خطبة حول ( مواقف الشجعان من السنة والقرآن )
يونيو 6, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أساليب الرسول في التربية والتعليم)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (21) الأحزاب.
إخوة الإسلام
لقد اعتمد النبي ﷺ في تعليم أصحابه منهجاً تربوياً شاملاً ومتنوعاً، ومن أبرز أساليب النبي ﷺ في التعليم: التعليم بالقدوة (التطبيق العملي): فكان النبي ﷺ يجسد ما يُعلمه عملياً، ففعله يسبق قوله، كما في صلاته وحجه.
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: عدم الإكثار والإملال: فكان- صلى الله عليه وسلم- يقتصد في مقدار تعليمه، وزمانه، حتى لا يمل الصحابة، وينشطوا لحفظه، ويسهل عليهم عقله وفهمه، ففي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: ضرب الأمثال: فللمثل أثر بالغ في إيصال المعنى إلى العقل والقلب، وذلك أنه يقدم الأمر المعنوي في صورة حِسية، فيربطه بالواقع، ويقربه إلى الذهن ولذلك، استكثر القرآن الكريم من ضرب الأمثال، فقال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت:43)،
وعلى هذا المنهج الكريم سار النبي – صلى الله عليه وسلم -، فاستكثر من ضرب الأمثال، حتى قال عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: ” عقلت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألف مثل “، ومن هذه الأحاديث في ضرب المثل: قوله ـ صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: التعليم من خلال طرح السؤال: وقد استخدم النبي – صلى الله عليه وسلم – السؤال في صور متعددة، لتعليم الصحابة، مما كان له كبير الأثر في حسن الفهم، وتمام الحفظ، وتفاعل الصحابة عمليا مع المعاني التربوية المقصودة، فأحيانا يوجه النبي – صلى الله عليه وسلم – السؤال لتشويق المستمع، ولفت انتباهه للمعنى المراد، ففي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ». وفيه أيضا: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْىٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ». فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ» .قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ «فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ».
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: التعبير بحركة اليد والرسم: وذلك مثل تشبيكه – صلى الله عليه وسلم – بين أصابعه، وهو يبين طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه، ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي مُوسَى – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)
أما التعبير بالرسم، فقد خط رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على الأرض خطوطا توضيحية، ليلفت نظر وتركيز الصحابة، ثم أخذ في شرح مفردات تلك الخطوط، وبيان المقصود منها، ففي صحيح ابن حبان ومسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيماً». قَالَ ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلاَّ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ». ثُمَّ قَرَأَ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: التعبير برفع وإظهار المُتَحَدَّث عنه: كما فعل – صلى الله عليه وسلم – عند الحديث عن حكم لبس الحرير والذهب، ففي سنن أبي داود: (عَنْ عَلِىّ بْن أَبِى طَالِبٍ – رضى الله عنه – يَقُولُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي».
ومن أساليب النبي ﷺ في التعليم: التعليم العملي بفعل الشيء أمام الناس: وقد وصف سهل الساعدي ـ رضي الله عنه ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أول جلوس له على المنبر كما في صحيح البخاري: فقال: «مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَي فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ « أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي»
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يرحِّب بالمتعلم: ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « مَنِ الْوَفْدُ». قَالُوا رَبِيعَةُ. قَالَ «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ وَالْقَوْمِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى» فالترحيب بالمتعلم يشعره بالإيناس والراحة، فإذا استقبل المعلم الطالب بالترحيب، والسؤال عن اسمه، فسيشعر بالارتياح، ويحب المكان الذي قدم إليه.
ومن أساليب النبي ﷺ في التعليم: أن يُقبِل على المتعلم: ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ – قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا – فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فاستقبال المخاطب بالوجه من السنة والأدب، وفيه تقدير للمخاطب، وإشعار بالاهتمام به
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يظهر الحب بمس أعضاء المتعلم: ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِمَنْكِبِي فَقَالَ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)، فمسه صلى الله عليه وسلم لأحد أعضائه يشعره بالحب، وكذلك يشعره بالاهتمام، ويجعل المتعلم يهتم لما سيُقال له بعد ذلك.
