خطبة عن (الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
سبتمبر 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (قارون وفتنة المال)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (76): (81) القصص، وَفي الحديث: (عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ” [رواه الترمذي وصححه الألباني].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ قِصَّةَ قَارُونَ لَيْسَتْ حِكَايَةً عَابِرَةً، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةٌ فِي عِلَاجِ كِبْرِ النُّفُوسِ، وَطُغْيَانِ الثَّرَاءِ، فقَدْ مَنَحَ اللَّهُ قَارُونَ مِنَ الأَمْوَالِ مَا تَعْجَزُ الجَمَاعَةُ القَوِيَّةُ عَنْ حَمْلِ مَفَاتِيحِ خَزَائِنِهِ، فَمَاذا كَانَ جَزَاءُ النِّعْمَةِ؟، لَقَدْ كَانَ “البَغْيُ”، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى العِبَادِ، فالمَال فِتْنَةٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سُلَّماً لِلْجَنَّةِ بِالشُّكْرِ وَالصَّدَقَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَاوِيَةً لِلنَّارِ بِالبَطَرِ وَنِسْيَانِ المُنْعِمِ.
وقَارُونُ نَسِيَ أَنَّ المَالَ مَالُ اللَّهِ، وَأَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، فَظَنَّ أَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ هُوَ حَصَادُ ذَكَائِهِ وَعِبْقَرِيَّتِهِ، فَقَالَ كَلِمَةَ الطُّغْيَانِ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}،
هَذِهِ الكَلِمَةُ هِيَ مَقْتَلُ كُلِّ غَنِيٍّ يَرَى فَضْلَ نَفْسِهِ، وَيَعْمَى عَنْ فَضْلِ رَبِّهِ.
وتَأَمَّلُوا فِي نَصِيحَةِ العُقَلَاءِ لِقَارُونَ، وَهِيَ وَصِيَّةٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ دِرْهَماً:
{لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}؛ أَيِ الفَرَحَ الذِي يُورِثُ الأَشَرَ وَنِسْيَانَ الآخِرَةِ،
ثُمَّ أَرْشَدُوهُ إِلَى القَاعِدَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.
فالإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُكَ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالمَالِ الحَلَالِ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُكَ أَنْ تَبْنِيَ قُصُورَ الدُّنْيَا عَلَى أَنْقَاضِ قُصُورِ الآخِرَةِ، وفِتْنَةَ المَالِ تَجْعَلُ بَعْضَ النَّاسِ يَتَرَفَّعُونَ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَيَبْخَلُونَ بِحَقِّ الزَّكَاةِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ جَاهَهُمْ سَيَحْمِيهِمْ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ،
فقَارُونُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، فَانْقَسَمَ النَّاسُ بَيْنَ مَفْتُونٍ يَتَمَنَّى مِثْلَ مَالِهِ، وَبَيْنَ عَالِمٍ يُوقِنُ أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
وعِنْدَمَا بَلَغَ الطُّغْيَانُ مَدَاهُ، جَاءَ الحُكْمُ الإِلَهِيُّ السَّرِيعُ: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}،
فلَمْ تَنْفَعْهُ كُنُوزُهُ، وَلَمْ تَحْمِهِ حَاشِيَتُهُ، وَغَارَ مَالُهُ فِي التُّرَابِ الذِي تَكَبَّرَ عَلَيْهِ.
فاعلم أنَّ كُلَّ مَالٍ لَا يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ بَلَاءٌ، وَكُلَّ جَاهٍ لَا يُنْصِفُ المَظْلُومَ فَهُوَ شَقَاءٌ،
وفِتْنَةُ المَالِ فِي زَمَانِنَا هِيَ السَّعْيُ المَحْمُومُ، وَرَاءَ الكَسْبِ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ، وَلَوْ كَانَ رِبًا أَوْ غِشًّا أَوْ رِشْوَةً،
ومَنْ جَمَعَ المَالَ وَمَنَعَهُ عَنْ أَهْلِهِ، أَوْ بَذَّرَهُ فِي المَعَاصِي، فَلْيَنْتَظِرْ خَسْفًا فِي بَرَكَةِ عُمُرِهِ، أَوْ صَلَاحِ ذُرِّيَّتِهِ.
وقِصَّةُ قَارُونَ تَقُولُ لَنَا: القِيمَةُ لَيْسَتْ بِمَا تَمْلِكُ، بَلْ بِمَا تَبْذُلُ، وَالأَمَانُ لَيْسَ فِي الرَّصِيدِ، بَلْ فِي الرِّضَا وَالتَّوْحِيدِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ العِلَاجَ مِنْ فِتْنَةِ المَالِ يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: يَقِينُ القَلْبِ بِأَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ، وَتَذَكُّرُ سُرْعَةِ الزَّوَالِ.
