خطبة عن «جَزَاءُ الأَبْرَارِ عِنْدَ الاحْتِضَارِ»
سبتمبر 15, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [محمد:19]. وَفي صحيح مسلم: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّنَا اليَوْمَ نَقِفُ مَعَ أَعْظَمِ كَلِمَةٍ نَطَقَتْ بِهَا الأَلْسِنَةُ، وَأَطْهَرِ عَقِيدَةٍ اسْتَقَرَّتْ فِي القُلُوبِ، إِنَّهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فهَذِهِ الكَلِمَةُ مِنْ أَجْلِهَا نُصِبَتِ المَوَازِينُ، وَوُضِعَتِ الدَّوَاوِينُ، وَقَامَ سُوقُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وهي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَفْظٍ يُقَالُ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، وَعَقِيدَةٌ تَمْلأُ القَلْبَ يَقِينًا.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هَذِهِ الكَلِمَةُ هِيَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، لذا كان العِلْم بِمَعْنَاهَا هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ، فقد بَدَأَ اللهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد:19]، فَالجَهْلُ بِمَعْنَاهَا ضَلَالٌ، وَالعَمَلُ بِخِلَافِهَا خُسْرَانٌ مُبِينٌ.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): تعني أن الله تعالى عظيمٌ في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، ولا تُحيطُ به العقولُ، ولا تدرِكُه الأفهامُ، ولا تَصِلُ إلى عظمته الظُّنون.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هَذِهِ الكَلِمَةِ لَيْسَ مَعْنَاهَا (فَقَطْ) أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ؛ فَإِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان:25].
ولَكِنَّ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ الذِي أَنْكَرُوهُ، وَنُطَالَبُ بِهِ نَحْنُ اليوم هُوَ: (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ)،
أَيْ أَنَّ كُلَّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ: (مِن بَشَرٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ هَوًى)، فهُوَ بَاطِلٌ، وَأَنَّ العِبَادَةَ الحَقَّةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا لِلَّهِ المَلِكِ القُدُّوسِ، وحده لا شريك له.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هَذِهِ الكَلِمَةِ لها رُكْنَانِ، هُمَا سِرُّ بَقَائِهَا: (النَّفْيُ، وَالإِثْبَاتُ):
أَمَّا النَّفْيُ: فَهُوَ فِي قَوْلِكَ (لَا إِلَهَ)؛ وَهُوَ تَخْلِيَةُ القَلْبِ مِنْ كُلِّ نِدٍّ وَشَرِيكٍ، وهذا يعني أَنْ تَكْفُرَ بِالطَّاغُوتِ، وأَنْ تَنْزِعَ مِنْ قَلْبِكَ الخَوْفَ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَالرَّجَاءَ فِي غَيْرِ اللهِ.
وَأَمَّا الإِثْبَاتُ: فَهُوَ فِي قَوْلِكَ (إِلَّا اللهُ)؛ وَهُوَ تَحْلِيَةُ القَلْبِ بِإِخْلَاصِ القَصْدِ لِلَّهِ، فَلَا يُحَبُّ إِلَّا لَهُ،
وَلَا يُخْشَى إِلَّا هُوَ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. وقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256].
