خطبة عن (احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)
يونيو 27, 2026الخطبة الأولى (رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام أحمد في مسنده: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَوْمَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَاماً فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ. قَالَ «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلاَّ امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا. قَالَ «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ». قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ. قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَحَمِدَ اللَّهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ». قَالُوا بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ « أَلاَ تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ». قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيداً فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلاً فَآسَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُم يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْماً لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلاَمِكُمْ أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ». قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْماً وَحَظًّا. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَفَرَّقُوا).
إخوة الإسلام
نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ أَعْظَمِ مَشَاهِدِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ، مَعَ مَوْقِفٍ تَتَجَلَّىٰ فِيهِ صِفَاتُ الجَلَالِ، وَالكَمَالِ، وَأَدَبِ الحِوَارِ النَّقِيِّ، عِنْدَمَا تَعْصِفُ بِالمـُجْتَمَعِ أَزَمَاتُ الفَهْمِ، أَوْ حَرْبُ الشَّائِعَاتِ.
إِنَّنَا فِي رِحَابِ (غَنَائِمِ حُنَيْنٍ)؛ حَيْثُ رَأَىٰ الأَنْصَارُ الأَبْرَارُ -الَّذِينَ حَمَوُا الدَّعْوَةَ بِسُيُوفِهِمْ، وَفَتَحُوا بُيُوتَهُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ- رَأَوْا تِلْكَ الإِبِلَ وَالأَغْنَامَ تُسَاقُ بِالأَلَافِ إِلَىٰ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ،
وَطُلَقَاءِ مَكَّةَ، مِمَّنْ دَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ حَدِيثًا، وَلَمْ يَنَلِ الأَنْصَارُ مِنْهَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا!،
وهُنَا تَحَرَّكَتِ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ فِي لَحْظَةِ عَتَبٍ: (لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ قَوْمَهُ!)،
فَمَاذَا صَنَعَ المُصْطَفَىٰ ﷺ مَعَ هَذَا التَّقَوُّلِ؟، لَمْ يَلْجَأْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَىٰ سِيَاسَةِ التَّخْوِينِ، وَلَا قَمْعِ الأَصْوَاتِ، وَلَا التَّحْقِيرِ مِنْ مَشَاعِرِ أَصْحَابِهِ؛ بَلْ عَلَّمَنَا أَعْلَىٰ دَرَجَاتِ “أَدَبِ الحِوَارِ”؛ حَيْثُ أَمَرَ سَيِّدَ الأَنْصَارِ (سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِإِصْرَارٍ صَارِمٍ: ﴿فِي هَٰذِهِ الْحَظِيرَةِ﴾، وَنَهَىٰ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ كَيْ يَكُونَ الحَدِيثُ خَاصًّا، حَمِيمًا، يَنْبَعُ مِنَ القَلْبِ إِلَىٰ القَلْبِ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ المُتَرَصِّدِينَ، وَأَلْسِنَةِ المـُنَافِقِينَ.
وَهَذَا دَرْسٌ لِكُلِّ مَسْؤُولٍ، وَلِكُلِّ أَبٍ، وَلِكُلِّ قَائِدٍ: إِذَا بَلَغَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ عَتَبٌ، فَاجْمَعْهُمْ، وَاسْمَعْ مِنْهُمْ، وَبَدِّدْ أَوْهَامَهُمْ، بِالمـُوَاجَهَةِ الصَّادِقَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا المـَوْقِفَ الحَكِيمَ لِسَيِّدِنَا (سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) حِينَ سَأَلَهُ ﷺ: ﴿فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَٰلِكَ يَا سَعْدُ؟﴾، فَلَمْ يُنَافِقْ، وَلَمْ يُخْفِ الحَقِيقَةَ، بَلْ قَالَ بِأَمَانَةِ الرَّجُلِ المـُخَضْرَمِ: ﴿مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي﴾!، أَيْ أَنَا أَشْعُرُ بِمَا يَشْعُرُونَ بِهِ، مِنْ عَتَبٍ بَشَرِيٍّ.
فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَدَأَ خِطَابَهُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأَصْلِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَوِجْدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ!، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟»
فاُنْظُرُوا إِلَىٰ رَدِّ الأَنْصَارِ الرَّائِعِ الـمُهَذَّبِ، الَّذِي يَفِيضُ بِالحُبِّ وَالإِجْلَالِ: ﴿قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ﴾. فلَمْ يُجَادِلُوا فِي الحَقَائِقِ، بَلْ أَقَرُّوا بِالفَضْلِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
وهُنَا فَتَحَ ﷺ بَابَ النِّقَاشِ بِأَعْلَىٰ أَدَبٍ نَفْسِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟»، قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ!،
فَقَالَ ﷺ كَلِمَاتٍ أَنْصَفَتْ تَارِيخَهُمْ، وَلَمْ تَبْخَسْهُمْ حَقَّهُمْ أَبَدًا: «أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ»!.
