خطبة عن (الإخلاصُ للهِ)
يونيو 13, 2026الخطبة الأولى (الهجرة النبوية: أسبابها، وأهدافها، ونتائجها)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (40) التوبة، وفي صحيح مسلم: (في حديث أبي ذر: قال: (ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لاَ أُرَاهَا إِلاَّ يَثْرِبَ فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ».
إخوة الإسلام
من أوَّل يومٍ في الدَّعوة الإسلاميَّة المبارَكة والرسولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يعلَم أنَّه سيَخرُج من بلده (مُهاجِرًا)؛ ففي الصحيحين: (في حديث (وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ … فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ (هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى – صلى الله عليه وسلم – يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ». قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ).
ومن المعلوم أنَّ الْهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ النُّقْطَةُ الْفَاصِلَةُ، بَيْنَ عَهْدِ الِاسْتِضْعَافِ، وَعَهْدِ التَّمْكِينِ، وَهِيَ الْمَدْرَسَةُ الْعُظْمَىٰ، الَّتِي نَتَعَلَّمُ فِيهَا: كَيْفَ نَقْرَأُ سُنَنَ اللَّهِ فِي الدَّعَوَاتِ وَالدُّوَلِ،
وَإِنَّ لِكُلِّ حَدَثٍ أَسْبَابًا دَافِعَةً، وَأَهْدَافًا مَرْسُومَةً، وَنَتَائِجَ مَشْهُودَةً؛ وَهَٰذَا هُوَ مِحْوَرُ حَدِيثِنَا الْيَوْمَ: (الهجرة النبوية: أسبابها، وأهدافها، ونتائجها)، لِنَفْهَمَ عُمْقَ هَٰذِهِ الرِّحْلَةِ النُّورَانِيَّةِ.
ولِنَبْدَأْ أَوَّلًا بِفِقْهِ “الْأَسْبَابِ“: والسؤال: لِمَاذَا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ؟، والجواب: إِنَّ الْأَسْبَابَ لَمْ تَكُنْ وِليدَةَ لَحْظَةٍ، بَلْ كَانَتْ نَتِيجَةَ تَرَاكُمَاتٍ عَقَدِيَّةٍ، وَوَاقِعِيَّةٍ مَرِيرَةٍ،
وَأَوَّلُ هَٰذِهِ الْأَسْبَابِ هُوَ: “عَدَمُ تَقَبُّلِ مَكَّةَ لِلْإِسْلَامِ ابْتِدَاءً“؛ فلَقَدْ بَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يَصْدَعُ بِالْحَقِّ، وَيَقْرَعُ عُقُولَ قُرَيْشٍ بِآيَاتِ التَّوْحِيدِ، وَلَٰكِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمَكِّيَّ وَصَلَ إِلَىٰ مَرْحَلَةٍ مِنَ الِانْسِدَادِ الدَّعَوِيِّ، وَالْجُمُودِ الْعَقَدِيِّ؛ حَيْثُ حَاصَرُوا الكَلِمَةَ، وَأَغْلَقُوا الْآذَانَ، وَأَصْبَحَتْ مَكَّةُ بِيئَةً طَارِدَةً، لَا تَسْمَحُ لِلْغَرْسِ الْإِيمَانِيِّ أَنْ يَنْمُوَ أَوْ يَمْتَدَّ، لِأَنَّ كِبْرِيَاءَ السَّادَةِ، وَمَصَالِحَ الِاقْتِصَادِ الْجَاهِلِيِّ، المَبْنِيِّ عَلَى الْأَصْنَامِ، تَعَارَضَتْ مَعَ رَايَةِ “لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ”.
وَعِنْدَمَا أُغْلِقَتْ أَبْوَابُ مَكَّةَ، كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ “بِيئَةٍ حَاضِنَةٍ جَدِيدَةٍ”؛ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، فَرُدَّ رَدًّا قَبِيحًا،
وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى القبَائِلِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، حَتَّىٰ سَاقَ اللَّهُ لَهُ طَلَائِعَ الْخَيْرِ مِنْ يَثْرِبَ، وَهُنَا نَلْمَحُ السَّبَبَ الثَّانِيَ الْجَوْهَرِيَّ وهو: “اسْتِعْدَادُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لِقَبُولِ دَعْوَتِهِ“؛ فَقَدْ كَانَتْ يَثْرِبُ تَعِيشُ حَالَةً مِنَ التَّمَزُّقِ، وَالِاحْتِرَابِ الْأَهْلِيِّ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ جِيرَانِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، أَنَّ نَبِيًّا قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، فَلَمَّا دَعَاهُمُ الْمُصْطَفَىٰ، وَجَدَ فِيهِمْ قُلُوبًا خَاوِيَةً مِنَ الْكِبْرِ، مُسْتَعِدَّةً لِلِاحْتِضَانِ، فَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَىٰ وَالثَّانِيَةِ، وَتَعَاهَدُوا عَلَىٰ نَصْرِهِ، فَأَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ هِيَ المَعْقِلَ الَّذِي يَنْتَظِرُ الْقَائِدَ وَالرِّسَالَةَ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، جَاءَتِ الْأَسْبَابُ الْأَمْنِيَّةُ، لِتُعَجِّلَ بِالْخُرُوجِ؛ حَيْثُ بَلَغَ “الِاضْطِهَادُ وَالتَّعْذِيبُ” ذُرْوَتَهُ ضِدَّ ضُعَفَاءِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ تَوَّجَتْ قُرَيْشٌ فُجُورَهَا بِـ “تَخْطِيطِ الِاغْتِيَالِ” النَّبَوِيِّ فِي دَارِ النَّدْوَةِ؛ حَيْثُ اجْتَمَعَ طَوَاغِيتُهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَىٰ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلْدًا، فَيَضْرِبُوا النَّبِيَّ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لِيَتَفَرَّقَ دَمُهُ بَيْنَ الْقَبَائِلِ.
لَقَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَىٰ إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، وَلَٰكِنَّ “الْأَمْرَ الْإِلَٰهِيَّ” كَانَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ؛ حَيْثُ نَزَلَ جِبْرِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِيَقُولَ لِلْمُصْطَفَىٰ: “لَا تَبِتْ هَٰذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَىٰ فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِتْ عَلَيْهِ”، فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَتَحَرُّكًا بِالوَّحْيِ، الَّذِي يَحْمِي جَوْهَرَ الرِّسَالَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
هَٰذِهِ هِيَ الْأَسْبَابُ الَّتِي دَفَعَتْ لِلْخُرُوجِ، فَمَا هِيَ “الْأَهْدَافُ” الَّتِي كَانَتْ تَسْعَىٰ إِلَيْهَا هَٰذِهِ الرِّحْلَةُ ؟، فنقول: إِنَّ الْهِجْرَةَ لَمْ تَكُنْ رِحْلَةَ سِيَاحَةٍ، بَلْ كَانَتْ رِحْلَةَ بِنَاءٍ،
وَأَوَّلُ أَهْدَافِ الْهِجْرَةِ: “حِمَايَةُ الدَّعْوَةِ“: لِأَنَّ بَقَاءَ الدَّعْوَةِ فِي مَكَّةَ تَحْتَ السِّيَاطِ، وَالْحِصَارِ، كَانَ يَعْنِي وَأْدَهَا فِي مَهْدِهَا، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهَا إِلَىٰ مَكَانٍ تَتَنَفَّسُ فِيهِ الْحُرِّيَّةَ،
وَالْهَدَفُ الثَّانِي هُوَ: “بِنَاءُ الدَّوْلَةِ“: فَالْإِسْلَامُ لَيْسَ جُمْلَةً مِنَ النَّصَائِحِ الخُلُقِيَّةِ، الَّتِي تُقْرَأُ فِي الزَّوَايَا، بَلْ هُوَ شَرِيعَةٌ، تَحْتَاجُ إِلَىٰ سُلْطَانٍ يُنَفِّذُهَا، وَقَضَاءٍ يَعْدِلُ بِهَا، وَجَيْشٍ يَحْمِيهَا، وَدَوْلَةٍ تُظْهِرُ بَهَاءَهَا؛ فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ تَأْسِيسًا لِكِيَانٍ سِيَاسِيٍّ، يُمَثِّلُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ فِي الْأَرْضِ.
وَلِكَيْ تَقُومَ هَٰذِهِ الدَّوْلَةُ، كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ دَاخِلِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، وَهِيَ: “التَّوَحُّدُ وَالتَّآخِي “؛ فلَقَدْ هَدَفَتِ الْهِجْرَةُ إِلَىٰ صَهْرِ النُّفُوسِ فِي بَوْتَقَةِ الْإِيمَانِ، لِتَذُوبَ العَصَبِيَّاتُ الْقَبَلِيَّةُ، وَتَتَلَاشَى النَّعَرَاتُ الْجَاهِلِيَّةُ، وَيَلْتَقِيَ الْمُهَاجِرُ الْمَكِّيُّ بِالْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ تَحْتَ لِوَاءٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْ رَحِمِ هَٰذِهِ الْأَهْدَافِ كُلِّهَا، كَانَ الْهَدَفُ الْأَسْمَىٰ، وَهُوَ: “تَحْقِيقُ عَالَمِيَّةِ الرِّسَالَةِ“: فَمَا دَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُحَاصَراً فِي شِعْبِ مَكَّةَ، فلَنْ تَصِلَ الرِّسَالَةُ إِلَىٰ كِسْرَىٰ وَقَيْصَرَ وَمُلُوكِ الْأَرْضِ؛ فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ هِيَ الْمِنَصَّةَ الكُبْرَىٰ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنْهَا رَسَائِلُ التَّوْحِيدِ، لِتَدُكَّ عُرُوشَ الطُّغْيَانِ فِي العَالَمِ أَجْمَعَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ
الخطبة الثانية (الهجرة النبوية: أسبابها، وأهدافها، ونتائجها)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَتْ تِلْكَ هِيَ الْأَسْبَابُ، وَالْأَهْدَافُ، فَمَا هِيَ “النَّتَائِجُ الْمُهِمَّةُ” الَّتِي جَنَتْهَا الْأُمَّةُ مِنْ هَٰذِهِ الْهِجْرَةِ؟، فنقول: إِنَّ أَوَّلَ نَتِيجَةٍ عَمَلِيَّةٍ لَمَسَهَا الصَّحَابَةُ هِيَ: “نَجَاةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) مِنْ أَذَىٰ كُفَّارِ مَكَّةَ”: فلَقَدْ تَنَفَّسَ الْمُؤْمِنُونَ الصُّعَدَاءَ، وَأَقَامُوا دِينَهُمْ فِى أَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَتَحَوَّلَ الخَوْفُ الَّذِي كَانَ يُقِضُّ مَضَاجِعَهُمْ فِي مَكَّةَ إِلَىٰ سَكِينَةٍ، يَعْبُدُونَ فِيهَا رَبَّهُمْ، لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا.