فَالنَّفْيُ وَالإِثْبَاتُ هُمَا جَنَاحَا التَّوْحِيدِ، اللَّذَانِ يُحَلِّقُ بِهِمَا المُؤْمِنُ فِي رِيَاضِ الإِيمَانِ، فَهَلْ نَحْنُ اليَوْمَ نُطَبِّقُ هَذَا النَّفْيَ وَالإِثْبَاتَ فِي حَيَاتِنَا؟، أَمْ أَنَّنَا نَقُولُهَا بِأَلْسِنَتِنَا، وَنُعَلِّقُ قُلُوبَنَا بِالأَسْبَابِ وَالبَشَرِ؟،
جَاءَ فِي الحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [أخرجه البخاري]. فانْظُرُوا إِلَى عِظَمِ هَذَا الحَقِّ، فيَقْتَضِي مِنْكَ أَنْ تَكُونَ أَقْوَالُكَ، وَأَفْعَالُكَ، وَحَتَّى نِيَّاتُكَ، خَالِصَةً لله تعالى، ففي سنن الترمذي: قال (صلى الله عليه وسلم): (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هي كلمة التَّوْحِيد الخالص لله تعالى، الذي يُورِثُ فِي القَلْبِ شَجَاعَةً لَا تَهْتَزُّ، وَثَبَاتًا لَا يَلِينُ، فانْظُرُوا إِلَى سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ، لَمَّا اسْتَقَرَّتْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي قُلُوبِهِمْ، مَاذَا قَالُوا لِلطَّاغِيَةِ (فرعون) الذِي هَدَّدَهُمْ بِالقَتْلِ وَالصَّلْبِ؟،
قَالُوا: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:72]. وهَذِهِ هِيَ عِزَّةُ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا هُوَ عُمْقُ المَعْنَى الذِي نَنْشُدُهُ.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هِيَ مَفَاتِيحُ الجَنَّةِ، والإيمان الصادق بها له شُرُوطَ، قَالَ (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) لَمَّا سُئِلَ: أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟، قَالَ: “بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ” [أخرجه البخاري تعليقاً].
وشروط (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): أَوَّلًا: العِلْمُ: فَلَا يَنْفَعُ قَوْلٌ مَعَ جَهْلٍ مُطْبِقٍ بِمَعْنَاهَا. ثَانِيًا: اليَقِينُ: أَنْ تَقُولَهَا وَأَنْتَ مُوقِنٌ بِصِدْقِهَا، لَا يُخَالِجُكَ شَكٌّ فِي أُلُوهِيَّةِ رَبِّكَ. ثَالِثًا: الصِّدْقُ: أَنْ تَصْدُقَ مَعَ اللهِ فِيهَا، فَلَا تَكُونُ كَالمُنَافِقِينَ الذِينَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. رَابِعًا: المَحَبَّةُ: أَنْ تُحِبَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وَتُحِبَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَتُحِبَّ أَهْلَهَا العَامِلِينَ بِهَا. خَامِسًا: الإِخْلَاصُ: وَهُوَ تَنْقِيَةُ العَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ.
فإنَّ تَحْقِيقَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ اللهُ هُوَ المَحْبُوبُ الأَوَّلُ، وَالمَرْجُوُّ الأَوْحَدُ، وَالمَخُوفُ الرَّجِيُّ، فَلَا نَذْبَحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا نَنْذِرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163].
وهَذِهِ المَعَانِيَ تَسْتَوْجِبُ مِنَّا مُرَاجَعَةً دَائِمَةً لِإِيمَانِنَا، فَهَلْ نَحْنُ نُعَظِّمُ اللهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ؟، هَلْ نَخَافُ مَقَامَهُ؟، فإِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَغْلَى مَا نَمْلِكُ، فَحَافِظُوا عَلَى أَصْلِ دِينِكُمْ، وَتَدَبَّرُوا فِي مَعَانِي كَلِمَةِ الإِخْلَاصِ، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول اللهُ تَعَالَى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم:27]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ» [أخرجه البخاري].
