خطبة عن حديث (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟)
يونيو 21, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيِّ لسورة الْفَلَقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) [سورة الْفَلَقِ].
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (سور الفلق)، فلَقَدْ أَودَعَ اللهُ تَعَالَى فِي قِصَارِ السُّوَرِ مَعَانِيَ الإِيمَانِ الكُبْرَى، وَجَعَلَ (سُورَةَ الفَلَقِ) حِصْناً حَصِيناً، يَلْجَأُ إِلَيْهِ المُؤْمِنُ، لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ شُرُورَ الأَكْوَانِ، وَمَكْرَ الأَشْرَارِ.
وإِنَّ النَّاظرَ إِلَى هَذِهِ السُّورَةِ بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ، يُدْرِكُ فِكْرَتَهَا المِحْوَرِيَّةَ الطَّاهِرَةَ، وهي: “الِاحْتِمَاءُ بِانْفِلَاقِ النُّورِ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ وَشَرٍّ مَخْلُوقٍ”، ففي صيح البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ،
وفي سنن النسائي: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِبٌ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ فَقُلْتُ أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ وَسُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)،
وفيه أيضا: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَأَصَبْتُ خُلْوَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ قُلْ فَقُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ قُلْ قُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ مَا تَعَوَّذَ النَّاسُ بِأَفْضَلَ مِنْهُمَا)،
وفي مسند أحمد: (قَالَ عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ .. ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَابْتَدَأَنِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ «يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ أَلاَ أُعَلِّمُكَ خَيْرَ ثَلاَثِ سُوَرٍ أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ الْعَظِيمِ». قَالَ قُلْتُ بَلَى جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ فَأَقْرَأَنِي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثُمَّ قَالَ «يَا عُقْبَةُ لاَ تَنْسَاهُنَّ وَلاَ تَبِيتَ لَيْلَةً حَتَّى تَقْرَأَهُنَّ». قَالَ فَمَا نَسِيتُهُنَّ قَطُّ مُنْذُ قَالَ لاَ تَنْسَاهُنَّ وَمَا بِتُّ لَيْلَةً قَطُّ حَتَّى أَقْرَأَهُنَّ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي مَطْلَعِ السُّورَةِ، حِينَ يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، وَ”الفَلَقُ” فِي أَصَحِّ التَّفَاسِيرِ هُوَ: الصَّبَاحُ، وَانْفِلَاقُ النُّورِ مِنَ الظَّلَامِ، وَفِي هَذَا الِاخْتِيَارِ مَلْمَحٌ تَرْبَوِيٌّ عَمِيقٌ؛ فَكَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ الخَائِفِ: إِنَّ الَّذِي يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى فَلْقِ الصَّبَاحِ، وَطَرْدِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ عَنِ الكَوْنِ، هُوَ الوَحِيدُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَفْلِقَ عَنْكَ هُمُومَكَ، وَيَطْرُدَ عَنْكَ شُرُورَ المَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَخَافُهَا، فَالِاسْتِعَاذَةُ هُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَعْظَمِ جَوَانِبِ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ.
ثُمَّ تَجْمَعُ السُّورَةُ الشُّرُورَ كُلَّهَا فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ): ففِيهَا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَخْلُوقٍ فِيهِ شَرٌّ؛ مِنْ إِنْسٍ، أَوْ جِنٍّ، أَوْ دَابَّةٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ هَامَّةٍ.
ثُمَّ تَأْتِي التَّفَاصِيلُ لِأَخْطَرِ ثَلَاثَةِ شُرُورٍ تَقَعُ فِي الكَوْنِ؛ بَدَأَهَا الله بِقَوْلِهِ تعالى: (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ)، وَالغَاسِقُ: هُوَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ وَدَخَلَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ بَظَلَامِهِ، تَنْتَشِرُ فِيهِ هَوَامُّ الأَرْضِ (من العقارب، والحيات، وغيرها)، وَتَتَحَرَّكُ فِيهِ شَيَاطِينُ الإِنْسِ (من اللصوص والمفسدين في الأرض)، وَشَيَاطِينُ الجِنِّ، وَتَقَعُ فِيهِ جَرَائِمُ المَكْرِ، فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ تعالى، لِيَجْعَلَ لَيْلَهُ أَمَاناً، وَسَاعَاتِ ظَلَامِهِ سَكِينَةً.
أَمَّا الشَّرُّ الثَّانِي المُفَصَّلُ فِيهَا، فَهُوَ: شَرُّ (السِّحْرِ) وَالدَّجَلِ: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، وَالنَّفَّاثَاتُ: هُنَّ السَّوَاحِرُ، الَّتِي يَنْفُثْنَ مَعَ الرِّيقِ فِي عُقَدِ الخُيُوطِ، إِيذَاءً لِلْعِبَادِ، وَفِي هَذَا تَحْذِيرٌ عَقَدِيٌّ صَرِيْحٌ لِلْمُجْتَمَعِ، مِنْ إِتْيَانِ السَّحَرَةِ، أَوْ الخَوْفِ مِنْ كَيْدِهِمْ؛
فَالْقُرْآنُ الكَرِيمُ جَعَلَ (سُورَةَ الفَلَقِ) هِيَ الدَّوَاءَ القَاطِعَ لِأَثَرِ السِّحْرِ، فحِينَ نَفَثَ اليَهُودُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَمَا قَرَأَهَا إِلَّا وَانْحَلَّتِ العُقَدُ، فَلَا تَلْجَؤُوا لِدَجَّالٍ، بَلْ اِلْزَمُوا هَذَا التَّعْوِيذَ الرَّبَّانِيَّ، تَنْجُوا مِنْ كُلِّ أَذَىً خَفِيٍّ.
