خطبة عن (أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَر؟)
يونيو 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (السجود وجزاء الساجدين)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (18) الحج،
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (64) الفرقان،
وقال تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (15) السجدة،
وروى الإمام مسلم في صحيحه: (قَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِى طَلْحَةَ الْيَعْمَرِىُّ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ. أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ. فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً».
وفيه أيضا: (قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي «سَلْ». فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ «أَوَغَيْرَ ذَلِكَ». قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».
إخوة الإسلام
حديثنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن: (السجود وجزاء الساجدين)، فقد قال الله تعالى:(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) [السجدة:15]. وهكذا فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى السُّجُودَ هو أَعْلَى مَظَاهِرِ العُبُودِيَّةِ، وَهو أَقْرَب مَوَاطِنِ القُرْبِ إِلَيْهِ، ففِي السجود يَضَعُ الإِنْسَانُ جَبْهَتَهُ -الَّتِي هِيَ أَعَزُّ مَا فِيهِ- عَلَى التُّرَابِ، ذُلّاً وَانْكِسَاراً لِخَالِقِهِ، فَيَرْفَعُهُ اللهُ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّكْرِيمِ.
وبداية: فإِنَّ مَعْنَى السُّجُودِ فِي الغَرَضِ الشَّرْعِيِّ هُوَ: الخُضُوعُ التَّامُّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِوَضْعِ الأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ عَلَى الأَرْضِ، طَاعَةً لله وَامْتِثَالاً، ففي الصحيحين: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الْجَبْهَةِ – وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ – وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَلاَ الشَّعْرَ».
وَتَظْهَرُ أَهَمِّيَّة السجود وَمَنْزِلَتُهُ فِي الدِّينِ فِي أَنَّهُ كَوْنِيٌّ؛ فَالْوُجُودُ كُلُّهُ خَاضِعٌ سَاجِدٌ لِخَالِقِهِ، قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) [الحج:18].
فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَسْجُدُ، فَإِنَّمَا يَنْضَمُّ إِلَى سِمْفُونِيَّةِ الكَوْنِ المُسَبِّحِ الخَاشِعِ؛ فَالنُّجُومُ فِي مَدَارَاتِهَا، وَالشَّجَرُ فِي رَسْخِ أُصُولِهِ، كُلٌّ يُعْلِنُ سُجُودَهُ لِمَنْ أَوْجَدَهُ.
وَمِنْ مَنْزِلَةِ السُّجُودِ أَنَّ اللهَ جَعَلَهُ شِعَاراً لِلْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَوصفَ بِهِ عِبَادَ الرَّحْمَنِ الأَبْرَارَ الَّذِينَ هَجَرُوا المَضَاجِعَ لَيلاً طَلَباً لِلْقُرْبِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:64]. لَقَدْ تَرَكُوا لَذَّةَ النَّوْمِ لِيَلْتَصِقُوا بِالأَرْضِ سُجُوداً، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ السُّجُودَ هُوَ لَحْظَةُ المُنَاجَاةِ الخَاصَّةِ.
كَمَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الاسْتِجَابَةَ الفَوْرِيَّةَ بِالسُّجُودِ دَلِيلاً عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) السجدة:15. فَالْقَلْبُ الحَيُّ لَا يَتَرَدَّدُ، بَلْ يَخِرُّ مُسَارِعاً لِإِعْلَانِ عُبُودِيَّتِهِ، مُبْتَعِداً عَنْ كُلِّ صُوَرِ الِاسْتِكْبَارِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
أما عن ثَمَرَاتِ وَفَضَائِلِ السُّجُودِ الَّتِي جَاءَتْ فِيهَا الأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ صَرِيحَةً؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ اليَعْمَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ -أَوْ قَالَ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ- فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً». فَكُلَّمَا نَزَلَ جَسَدُكَ سُجُوداً فِي الأَرْضِ، ارْتَفَعَ قَدْرُكَ رَفْعَةً فِي السَّمَاءِ، وَتَسَاقَطَتْ ذُنُوبُكَ كَمَا يَتَسَاقَطُ وَرَقُ الشَّجَرِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ جَزَاءِ السَّاجِدِينَ فِي الآخِرَةِ: نَيْلُ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الجَنَّةِ. فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضاً عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».