نَعَمْ يَا بَنِي الإِسْلَامِ، هَذَا هُوَ سُلْطَانُ المـِنْبَرِ الحَقِيقِيِّ؛ القَائِدُ الأَعْظَمُ هُوَ الَّذِي يَنْطِقُ بِمَنَاقِبِ خُصُومِهِ، أَوْ عُتَبَائِهِ، فِي وَجْهِهِمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِفَضْلِهِمْ عَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ.
فَمَاذَا بَعْدَ هَذَا التَّأْصِيلِ؟، وَكَيْفَ بَيَّنَ لَهُمْ حِكْمَةَ المـَنْعِ وَالعَطَاءِ؟، هَذَا هُوَ مِحْوَرُ خُطْبَتِنَا الثَّانِيَةِ ،لِنَرَىٰ كَيْفَ صَارَتِ الدُّنْيَا (لُعَاعَةً) تَحْتَ أَقْدَامِ أَهْلِ اليَقِينِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه:131].
إخوة الإسلام
وَفِي تَمَامِ نَصِّ الحَدِيثِ المـُبْكِي، كما فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِ، بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِفَضْلِهِمْ: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي (لُعَاعَةٍ) مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَىٰ إِسْلَامِكُمْ؟!، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟!، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّىٰ أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: (رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فتَدَبَّرُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ النَّبَوِيَّةَ الصَّاعِقَةَ لِكُلِّ مَادِّيَّةٍ: ﴿أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي (لُعَاعَةٍ) مِنَ الدُّنْيَا﴾!، وَ(اللُّعَاعَةُ) فِي لُغَةِ العَرَبِ هِيَ: النَّبْتُ القَلِيلُ النَّاعِمُ، المـَوُجُودُ عَلَىٰ حَافَةِ المـَاءِ، الَّذِي لَا يَلْبَثُ أَنْ يَيْبَسَ، فَيَطِيرَ مَعَ الرِّيَاحِ!، فلا وزن ولا قيمة له، لا فائدة منه.
فلَقَدْ سَمَّىٰ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آثَافَ الذَّهَبِ، وَآلَافَ الشِّيَاهِ، وَمِئَاتِ الأَبَاعِرِ، الَّتِي أَعْطَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ، لِيَتَأَلَّفَ بِهَا قُلُوبَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، سَمَّاهَا ﴿لُعَاعَةً﴾!، وَبَيَّنَ لِلْأَنْصَارِ مَقَامَهُمُ الشَّامِخَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: ﴿وَوَكَلْتُكُمْ إِلَىٰ إِسْلَامِكُمْ﴾. فَعَطَاءُ المـَالِ لِأَهْلِ الضَّعْفِ النَّفْسِيِّ، أَمَّا أَهْلُ الشُّمُوخِ، وَاليَقِينِ، فَلَا يُكَافَؤُونَ بِشَاةٍ، وَلَا بَعِيرٍ، بَلْ يُكَلُونَ إِلَىٰ عَقِيدَتِهِمْ.
ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَاطِفَةِ، الَّتِي تَهُزُّ الجِبَالَ، فقال لهم: ﴿أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ، وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ (بِرَسُولِ اللَّهِ) فِي رِحَالِكُمْ؟!﴾.
اللَّهُ أَكْبَرُ!، دَعُوا الدُّنْيَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ سَيِّدَ الخَلْقِ، لِيَعِيشَ مَعَكُمْ، وَيَمُوتَ فِي دِيَارِكُمْ! ،وَأَقْسَمَ ﷺ لَهُمْ، أَنَّهُ لَوْلَا شَرَفُ الهِجْرَةِ، لَتَمَنَّىٰ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَأَنَّ رِحْلَتَهُ فِي شِعَابِ الحَيَاةِ، مَعْقُودَةٌ بِشِعْبِهِمْ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو لَهُمْ، وَلِأَبْنَائِهِمْ، وَلِأَحْفَادِهِمْ بِالرَّحْمَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فكَيْفَ نَخْرُجُ اليَوْمَ مِنْ هَذِهِ المـَلْحَمَةِ عَمَلِيًّا فِي وَاقِعِنَا؟، فإِنَّ المـُسْلِمَ الفطن، هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّمُ، أَنَّ المـَقَادِيرَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِ فِي مَالٍ، أَوْ وِظِيفَةٍ، أَوْ زِينَةٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، فَلَا يَحْزَنْ، وَلَا يَقُلْ: “لَقِيَ فُلَانٌ حَظَّهُ وَحُرِمْتُ أَنَا!”، بَلْ يَنْظُرُ إِلَىٰ مِحْرَابِهِ، وَمُصْحَفِهِ، وَيَقُولُ بِلِسَانِ الأَنْصَارِ :﴿رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا﴾.
وإِذَا ذَهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَالعَقَارَاتِ، وَالشَّاشَاتِ، وَخَرَجْتَ أَنْتَ بِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَبِعِفَّةِ النَّفْسِ ،وَبِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، فَقَدْ حِيزَتْ لَكَ الآخِرَةُ كُلُّهَا.
فاجْعَلُوا هَذَا اليَقِينَ ثَقَافَةً فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَالـمَعَاشُ زَائِلٌ، وَاللُّعَاعَةُ فَانِيَةٌ، وَلَا يَبْقَىٰ إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
الدُّعَاءُ