وقد قال الشيخُ ابنُ بازٍ (رحمه الله): فالنَّصيحةُ لكُلِّ مُسْلِمٍ وكُلِّ مُسلمةٍ، أنْ يَقَرأَ هذهِ السُّور الثلاث: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، و(الْمُعَوذتينِ)، صَبَاحًا ومَسَاءً، وعندَ النومِ، وفيها الكفايةُ والخيرُ العظيم، تكفيهِ مِنْ شَرِّ السِّحْرِ وغيرهِ، وأنْ يكونَ مُؤْمنًا، صَادقًا مُصدِّقًا بما قالَهُ اللهُ ورسولُهُ (صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ خِتَامَ (سُورَةِ الفَلَقِ) المَوْضُوعِيِّ، يَأْتِي لِيَضَعَ اليَدَ عَلَى أَخْبَثِ الأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي تُفَكِّكُ بِنَاءَ الأُمَّةِ؛ وَهُوَ “شَرُّ الحَسَدِ”: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)،
وَالحَسَدُ هُوَ: تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الغير، وَهُوَ نَارٌ تَأْكُلُ صَاحِبَهَا، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى المَحْسُودِ،
وَقَدْ قَيَّدَ اللهُ هذا الشَّرَّ بِقَوْلِهِ تعالى: (إِذَا حَسَدَ)؛ لِأَنَّ الحَاسِدَ قَدْ يَحْمِلُ الغِلَّ فِي نَفْسِهِ، دُونَ أَذَىً، فَإِذَا أَخْرَجَهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ لِسَانِهِ، أَوْ كَيْدِهِ، وَقَعَ الشَّرُّ، فَالِاسْتِعَاذَةُ هُنَا تَحْمِي نِعَمَكَ، وَتَحْفَظُ بَيْتَكَ، وَتَدْفَعُ عَنْكَ سِهَامَ العُيُونِ الحَاقِدَةِ، بِيَقِينِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نَجْعَلُ مِنْ سُورَةِ (الفَلَقِ) مَنْهَجاً سُلُوكِيّاً، لِحِمَايَةِ مُجْتَمَعِنَا؟، والجواب: أَوَّلاً: بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِي الكِتَابِ المَأْثُورِ، عِنْدَ الصَّبَاحِ، وَالمَسَاءِ، وَدُبُرِ الصَّلَوَاتِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ، حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» [رواه الترمذي].
ثَانِيًا: بِأَنْ نُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ الحَسَدِ؛ فَلَا نَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةٍ عَنْ أَحَدٍ، بَلْ نَسْأَلُ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا رَأَيْنَا مَا يُعْجِبُنَا، (بَرَّكْنَا) وَقُلْنَا: “مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”، لِنَكُونَ عَنَاصِرَ بِنَاءٍ وَسَلَامَةٍ فِي أُمَّتِنَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيِّ لسورة الْفَلَقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول العلماء: من قرأها في الصباح والمساء، كفته من كل شيء، ففي سنن الترمذي: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى لَنَا – قَالَ – فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ «قُلْ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ «قُلْ». فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا. قَالَ «قُلْ». قُلْتُ مَا أَقُولُ قَالَ «قُلْ (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ».
وقال ابن القيم -رحمه الله- في كلامه على المعوِّذتين: “المقصود الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعانة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس، والطعام، والشراب، واللباس” (بدائع الفوائد)
وقوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ): فإن المستعاذ به هو (الله) رب الكائنات، القادر القوي، الحفيظ: فالله رب الفلق، ورب الناس، الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، وقد قال الله في كتابه عمن استعاذ بخلقه: أن استعاذته زادته رهقًا، فقال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) [الجن:6]،
قال السدي: “كان الرجل يخرج بأهله، فيأتي الأرض فينزلها، فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن، أن أُضَرّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، زادوهم رهقًا”. أي: طغيانًا وخوفًا وإرهابًا وذعرًا.
ألا فَلْنَلْزَمْ حِصْنَ رب الفَلَقِ، وَلْنَسْتَعِذْ بِرَبِّ النُّورِ، مِنْ كُلِّ شَرٍّ ظَاهِرٍ، فاللَّهُمَّ يَا رَبَّ الفَلَقِ، اِفْلِقْ عَنَّا ظُلُمَاتِ الهُمُومِ، وَقِنَا شَرَّ مَا خَلَقْتَ، وأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ كُلِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ، وَاكْفِنَا شَرَّ كُلِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ.
الدعاء