فَالْتَّرَقِّي إِلَى أَعْلَى مَنَازِلِ الجِنَانِ بِجِوَارِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ لَيْسَ بِالأَمَانِيِّ، بَلْ بِكَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. هَذِهِ هِيَ المَعُونَةُ الَّتِي طَلَبَهَا المُصْطَفَى؛ أَنْ نَكُونَ أُمَّةً سَاجِدَةً خَاشِعَةً لَا تَقْطَعُ صِلَتَهَا بِاللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الجَانِبَ المُخِيفَ فِي مِيزَانِ السُّجُودِ هُوَ أَنَّ التَّوَلِّيَ عَنْهُ هُوَ أَعْظَمُ عَلَامَاتِ الأَشْقِيَاءِ وَالمُعَذَّبِينَ، فَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى سُجُودَ الكَائِنَاتِ كُلِّهَا فِي سُورَةِ الحَجِّ، قَالَ عَنْ صِنْفٍ مِنَ البَشَرِ: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) [الحج:18].
فَالْمُسْتَكْبِرُ عَنِ السُّجُودِ مُهَانٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ ظَنَّ فِي نَفْسِهِ العِزَّةَ بَيْنَ الخَلْقِ، وإِنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ هُوَ سُلُوكٌ إِبْلِيسِيٌّ؛ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يُطْرَدْ مِنَ الرَّحْمَةِ إِلَّا لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّدَمَ الأَكْبَرَ لِلْأَشْقِيَاءِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا طَائِعاً مُخْتَاراً، لَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم:42-43].
وفي صحيح مسلم: يقول صلى الله عليه وسلم عن حال الناس يوم القيامة: (فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً ،كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ). فسَتَصِيرُ ظُهُورُهُمْ كَطَبَقٍ وَاحِدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا الِانْحِنَاءَ خَرُّوا عَلَى قَفَاهُمْ، عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَهُمْ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، فَمَا أَعْظَمَ الحَسْرَةَ حِينَ يَتَمَيَّزُ السَّاجِدُونَ بِأَنْوَارِهِمْ، وَيَبْقَى المُعْرِضُونَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَصَغَارٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نَسْلُكُ طَرِيقَ السَّاجِدِينَ المُكْرَمِينَ؟، والجواب:
أَوَّلاً: بِالْمُحَافَظَةِ التَّامَّةِ عَلَى صَلَوَاتِ الفَرِيضَةِ فِي مَوَاقِيتِهَا.
ثَانِيًا: بِالِازْدِيَادِ مِنْ نَوَافِلِ السُّجُودِ كَصَلَاةِ الضُّحَى، وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَسُنَنِ الصَّلَوَاتِ الرَّوَاتِبِ.
ثَالِثًا: بِإِطَالَةِ السُّجُودِ وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» [رواه مسلم].
فاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَحَارِيبَ لِلسُّجُودِ، وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنَّ عِزَّتَهُمْ هِيَ فِي الِانْكِسَارِ لِلَّهِ حَتَّى نَكُونَ عِبَاداً مَرْحُومِينَ سُعَدَاءَ فِي الدَّارَيْنِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (السجود وجزاء الساجدين)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إذا ضاقت صدوركم، وكثُرت همومكم، وتكالبت عليكم أعداؤكم، فالسجود لربكم علاجكم؛ فقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر:97،98].
ومن ذلَّت جبهته لله رب العالمين، أكرمه الله برفع هامَتِهِ، وثبته ونصره على القوم الظالمين ؛فالسجود لله رب العالمين هو سلاح سحرة فرعون، الذين آمنوا برب العالمين، تسلَّحوا به ليكرمهم الله بالثبات على الحق المبين؛ قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:46-48]،
فوقف السحرة أمام تهديدات فرعون كالطَّوْدِ العظيم، وقالوا كما قال الله عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:72].
ومن أراد الفلاح والفوز والنجاح، فليكن من الراكعين الساجدين؛ قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77]،
فلنسجد جميعًا اليوم طوعًا قبل أن يأتيَ ذلك اليوم العصيب، نتمنى أن نسجد لله، لكن هيهات هيهات، فمن سجد لله اليوم، كان له الشرف أن يسجد غدًا أمام الواحد الديان، ومن لم يسجد
لله في هذه الدنيا الفانية، لا يستطيع أن يسجد غدًا يوم القيامة يوم الحسرة والندامة؛
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: أَيْنَ نَحْنُ مِنْ طُمَأْنِينَةِ السُّجُودِ؟، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الخَاشِعِينَ السَّاجِدِينَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ، وارْزُقْنَا كَثْرَةَ السُّجُودِ، وَاجْعَلْهُ سَبَباً لِرَفْعِ دَرَجَاتِنَا وَحَطِّ خَطَايَانَا، وارْزُقْنَا مُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الجَنَّةِ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا يَوْمَ تَزِلُّ الأَقْدَامُ.
الدعاء