فإِنَّ الثَّمَرَةَ العُظْمَى لِفَهْمِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هِيَ الثَّبَاتُ، الثَّبَاتُ فِي زَمَنِ الفِتَنِ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ لِقَاءِ مَلَكِ المَوْتِ، فمَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعِثَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَتْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هِيَ شُغْلُكَ الشَّاغِلُ فِي حَيَاتِكَ، كَانَتْ هِيَ جَوَابُكَ فِي قَبْرِكَ حِينَ تُسْأَلُ: مَنْ رَبُّكَ؟.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): لِهَذِهِ الكَلِمَةِ (لَذَّةً وحلاوة وطمأنينة) لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ ذَاقَهَا، لَذَّةُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الخَلْقِ بِالخَالِقِ، فَمَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ كَمُلَ أَمْنُهُ، وَتَمَّتْ هِدَايَتُهُ، قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: “فِي القَلْبِ شَعَثٌ لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الإِقْبَالُ عَلَى اللهِ، وَفِيهِ وَحْشَةٌ لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الأُنْسُ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ”، وَلَا أُنْسَ وَلَا طُمَأْنِينَةَ إِلَّا بِتَحْقِيقِ كَلِمَةِ الإِخْلَاصِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]. وَفي الحديث الصحيح: (عَنْ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.. أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» [أخرجه البخاري].
فإِذَا اسْتَقَرَّ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي نَفْسِ العَبْدِ، أَثْمَرَ حُرِّيَّةً حَقِيقِيَّةً؛ فَلَا يَكُونُ عَبْدًا لِهَوًى، وَلَا عَبْدًا لِدِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ، وَلَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فالتَّوْحِيد يُحَرِّرُ العَقْلَ مِنَ الخُرَافَاتِ، وَيُحَرِّرُ القَلْبَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالمَخْلُوقِينَ، الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): بموجبها يعترفُ العبدُ للهِ عزّ وجلّ وحدَه بالربوبية والألوهية، ويشهدَ العبدُ أنَّ الله هوَ المستحقُّ للعبادةِ والطاعة، وأنَّه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، فهو وحدَه سبحانه المستحقُّ بأنْ تصرفَ له جميعُ العباداتِ، وتكونَ خالصةً له دون سواه، ففي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): تعني أن الخوفَ منه، والرجاءَ فيه، والتعبُّدَ له، فيجب إفرادُه بالمحبةِ، والإجلالِ، والتعظيمِ، والخوفِ، والرجاءِ، والتوكلِ، والإنابةِ، والرّغبة، والرّهبةِ، فلا يُحَبُّ سواه، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»، وفي مسند أحمد: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): فلا يُحْلَفُ إلَّا باسمِهِ، ولا يُنْذَرُ إلَّا له، ولا يُتَابُ إلَّا إليه، ولا يُطَاعُ إلَّا بأمرِه، ولا يُحْتَسَبُ إلَّا له، ولا يُسْتَعَانُ في الشدائِد إلَّا به، ولا يُلْتَجَأُ إلَّا إليه، ولا يُسْجَدُ إلَّا له، ولا يُذْبَحُ إلَّا له وباسمِهِ، ولا يطلب المدد والغوث إلا منه.
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): هذه الشَّهادة هي التي تُنجِّي قائِلَها بصِدقٍ مِن النَّارِ، ومِن عَذابِ يومِ القيامة، ومَنْ عمل بما دلت عليه كانت له السعادة في الدنيا والآخرة، ومَنْ قالها كذباً ونفاقا حَقنت دمه، وحفظت عليه ماله في الدنيا، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم فَمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، وفي الصحيحين «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». وفي صحيح مسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ»، وفيه من حديث طويل: (قَالَ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»
فاعْلَمُوا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللهِ بَدَؤُهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَمُنْتَهَاهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي نُجَدِّدُ بِهَا إِيمَانَنَا كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ،
فَيَا عَبْدَ اللهِ، اجْعَلْ حَظَّكَ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ أَوْفَرَ الحَظِّ، وَاجْعَلْهَا قَائِدَكَ فِي سُلُوكِكَ، وَحَكَمًا فِي نَزَعَاتِكَ، وَأَنِيسًا فِي وَحْدَتِكَ، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يُحْيِيَنَا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُمِيتَنَا عَلَيْهَا، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ أَهْلِهَا، ففي صحيح البخاري: (قال صلى الله عليه وسلم: (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».
(الدعاء)
