماً، وَأَلْسِنَتَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ رَطْبَةً.
واعلموا أن لَيْلَة الْقَدْرِ لَيْسَتْ لِمَنْ قَامَهَا بِجَسَدِهِ وَقَلْبُهُ لاهٍ، بَلْ هِيَ لِمَنْ قَامَهَا إِيمَاناً بِوَعْدِ اللَّهِ، وَاحْتِسَاباً لِلْأَجْرِ عِنْدَهُ، فاسْتَعِدُّوا لَهَا بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، وَتَابِعُوا الِاجْتِهَادَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ شَهْرِكُمْ، فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ. فَالْمُوفَّقُ مَنْ أَمْضَى هَذِهِ اللَّيَالِي بَيْنَ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ، وَدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ، طَمَعاً فِي رَحْمَةِ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:156]. واعلموا أنَّ اللهَ تعالى أَخْفَاهَا لِيَجْتَهِدَ المُشْتَاقُونَ فِي كُلِّ العَشْرِ، وَلِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ العَاجِزِ
وهَذِهِ لَيَالِي المَحْرُومِ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَلَا تَكُونُوا مِمَّنْ سَهِرَ فِي اللَّغْوِ، وَضَيَّعَ الكَنْزَ فِي المَلَاهِي، وكُونُوا مِمَّنْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ، يَبْكُونَ عَلَى خَطَايَاهُمْ، وَيَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ.
فاللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ، وَاجْعَلْنَا فِيهَا مِنَ المَقْبُولِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ اكْتُبْنَا فِيهَا مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ يَا رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، اجْعَلْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَتْحاً لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَصَلَاحاً لِقُلُوبِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
الدعاء