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يُعلّم برفق، ففي صحيح البخاري: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، فعلى المعلم أن يراعي حال المتعلم، فقد تكون الشدة سببًا لنفوره من العلم، وخاصةً في حق المتعلمين الصغار، الذين هم أشد الناس حاجة إلى الرفق،
ومن أساليب النبي ﷺ التربية وفي التعليم: أنه يغتنم الفرص في التعليم: ففي الصحيحين: (عَنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلاَةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا»
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أنه كان يناديهم أحيانا بأسمائهم: ففي الصحيحين: (أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلاَثًا. قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا)، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ فَصَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً وَإِلاَّ كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلاَتَكَ».
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يسأل المتعلم لاختباره: ففي صحيح مسلم: (عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ». قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ». قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ. قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ». ففي سؤاله بيان ما يتميز به المتعلم من العلم والفقه، وفيه تقدير له،
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يثني على المتعلم: ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بِالْبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ فَقَالَ « أَحَجَجْتَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «بِمَا أَهْلَلْتَ». قُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «أَحْسَنْتَ. طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ»
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أساليب الرسول في التربية والتعليم)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أنه يعلّم في كل مكان: ففي الصحيحين: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا» فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ وَلاَ صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، فقد استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل وهو خارج من المسجد، فلم ينكر عليه سؤاله في ذلك المكان، فالتربية والتعليم ليست خاصةً في مكان معين
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أنه قد يسكت عن السؤال: ففي صحيح البخاري: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي بَعْضِ حَرْثِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، فقد يسكت المعلم عن الجواب إن لم يعرف، وسكوته ليس عيبًا، كذلك قوله: لا أدري، فمحاولة الإجابة على سؤال لا يعلمه قد يؤثر على تلقي الطلاب عنه، ويستطيع المعلم معالجة الموقف بجعل هذا السؤال موضوع بحث للقاء قادم.
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: أن يتجنب الكلام الفاحش: ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَاحِشًا وَلاَ لَعَّانًا وَلاَ سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ «مَا لَهُ ،تَرِبَ جَبِينُهُ». فالكلام البذيء والفحش ليس من خلق المسلم، فكيف به في المعلم الذي هو قدوة للطلاب،
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: عدم التصريح بالأسماء إذا دعت إلى ذلك ضرورة: ففي صحيح البخاري: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ»، وفي سنن الدارمي: (خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّاسَ يَوْماً وَوَعَظَهُمْ فِي النِّسَاءِ فَقَالَ :«مَا بَالُ الرَّجُلِ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ يَوْمِهِ».
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: المحاورة والإقناع العقلي: ففي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلاَمٌ أَسْوَدُ. فَقَالَ «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «مَا أَلْوَانُهَا». قَالَ حُمْرٌ. قَالَ «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَأَنَّى ذَلِكَ». قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ»، وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا مَهْ مَهْ. فَقَالَ «ادْنُهْ». فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً. قَالَ فَجَلَسَ. قَالَ «أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قَالَ «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ». قَالَ لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ «وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ». قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». قَالَ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ).
ومن أساليب النبي ﷺ في التربية والتعليم: بيان البديل عن المنهي عنه: ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي الصَّلاَةِ قُلْنَا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو»
ومن الأساليب التربوية للنبي صلى الله عليه وسلم مع النساء: فقد كان أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم معهن خاصا بهن، لعلمه بما فُطرن عليه، ومن ذلك: تخصيص وقت لتعليمهنّ، والحديث معهنّ في حدود ما شرع الله: ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «لاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». قَالَ وَقَالَ أَبِي «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ»، وفي الصحيحين: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ «تَطَهَّرِي بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ قَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
أيها المسلمون
هذه بعض الوسائل النبوية في تعليمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأمة، وما يستقيم به أمرها في الدنيا والآخرة، وقد ترك لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثروة هائلة، ومنهجا عظيما، من وسائل التربية والتعليم، والتي تعين على سهولة الحفظ، وحسن التعلم، وسمو التربية، ولنا في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسوة وقدوة حسنة، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21).
الدعاء