ولَقَدْ تَمَنَّى المَفْتُونُونَ مَكَانَ قَارُونَ بِالأَمْسِ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ رَأَوْا مَصِيرَهُ قَالُوا:
{وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا}.
فلِنَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَنَا فِي الدُّنْيَا، لِنَعْرِفَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَلْنَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَنَا فِي الدِّينِ، لِنَسْتَشْعِرَ تَقْصِيرَنَا،
ومَنْ جَعَلَ المَالَ فِي يَدِهِ نَفَعَ وَاسْتَنْفَعَ، وَمَنْ جَعَلَهُ فِي قَلْبِهِ طَغَى وَهَلَكَ،
فكُونُوا عِبَاداً لِلَّهِ الشَّكُورِ، وَلَا تَكُونُوا عِبَاداً لِلدِّينَارِ المَبْتُورِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمْ فِي القَلِيلِ وَيُجْزِلَ لَكُمْ فِي الكَبِيرِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83].
وَفي الصحيح: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَتَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ…”،
فإِنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ العَرَضِ، بَلْ فِي غِنَى النَّفْسِ، وَطَهَارَةِ الكَسْبِ،
فقَارُونُ مَاتَ طَرِيداً فِي عُمْقِ الأَرْضِ، وَعَاشَ المُتَّقُونَ بِذِكْرِهِمُ الحَسَنِ فِي أَعْلَى المَقَامَاتِ، فالعِبْرَةُ بِالخَاتِمَةِ؛
فلِنُطَهِّرْ مَكَاسِبَنَا، وَنُؤَدِّ زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، وَنَرْحَمْ فُقَرَاءَنَا، فالرِّزْقُ يَأْتِي بِالسَّعْيِ، وَالبَرَكَةُ تَأْتِي بِالتَّقْوَى، ومَنْ كَانَ المَالُ خَادِمَهُ عَاشَ عَزِيزاً، وَمَنْ كَانَ المَالُ سَيِّدَهُ عَاشَ ذَلِيلاً، ولِنَجْعَلِ الدَّارَ الآخِرَةَ هَمَّنَا، لِيَكُونَ المَالُ لَنَا زَاداً إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّنَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9].
وَفي الصحيحين: (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ” ،
فبَعْدَ أَنْ أَبْصَرْنَا مَصِيرَ قَارُونَ وَعَاقِبَةَ طُغْيَانِهِ، يَتَسَاءَلُ المُؤْمِنُ: كَيْفَ النَّجَاةُ؟، وَكَيْفَ يَجْعَلُ المَالَ فِي يَدِهِ خَادِمًا لَا فِي قَلْبِهِ سَيِّدًا؟،
والجواب: إِنَّ أَوَّلَ طَرِيقِ النَّجَاةِ هُوَ “تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ لِلهِ فِي الرِّزْقِ”؛ بِأَنْ تَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّكَ “مُسْتَخْلَفٌ” فِي هَذَا المَالِ، وَلَسْتَ مَالِكًا حَقِيقِيًّا لَهُ، فالمَالُ مَالُ اللهِ، وَأَنْتَ أَمِينٌ عَلَيْهِ سَتُسْأَلُ عَنْ نَقِيرِهِ وَقِطْمِيرِهِ،
والنَّجَاةُ تَبْدَأُ حِينَ يَتَحَرَّى المُسْلِمُ “طِيبَ المَكْسَبِ”؛ فَلَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ إِلَّا حَلَالٌ، وَلَا يَنْبُتُ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ، وإِنَّ القَنَاعَةَ بِالحَلَالِ -وَإِنْ قَلَّ- هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ مِنَ السُّقُوطِ فِي هَاوِيَةِ قَارُونَ، فالمَالُ الحَلَالُ بَرَكَةٌ فِي العُمُرِ، وَنُورٌ فِي البَصِيرَةِ، وَنَجَاةٌ مِنَ الخَسْفِ المَعْنَوِيِّ الذِي يُصِيبُ القُلُوبَ الغَافِلَةَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (قارون وفتنة المال)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ النَّجَاةِ: “إِخْرَاجُ حَقِّ اللهِ فِي المَالِ”؛ فَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ ضَرِيبَةً، بَلْ هِيَ طُهْرَةٌ لِلْمَالِ وَتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ، فقَارُونُ بَخِلَ بِزَكَاتِهِ فَخُسِفَ بِهِ، وَالمُؤْمِنُ الذِي يُؤَدِّي زَكَاتَهُ وَيُتْبِعُهَا بِالصَّدَقَةِ يَحْفَظُ مَالَهُ بِحِفْظِ اللهِ، والصَّدَقَةُ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَجْعَلُ القَلْبَ رَفِيقًا رَحِيمًا لَا جَبَّارًا عَنِيدًا،
وكُلَّمَا أَنْفَقْتَ لِوَجْهِ اللهِ، انْكَسَرَتْ فِي نَفْسِكَ حِدَّةُ الطَّمَعِ، وَصَغُرَتْ الدُّنْيَا فِي عَيْنِكَ، والنَّجَاةُ هِيَ أَنْ تَرَى المَالَ وَسِيلَةً لِعِمَارَةِ الآخِرَةِ، لَا غَايَةً لِلتَّفَاخُرِ بَيْنَ الخَلَائِقِ، فاِبْنِ لِنَفْسِكَ رَصِيدًا عِنْدَ اللهِ، لَا تَطَالُهُ أَيْدِي اللُّصُوصِ، وَلَا تَقَلُّبَاتُ الأَسْوَاقِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وكَذَلِكَ نَنْجُو بِـ “الاعْتِدَالِ وَالاقْتِصَادِ”؛ فَلَا إِسْرَافَ يُهْلِكُ المَوَارِدَ، وَلَا تَبْذِيرَ يَجْلِبُ الشَّيَاطِينَ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29].