ثُمَّ تَلَتْهَا النَّتِيجَةُ الكُبْرَىٰ الَّتِي غَيَّرَتْ خَارِطَةَ الدُّنْيَا، وَهِيَ: “قِيَامُ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ“: فَلَقَدْ أَصْبَحَ لِلْمُسْلِمِينَ كِيَانٌ، وَأَرْضٌ، وَرَايَةٌ، وَعَاصِمَةٌ هِيَ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ.
وَقَامَ هَٰذَا الكِيَانُ عَلَىٰ نَتِيجَةٍ سُلُوكِيَّةٍ فَرِيدَةٍ هِيَ “الْمُؤَاخَاةُ”؛ حَيْثُ جَسَّدَ الْمُجْتَمَعُ الْجَدِيدُ أَعْظَمَ صُوَرِ كَرَمِ الْأَنْصَارِ وَعِفَّةِ الْمُهَاجِرِينَ،
ولَقَدْ سَجَّلَ التَّارِيخُ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَعْرِضُ شَطْرَ مَالِهِ عَلَىٰ أَخِيهِ الْمُهَاجِرِيِّ، فَيَرُدُّ الْمُهَاجِرِيُّ بِكِبْرِيَاءِ الْإِيمَانِ النَّقِيِّ: “بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ”، فَلَمْ يَكُونُوا عَالَةً، وَلَمْ يَكُونُوا طَلَبَةَ مَصَالِحَ، بَلْ كَانُوا بُنَاةَ حَضَارَةٍ.
وَمِنَ النَّتَائِجِ العَظِيمَةِ لِلْهِجْرَةِ: “التَّأْسِيسُ الْمَدَنِيُّ” الَّذِي رَفَعَ لِوَاءَ التَّنْظِيمِ وَالعَدْلِ؛ فَبَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، لِيَكُونَ الرِّبَاطَ الرُّوحِيَّ، ثُمَّ قَامَ بِـ “الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ“؛ فَقَطَعَ دَابِرَ الضَّغَائِنِ الَّتِي أَكَلَتْ شَبَابَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ كَتَبَ “وَثِيقَةَ الْمَدِينَةِ“؛ الَّتِي تُعَدُّ أَوَّلَ دُسْتُورٍ مَدَنِيٍّ حَقِيقِيٍّ فِي التَّارِيخِ، يَحْفَظُ حُقُوقَ الْمُوَاطَنَةِ، وَيُؤَمِّنُ الْأَقَلِّيَّاتِ، وَيَضَعُ أُسُسَ التَّعَايُشِ السَّلِيمِ.
وَمِنَ النَّتَائِجِ العَظِيمَةِ لِلْهِجْرَةِ: “صِيَاغَةُ الْهُوِيَّةِ الْحَضَارِيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ لِلْأُمَّةِ“: فَالْهِجْرَةُ لَمْ تَكُنْ نَجَاحاً عَسْكَرِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ جَعَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ شَخْصِيَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي عِبَادَاتِهِمْ، وَتَشْرِيعَاتِهِمْ، وَحَتَّىٰ فِي تَقْوِيمِهِمُ الزَّمَنِيِّ، الَّذِي اخْتَارَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَ ذَٰلِكَ، لِيَبْدَأَ مِنْ يَوْمِ الْهِجْرَةِ، لِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّ تِلْكَ الرِّحْلَةَ كَانَتْ مِيلَادَ أُمَّةٍ شَابَّةٍ لَا تَمُوتُ.
ووَاجِبَنَا الْيَوْمَ – أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ – وَنَحْنُ نَسْتَقْبِلُ عَامَنَا الْهِجْرِيَّ الْجَدِيدَ، أَنْ نَتَمَثَّلَ رُوحَ الْهِجْرَةِ فِي وَاقِعِنَا؛ وأَنْ نُهَاجِرَ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِي، وأَنْ نَنْبِذَ الْفُرْقَةَ وَالشَّحْنَاءَ فِي بُيُوتِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وأَنْ نَعِيشَ عِفَّةَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَرَمَ الْأَنْصَارِ، لِيَعُودَ لَنَا التَّمْكِينُ الَّذِي عَلَّقَهُ اللَّهُ عَلَىٰ صِدْقِ الِاتِّبَاعِ، وَتَحْقِيقِ شُرُوطِ النَّصْرِ.
الدعاء