فالتَّوَازُنُ فِي الإِنْفَاقِ هُوَ دَلِيلُ الحِكْمَةِ، والمَفْتُونُ بِالمَالِ يَصْرِفُهُ فِي المَفَاخِرِ الكَاذِبَةِ، وَالمَلَاذِ الفَانِيَةِ، أَمَّا النَّاجِي فَيَضَعُ المَالَ فِيمَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَأُمَّتَهُ.
والنَّجَاةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ “سَيِّدَ مَالِكَ”؛ تَصْرِفُهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ، وَتَمْسِكُهُ عَمَّا نَهَى اللهُ، فمَنْ جَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، اسْتَغْنَى عَنِ النَّاسِ وَإِنْ قَلَّ مَالُهُ، وَمَنْ جَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، لَمْ يَشْبَعْ وَلَوْ مَلَكَ كُنُوزَ الأَرْضِ.
وإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِآيَاتِ اللهِ فِي مَصَارعِ الطُّغَاةِ، هُوَ جَوْهَرُ النَّجَاةِ، فانْظُرُوا إِلَى مَنْ جَمَعُوا وَحَمَوْا ؛أَيْنَ هُمْ الآنَ؟، رَحَلُوا، وَتَرَكُوا الأَمْوَالَ لِغَيْرِهِمْ، وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الحِسَابُ،
فالنَّاجِي هُوَ الذِي يَذْكُرُ المَوْتَ وَهُوَ فِي قِمَّةِ ثَرَائِهِ، فَيَعْمَلُ لِمَا بَعْدَهُ، ولَا تَجْعَلِ السَّعْيَ لِلرِّزْقِ يَصْرِفُكَ عَنْ “صَلَاةِ الجَمَاعَةِ” أَوْ “بِرِّ الوَالِدَيْنِ” أَوْ “طَلَبِ العِلْمِ”، فالمَالُ زِينَةٌ، وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هِيَ الجَوْهَرُ،
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نِيَّاتِكُمْ؛ اجْعَلُوا الدُّنْيَا فِي مَمَرِّكُمْ، وَالآخِرَةَ فِي مَقَرِّكُمْ، لِتَكُونُوا مِمَّنْ سَلِمُوا مِنْ فِتْنَةِ السَّامِرِيِّ وَطُغْيَانِ قَارُونَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32].
وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ”،
فالإِسْلَام لَا يُحَارِبُ الثَّرَاءَ، بَلْ يُهَذِّبُ الثَّرِيَّ؛ فَفي مسند أحمد: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمْرُو نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ»،
فالنَّجَاةُ هِيَ أَنْ تَمْلِكَ المَالَ وَلَا يَمْلِكَكَ، وحِينَ تَكُونُ اليَدُ العُلْيَا خَيْراً مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَهَذَا حَثٌّ عَلَى الكَسْبِ الشَّرِيفِ لِنَفْعِ الإِسْلَامِ،
فلِنَجْعَلْ مِنْ أَمْوَالِنَا جُسُوراً لِلْآخِرَةِ، بِكُلِّ كَلِمَةِ طَيِّبَةٍ، وَكُلِّ دِرْهَمٍ فِي مَوْضِعِهِ، ولَا تَنْسَوْا أَنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ، وَالأَجَلَ مَحْتُومٌ، وَلَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَثِقُوا بِالرَّبِّ، وَاحْذَرُوا فِتْنَةَ الِاقْتِتَالِ عَلَى الحُطَامِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
( الدعاء )
